اخبار عاجلة:
هستيريا أميركية وسعودية ولبنانية سببها خطة الإيواء: ماذا حصل على الأرض وماذا أبلغ حزب الله الأجهزة العسكرية والأمنية؟
20 تشرين الأول 2026

هستيريا أميركية وسعودية ولبنانية سببها خطة الإيواء: ماذا حصل على الأرض وماذا أبلغ حزب الله الأجهزة العسكرية والأمنية؟

ابراهيم الأمين

أظهرت خطوات سلطة الوصاية في الأيام القليلة الماضية أن كل الحديث عن استعداد الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام للانفتاح على الحوار مع حزب الله، بهدف «لملمة» الأوضاع في البلاد، لا يعدو كونه مجرد خداع وكذب 
 

أظهرت خطوات سلطة الوصاية في الأيام القليلة الماضية أن كل الحديث عن استعداد الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام للانفتاح على الحوار مع حزب الله، بهدف «لملمة» الأوضاع في البلاد، لا يعدو كونه مجرد خداع وكذب، وأنهما أعادا تأكيد التزاماتهما أمام الولايات المتحدة والسعودية، في شن حرب كاملة على المقاومة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً، وحتى أمنياً. وقد تجلّى ذلك في الطلب من الجيش والقوى الأمنية ملاحقة كل عضو في حزب الله يُشتبه في تورطه بعمليات نقل أسلحة، واستدعاء أي مسؤول حزبي تظهر التحقيقات صلته بالملف، أياً كان موقعه التنظيمي.

في نهاية الأسبوع الماضي، كاد عون وسلام يدفعان البلاد نحو انفجار كبير، عندما أصدرا أوامر إلى قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية بتوسيع التحقيقات في ملف شاحنة ضهر البيدر. وتلقّت الأجهزة تعليمات واضحة، بما في ذلك استنابات قضائية لملاحقة من تقول أوساط عون وسلام إن التحقيقات مع عنصري حزب الله كشفت أسماءهم. غير أن اتصالات أجراها مسؤولون أمنيون وعسكريون أفضت إلى توضيح من النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج بأنه لم يطلب توقيف أحد، بل مواصلة التحقيق. وعندما سأله أحد المسؤولين عما إذا كان من المفيد نفي الخبر، نُقل عنه قوله: «لماذا نصدر بياناً يجعلهم في حال اطمئنان؟ فلنبقهم في حال قلق».

الحاج، الذي انضم الى جوقة المعيّنين من قبل المندوبَين الأميركي والسعودي في لبنان، والذي يرعى عمليات خطف تقوم بها مجموعات أمنية تتبع للسفارة السورية في لبنان ضد مواطنين سوريين يقيمون في لبنان، ونقلهم سرّاً إلى العاصمة السورية، كان قد أطلق سلسلة من مواقف تنطلق من اعتباره أنه ينفّذ قرارات الحكومة بشأن تصنيف الجناح العسكري لحزب الله منظمة خارجة عن القانون.

روبيو يحذر عون من مقاطعة المفاوضات ويصر على إلغاء قانون المقاطعة واعتقال قادة في الحزب

لكن هذه الإجراءات ليست سوى الجانب الظاهر من المشهد. فالتفاهمات التي كانت تجري خلف الكواليس مع الأميركيين والسعوديين بدأت تخرج إلى العلن من دون مواربة. وإذا كان الجانب السعودي منشغلاً بمصيبته اليمنية، فإن الأميركيين كانوا أكثر صراحة في التعبير عن المطالب الموجّهة إلى السلطات اللبنانية. وبرز ذلك مع وصول المدير الجديد لمحطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) في بيروت، والمعروف باسم «أوستن»، خلفاً للمديرة السابقة شيري بيكر، التي نُقلت إلى موقع المنسّق لمحطات الوكالة في الشرق الأوسط. وقد جال المسؤول الأمني الأميركي على عدد من المسؤولين اللبنانيين، ناقلاً «مطالب واضحة بالمضي في إجراءات عزل حزب الله والمباشرة بخطوات لنزع سلاحه». وأضاف أنه «إذا كانت الظروف الأمنية في الجنوب تحول دون تنفيذ هذه الخطوات بسبب الاستنفار العسكري، فعلى الحكومة اللبنانية اتخاذ إجراءات عملية في بقية المناطق اللبنانية».

وبحسب معلومات «الأخبار»، زار «أوستن» كيان العدو قبل وصوله إلى بيروت، وعاد متبنّياً وجهة النظر الإسرائيلية التي تتهم الجيش اللبناني بعدم اتخاذ خطوات عملية ضد حزب الله، وتستند إلى ذلك لتبرير عدم توسيع العمل بمبدأ «المناطق التجريبية». وكان المسؤول الأميركي صريحاً في دعوة المسؤولين اللبنانيين إلى عدم توقّع ممارسة واشنطن أي ضغط على إسرائيل، في مقابل مطالبتهم بالمضي في خطوات تثبت رغبة لبنان في تحقيق السلام معها.

البحث عن أموال حزب الله

وبحسب أكثر من متابع، فإن الاستنفار الذي طبع سلوك الجانب الأميركي، وما رافقه من توتر واضح، بدأ مع توافر معلومات استخباراتية لدى جهات غربية وعربية ولبنانية، تفيد بأن حزب الله يستعد لتنفيذ ما أعلنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، في خطابه في ذكرى استشهاد السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، بشأن إعداد خطة لدعم النازحين.

وبعد الضجة التي أثارتها وزارة الخارجية الأميركية، عقب نشر وكالة «رويترز» تقريراً عن وصول 200 مليون دولار إلى حزب الله، تبيّن، وفق المعطيات التي تقاطعت لدى أجهزة أمنية محلية وعربية ودولية، أن الأمر يتجاوز المبلغ المذكور بكثير، وأن خطة الدعم التي عرض تفاصيلها رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش، تستند إلى تمويل يُقدّر بنحو 600 مليون دولار. وتزامن ذلك مع تحرّيات وتدقيق في الوضع المالي للحزب، شملت التحقق مما إذا كان لا يزال يدفع رواتب عناصره بانتظام، وما إذا كانت مؤسساته الصحية والاجتماعية والتربوية تواصل عملها بصورة طبيعية.

وشبّه أحد المتصلين بالأميركيين ما حصل بـ«عملية عسكرية نوعية وكبيرة» نفّذها حزب الله، نظراً إلى الهستيريا التي أحدثتها هذه المعطيات لدى واشنطن وحلفائها العرب والأجانب. وانعكس ذلك في توجيه أوامر إلى الجهات السياسية والإعلامية التي تعمل لمصلحتهم في لبنان، سرعان ما باشرت حملة تركزت على السؤال عن مصدر الأموال، وإعادة إثارة ملف مراقبة الحدود واتهام الأجهزة الأمنية بالتقصير في ضبطها.
وفي هذا السياق، أفادت المعلومات بأن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أبلغ الأميركيين أن القنوات المالية العاملة في لبنان، سواء عبر مصرف لبنان أو المصارف التجارية أو شركات تحويل الأموال ومكاتب الصرافة، لم تسجّل عمليات بهذا الحجم خلال مدة زمنية قصيرة. والمفارقة أن سعيد كان، في الوقت نفسه، يعمل على تقدير حجم الدولارات التي يمكن أن تتدفق إلى مصرف لبنان نتيجة دورة الإنفاق التي ستولّدها خطة الدعم الجديدة!

أوامر عسكرية

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تولّى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بنفسه إدارة الدفة، فأجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس جوزيف عون، طالبه خلاله باتخاذ مجموعة من الخطوات. وبعدما أبدى روبيو استغرابه من عدم امتلاك السلطات اللبنانية معلومات عن وصول مئات ملايين الدولارات إلى حزب الله، طلب من عون العمل مباشرة على إلغاء قانون المقاطعة. وهي مهمة تولّاها لاحقاً السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، في لقائه مع نواب وعبر مواقف علنية، في سياق الرد على ملاحقة حقوقيين للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض، على خلفية تواصلها غير القانوني مع سفير العدو في الولايات المتحدة.

غير أن روبيو كان أكثر اهتماماً بإبلاغ عون بأن التخلف عن المشاركة في جولة المحادثات العسكريةالمقررة في تامبا ستكون له تداعيات سلبية على مسار التفاوض، وطالبه بالضغط على قيادة الجيش للموافقة على آلية تنسيق مباشرة مع جيش الاحتلال. وأشار إلى أن القيادة المركزية الأميركية ستقلّص تدريجياً عدد أفراد فريقها الذي يتولى الوساطة بين الطرفين. كذلك، طلب روبيو من عون تقديم «إثباتات» على جدية لبنان في ملاحقة المسؤولين عن شاحنة ضهر البيدر. وهي نقاط تناولها البيان الصادر عن القصر الجمهوري حول الاتصال.

أركان سلطة الوصاية وخصوم المقاومة يعودون إلى الرهان على حرب جديدة تجهز على المقاومة

ولإزالة أي التباس بشأن طبيعة المطالب الأميركية، جاء تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية أمس ليؤكد أن اتفاق الإطار ينص صراحة بأن على الحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان، معتبراً أن هذه الخطوة شرط ضروري لتنفيذ الاتفاق. وهو الموقف نفسه الذي كان المسؤول الأمني الأميركي «أوستن» قد طرحه خلال لقاءاته مع مسؤولين لبنانيين. وعندما قيل له إن نزع السلاح بالقوة يعني إقحام الجيش اللبناني في مواجهة مع حزب الله سياسياً وشعبياً وعسكرياً، رد ببرود: «لماذا تخشون الاصطدام مع حزب الله، ولماذا تخافون من الحرب الأهلية إذا كانت سبيلاً لتثبيت سلطة الدولة؟».

استطلاع بالنار

في لبنان، قرر عون وسلام استغلال الفرصة للمضي في خطوات تهدف إلى جسّ نبض حزب الله واختبار ردّ فعله على الإجراءات المتخذة. وفي هذا الإطار، طلبا من الجيش والأجهزة الأمنية الاستعداد لتنفيذ عمليات ذات طابع عسكري وأمني في الضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع والجنوب.

وبدأت تتسرّب معلومات عن نية مداهمة شقق ومستودعات في الضاحية. ودفعت هذه التطورات حزب الله إلى التحرك سريعاً، وإبلاغ الجهات الأمنية والعسكرية بأنه يدرك أنها تنفّذ أوامر صادرة عن السلطة السياسية، لكنه حذّر من أن التنفيذ التلقائي لتوجيهات قد تقود إلى مواجهة داخلية يحمّل الجهات المنفّذة مسؤولية ما قد ينجم عنها، لا الجهات التي أصدرت الأوامر وحدها. وترافقت الرسالة مع تحذيرات مباشرة وحازمة مفادها أن عناصر الحزب والمقاومة سيتعاملون مع أي محاولة لدخول أي منشأة بالقوة أو اعتقال مسؤول حزبي باعتبارها اعتداءً إسرائيلياً، وأن الرد عليها سيكون مماثلاً للرد على إسرائيل. ولم يكتفِ الحزب بذلك، بل اتخذ خطوات ميدانية أتاحت للقوى الأمنية والعسكرية فهم أبعاد الرسالة، فبادر قادة عسكريون وأمنيون إلى البحث مع المسؤولين المعنيين عن مخارج تحول دون وقوع صدام.

إحياء رهانات العامين الماضيين

اللافت في مجمل ما يجري أن لا أوراق قوة جديدة في أيدي أركان السلطة. وبدل أن يقوم هؤلاء بمراجعة أدائهم وخياراتهم خلال الأشهر الستة الماضية، يعاودون الرهان من جديد على قيام إسرائيل بعمل عسكري، يعتقدون أنه سيكون هذه المرة حاسماً في القضاء على المقاومة في لبنان. وهو كلام يردّده أركان في الدولة وأعضاء في فرقهم الاستشارية، حول معلومات وصلت إلى كبار المسؤولين تفيد بأن الحرب مع إيران قد تتجدد في أي لحظة، وأن إسرائيل ستستغلّ أي خطأ يرتكبه حزب الله لشن حملة عسكرية واسعة تسقط فيها كل التفاهمات السابقة.

وتشعر هذه القيادات، وبينها رؤساء أحزاب يمينية، بأن واشنطن والرياض تدفعان باتجاه انتقال خصوم حزب الله في لبنان من المواقف السياسية إلى خطوات عملية على الأرض. ونقل عن مرجع حزبي قوله، خلال اجتماع داخلي، إن الضغط على الجيش والقوى الأمنية يهدف إلى دفعهم نحو تكثيف الإجراءات الرامية إلى محاصرة حزب الله ومنعه من قتال إسرائيل، وإن ذلك ضروري لتجنّب إلحاق لبنان بمزيد من الأضرار. وهو منطق لا يعبّر إلا عن شراكة كاملة تستدعي إلى الذاكرة تجربة حزب الكتائب عام 1982، عندما تصرف خادماً عند القوات الإسرائيلية في أثناء اجتياحها لبنان، قبل أن تختار منه رئيساً للجمهورية.

حزب الله يرد على السلطة: ستتحملون مسؤولية خطواتكم

شدّد رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد على أنّ المقاومة «هي خيار الدفاع الوطني الضروري والمشروع عن لبنان»، وأنّ محاولات شيطنتها والإساءة إليها «جرم وطني وأخلاقي»، مؤكداً أنّ شرعية المقاومة هي «أمّ وأصل الشرعيات» والإنكار لحقّها «عدوان على الحياة».

وقال رعد في رد على تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، إنّ «بعض التصريحات تتورّط في الإساءة إلى المقاومة التي هي شرف الوطن، في محاولة لتوهين دورها والتنكر لإنجازاتها الوطنية والطعن بشرعيتها وضرورتها والتطاول على أفرادها وبيئتها، امتثالاً لتوجيهات الأميركيين شركاء العدو». وأكّد أن «المقاومة هي خيار الدفاع الوطني الضروري والمشروع عن لبنان، ومحاولات شيطنتها والإساءة إليها، جرم وطني وأخلاقي يدفع إليه تَصَهيُنٌ وافدٌ يلاقيه انقلابٌ وإسفافٌ وقحٌ في تنصّل البعض من مضمون وثيقة الوفاق الوطني، ومحاباة لقوى خارجية تضغط على لبنان واللبنانيين للارتماء في أحضان العدو الصهيوني ورعاته ووكلائه، وتَسُوقُهُم إلى تجاوز متعمّد للدستور والقوانين اللبنانية المرعية الإجراء».

بدوره، رأى النائب علي فياض أنّ طريقة ومضمون كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الجمهورية جوزيف عون «يعكس بوضوح درجة الانسحاق التي بلغها المسؤولون اللبنانيون في ارتهانهم للخارج». وقال إنّ «السلطة تقصَّدت بكل دراية وإصرار، التوسّع في الخلاف مع المقاومة، بحيث لم يعد يقتصر على مشكلة السلاح، بل باتت تسعى إلى الانقضاض على ظاهرة المقاومة بكل أبعادها، وقد وضعت السلطة نفسها في صدام مع مكوِّن أساسي من المكونات اللبنانية، ولم تعد المشكلة مقتصرة على حزب الله وحده». وأكد أنّ هذه السلطة أوصلت «البلد إلى نقطة احتقان داخلي خطير، وهي تتحمل بصورة كاملة المسؤولية عن تداعياته وعواقبه. وعليها أن تدرك ذلك، وتعيه جيداً، وتخرج من سياسة دفن الرأس بالرمل، التي تعيش فيها والتي ستجلب الخراب إلى البلد».

الحاج يلاحق البيوعات العقارية

باعتبار أن له في «كل عرس قرصاً»، بادر القاضي أحمد رامي الحاج إلى مد يد التعاون في البحث عن أموال حزب الله. وبعدما طلب من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي التدقيق في شركات تحويل الأموال ومكاتب الصرافة والبحث عن أي عملية تقود إلى علاقة سواء مع حزب الله أو مع مؤسسة القرض الحسن، انتقل أخيراً إلى التدقيق في أموال المغتربين اللبنانيين، والشيعة منهم على وجه الخصوص. وطلب «ممّن يعنيه الأمر» للتثبت من مصادر الأموال المستخدمة في عمليات بيع العقارات وشرائها في مختلف المناطق اللبنانية.

وفيما حاولت جهات سياسية مسيحية تقديم هذه الإجراءات بوصفها استجابة لمخاوف من «اجتياح شيعي» للمناطق المسيحية، إلا أن الحاج ينفّذ عملياً طلباً أميركياً يهدف إلى تضييق الخناق على ما يُعرف بـ«اقتصاد الكاش»، ويعتبر أنه بمجرد اضطرار اللبناني إلى وضع أمواله في مصرف حتى يتم التثبت من شرعية الأموال، يتم عملياً ضبط مصدر الأموال ومحاصرة ما يراه خاصاً بالمقاومة وأهلها، علماً أن هذا الإجراء يهدف ضمناً، ولو لم يكن الحاج عارفاً بالأمر، إلى تضييق الخناق على النازحين من أبناء الجنوب، ممّن يتلقّون دعماً كبيراً من دول الاغتراب، سواء في أميركا الشمالية أو أوروبا وأفريقيا.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen