الأخبار _نصف حركة المطار لـ«الميدل إيست»: كم تساوي شركة نمَت في حضن الحصرية؟
ماهر سلامةفي عام 2016، كانت طائرات «الميدل إيست» تمثّل 34.3% من حركة الطائرات في مطار بيروت الدولي، وبقيت حصّتها تدور حول الثلث خلال السنوات التالية، قبل أن تبدأ مسار الصعود نحو 38.1% في 2022، ثم 41% في 2023، و46.6% في 2024. وبعد تراجعها قليلاً إلى 44.1% في 2025، بلغت 49.6% في 2026. أي إن حصّة الشركة ازدادت بنحو 15.3% خلال عشر سنوات، أو ما يعادل زيادة نسبية تقارب 45%. يأتي ذلك رغم أن سوق الطيران اللبنانية لم تكن، خلال معظم هذه الفترة، سوقاً عادية يمكن قياس نجاح الشركة فيها كما تقاس حصّة أي شركة تعمل وسط منافسين محليين، لكن الثابت في هذه الفترة، أن نموّ حصّة شركة «الميدل إيست» خلال هذه السنوات سببه ذلك الامتياز الذي حملته معها في هذه الفترة والذي لا يملكه أي منافس آخر لها، وهو الحقّ الحصري في تشغيل النقل الجوّي النظامي للركاب من لبنان وإليه.
امتياز مربح
الحصرية التي فازت بها «الميدل إيست» لا تعني أنها كانت الشركة الوحيدة المسموح لها بالهبوط والإقلاع من مطار بيروت. فالشركات الأجنبية، تعمل بصورة طبيعية في المطار. لكن الحصرية لها عميق تشغيلي أكبر وأكثر أهمية بالنسبة إلى موقع الشركة في السوق. إذ بموجبها لا يحقّ لأي شركة طيران لبنانية أخرى أن تنشأ وتعمل كناقل منتظم للركاب من لبنان وإليه وتنافس «الميدل إيست» على الخطوط نفسها.
أي إن شركة لبنانية جديدة لم تكن تستطيع، مثلاً، أن تبني أسطولاً وتنطلق من بيروت لتسيير رحلات منتظمة إلى باريس أو دبي أو إسطنبول وتنافس «الميدل إيست» على الركاب والأسعار والمواعيد. بهذا المعنى، كانت الشركة تعمل في سوق فيها منافسة أجنبية، لكنها محمية من المنافسة المحلية المباشرة. وهذه أفضلية كبيرة جداً لأي شركة، لأنها ستتيح لها أن تدرك بأن حصتها الأساسية في السوق لن تتعرض لضغط من ناقل لبناني جديد، وأن منافساً محلياً لن يدخل على خطوطها الأكثر ربحية ويخفض الأسعار أو يزيد عدد الرحلات أو ينافسها على المسافرين اللبنانيين. كما أن الحصرية تقلّل مخاطر الاستثمار بالنسبة إليها، لأنها تستطيع شراء أو استئجار طائرات وفتح خطوط جديدة وهي تعرف أن الدولة نفسها تمنع ظهور منافس محلي مماثل لها.
كان يفترض أن تنتهي هذه الحصرية في 14 أيلول 2024. إلا أن مجلس الوزراء قرّر في آب من ذلك العام تمديد مفاعيلها سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام، استناداً إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات الذي اعتبر أن تعليق المهل القانونية خلال فترة كورونا ينطبق أيضاً على حصرية «الميدل إيست». وبذلك امتد مفعولها لغاية مطلع 2026، قبل أن تنتهي من دون تجديد جديد طويل الأجل.
لا يمكن أن تُنسب كل الزيادة في حصة «الميدل إيست» إلى تفوقها التجاري وحده
لذلك، لا يمكن أن تُنسب كل الزيادة في حصة «الميدل إيست» إلى تفوّقها التجاري وحده، كما لا يمكن نسبها كلها إلى الحصرية. فالحصرية منحتها سوقاً محلية محمية من منافس لبناني مباشر، لكنها لم تمنع منافسة الشركات الأجنبية. أما القفزة الكبيرة في السنوات الأخيرة، فلها سبب آخر أيضاً. إذ خلال الحرب والمخاطر الأمنية الأخيرة، أوقفت شركات أجنبية كثيرة رحلاتها إلى بيروت، بينما استمرّت «الميدل إيست» في العمل. وفي ذروة حرب 2024 تحوّلت عملياً إلى صلة لبنان الجوية الأساسية بعدما انسحبت غالبية الشركات الأجنبية.
كيف يؤثّر ذلك على تقييم الشركة؟

نصف حركة المطار لـ«الميدل إيست»: كم تساوي شركة نمَت في حضن الحصرية؟
منذ سنوات، تطرح إدارة «الميدل إيست» أرقاماً مرتفعة لتقييم الشركة. وفي تشرين الثاني 2025، قال رئيس مجلس الإدارة محمد الحوت إن قيمتها تتجاوز 1.7 مليار دولار. وقبل ذلك بسنوات طويلة، كان رقم المليار دولار حاضراً أيضاً في محاولات طرح جزء من أسهمها.
لكن المليار دولار آنذاك لم يكن «سعر سوق» بالمعنى الفعلي للكلمة. ففي 2009 و2010، حاول مصرف لبنان، الذي يملك الغالبية الساحقة من الشركة، بيع 25% من الأسهم. وعُرض الملف على صناديق استثمار أميركية، وجرى التداول بتقييم للشركة يبلغ مليار دولار، أي 250 مليون دولار للحصّة المطروحة. ودخلت لاحقاً ثلاثة مصارف لبنانية رئيسية في دائرة المهتمين. إلا أن البيع لم يحصل. وبالتالي يمكن القول إن هذا التقييم لم يخضع في النهاية لاختبار السوق. فلم تحصل صفقة يدفع فيها مستثمر مستقلّ 250 مليون دولار مقابل 25%، وبالتالي بقي رقم المليار دولار تقييماً ذاتياً من الشركة، لم يفز بموافقة السوق.
إذاً، كيف تُقيّم «الميدل إيست»؟ بالتأكيد ليس عبر عدّ الطائرات وضربها بأسعارها. فالأسطول الذي تستخدمه الشركة ليس كله أصلاً مملوكاً لها يمكن بيعه غداً وإدخال ثمنه في قيمة الشركة. ففي 2019، مثلاً، وقعت «الميدل إيست» مع شركة BOC Aviation اتفاق شراء وإعادة تأجير لخمس طائرات A321neo على الأقل، مع خيار رفع العدد إلى عشر. أي إن الجهة الممولة تشتري الطائرات، بينما تستعملها «الميدل إيست» مقابل عقد إيجار. كذلك، أقرّ الحوت في 2023 بأن الشركة، خلال الأزمة، باعت طائرات كانت تملكها ثم أعادت استئجارها، في عملية أمّنت لها نحو 150 مليون دولار من السيولة، إضافة إلى بيع طائرة أخرى بـ23 مليون دولار. وفي 2026 أضافت الشركة أيضاً طائرات A320 مستعملة بعقود استئجار.
هذا لا يعني أن الاستئجار نقطة ضعف بحد ذاته. فمعظم شركات الطيران العالمية تستخدم التأجير كجزء طبيعي من تمويل أساطيلها. لكنه يعني أن عدد الطائرات التي تشغّلها الشركة لا يساوي قيمة أصولها. الطائرة المستأجرة تولّد إيرادات، ولكن تقابلها التزامات إيجار، ولا يمكن إدخال كامل قيمتها السوقية في موجودات الشركة.
لذلك، القيمة الفعلية لـ«الميدل إيست» يجب أن تأتي أساساً من قدرتها المستقبلية على توليد الأرباح والتدفقات النقدية، بعد احتساب التزاماتها، وما تملكه فعلياً من أصول وسيولة وشركات تابعة ومرافق، إضافة إلى قيمة اسمها التجاري وشبكة خطوطها وحقوقها التشغيلية وخبرتها وطاقمها.
هنا تحديداً تظهر عقدة الحصرية.