الأخبار _ الكلفة تهزم الصادرات الزراعية
31 آب 2026

الأخبار _ الكلفة تهزم الصادرات الزراعية

زينب بزي

رغم التهليل الذي رافق إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات الزراعية اللبنانية، والرهان على العلاقات السياسية لاستعادة بعض الأسواق، بالتوازي مع استكمال متطلبات التصدير من رقابة وتتبع ومعايير معينة، إلا أنّ هذه الخطوات لا تبدو كافية وحدها لإعادة الصادرات الزراعية إلى سابق عهدها. فالمنافسة لم تعد تُحسم بجودة المنتج أو مطابقته للمواصفات فحسب، بل بكلفة إنتاجه أيضاً، وهي الحلقة التي لا تزال الأضعف في القطاع الزراعي اللبناني.

ففي وقت تعمل فيه وزارة الزراعة على استكمال نظام التتبع الكامل للمنتجات الزراعية لتعزيز ثقة المستوردين والحد من رفض الشحنات، يرى المزارعون والخبراء أن الأزمة تبدأ قبل وصول المنتج إلى المعابر الحدودية. إذ يدخل المنتج اللبناني الأسواق محملاً بكلفة مرتفعة للأرض، والمحروقات، والكهرباء، والأسمدة، والبذور، والشتول، واليد العاملة، في مواجهة منتجات مدعومة من دول نجحت أولاً في خفض كلفة إنتاجها، ثم رفعت جودة صادراتها. وبين هذين المسارين، تبدو معركة الصادرات الزراعية اليوم معركة تنافسية اقتصادية أكثر منها معركة جودة.

في هذا الإطار، عقد وزير الزراعة نزار هاني اجتماعاً مع شركات الرقابة العاملة في قطاع الصادرات الزراعية لوضع آلية رقابية موحدة تتماشى مع المعايير الدولية، تمهيداً لإطلاق نظام التتبع الكامل، الذي يبدأ من المزرعة وينتهي عند المستهلك. وتؤكد الوزارة أن الهدف يتمثل في توحيد الرقابة، وضمان سلامة المنتجات، والحد من رفض الشحنات، وتعزيز ثقة الأسواق الخارجية، ولا سيما بعد إعادة فتح السوق السعودية، بما يسمح بالاستفادة بصورة أفضل من الاتفاقيات التجارية وفتح أسواق جديدة أمام الإنتاج اللبناني. ويؤكد هاني لـ«الأخبار» أن الوزارة لا تبدأ من الصفر، إذ إن نحو 70% من الإنتاج اللبناني مطابق للمعايير المطلوبة، فيما يشكل نظام التتبع استكمالاً لمنظومة الرقابة، وليس فرض معايير جديدة. ويشير إلى أن تطبيقه سيبدأ تدريجياً بالمحاصيل الأكثر تصديراً، مثل العنب والتفاح والأفوكادو والكرز والموز، بالتوازي مع استكمال قاعدة بيانات المزارعين وتعزيز الإرشاد الزراعي.

ولا يختلف العاملون في القطاع على أهمية هذه الخطوة، إذ أصبحت الرقابة والتتبع من متطلبات التجارة الزراعية الحديثة، كما أن الحد من رفض الشحنات بسبب متبقيات المبيدات أو غياب التوثيق بات ضرورة للحفاظ على الأسواق الخارجية. لكن هذا الإجماع لا ينسحب على تشخيص الأزمة، إذ يجمع المزارعون والخبراء على أن المنتج اللبناني تجاوز منذ سنوات مشكلة المواصفات، فيما بقي عاجزاً عن معالجة كلفة إنتاجه.

يؤكد المزارع والمصدر عباس ترشيشي، الذي يعمل في القطاع منذ أكثر من ثلاثة عقود، أن المنتجات اللبنانية دخلت منذ سنوات الأسواق الأوروبية والخليجية بفضل جودتها، ولا سيما خلال ما يصفه بـ«الفترة الذهبية» إبان تولي الوزير السابق حسين الحاج حسن وزارة الزراعة، حيث تطورت أساليب الإنتاج بصورة كبيرة، ولا سيما بعد الحد من استخدام المبيدات الكيميائية واعتماد ممارسات زراعية أكثر تطوراً. ويتفق معه رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، طوني طعمة، الذي يرى أن المواصفات لم تعد تشكل العائق الأساسي أمام التصدير، فيما يشير المزارع إيلي فرج إلى أن عدداً كبيراً من المزارع اللبنانية بات يلتزم بمعايير عالمية، مثل GLOBAL GAP، ما يجعل المشكلة الحقيقية في القدرة على الاستمرار بالإنتاج والمنافسة، لا في استيفاء شروط التصدير.

غير أن العقدة الأساسية تبدأ عند كلفة الإنتاج نفسها. فقبل أن يصل المنتج إلى مرحلة الفرز أو التوضيب أو التصدير، يكون قد مر بسلسلة طويلة من الأكلاف، تبدأ من الأرض الزراعية، التي تعد من الأغلى في المنطقة، مروراً بالبذور والشتول والأسمدة والمبيدات، وجميعها تقريباً مستوردة وتُسعّر بالدولار، وصولاً إلى المحروقات والكهرباء وكلفة الري والنقل والتخزين واليد العاملة. وإلى جانب هذه الأكلاف، يفتقد القطاع إلى المقومات التي تخفضها، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد مستلزمات الإنتاج، في ظل غياب صناعة محلية للأسمدة والبذور والشتول، أو برامج دعم تخفف العبء عن المزارعين، فضلاً عن ضيق الملكيات وغياب مشاريع الري الفاعلة، ما يجعل كلفة الاستثمار الزراعي أعلى من معظم الدول المنافسة.

ويقرّ وزير الزراعة بأن ارتفاع أسعار الأراضي، وصغر الملكيات الزراعية، وارتفاع كلفة الطاقة، تشكل أبرز أسباب ارتفاع كلفة الإنتاج، معتبراً أن الإرشاد الزراعي واعتماد التقنيات الحديثة يمكن أن يخففا جزءاً من هذه الأعباء، من خلال ترشيد استخدام المياه والأسمدة والمبيدات، واختيار الأصناف الأكثر ملاءمة، والاستفادة من الطاقة الشمسية في عمليات الري. لكنه يشير في المقابل إلى أن «المنتج اللبناني عنده نوعية مختلفة، عنده طعمة مختلفة، عنده شكل مختلف، وهذا ما يعوّض جزئياً عن فارق السعر». غير أنّ «محبة» المنتج اللبناني وحدها لا تكفي. فحتى المنتج الذي يتمتع بسمعة جيدة وجودة عالية، لن يحافظ على مكانه في الأسواق إذا بقي يصل بكلفة أعلى من منافسيه. لذلك، يرى العاملون في القطاع أن جودة المنتج، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلاً من سياسة زراعية متكاملة، لأن الأسواق لم تعد تعتمد على تميز المنتج وحده، بل على قدرته على المنافسة سعراً واستمرارية.

ويرى ترشيشي أن المشكلة لم تعد في خبرة المزارع اللبناني أو جودة إنتاجه، بل في البيئة التي يعمل فيها، إذ يشتري جميع مستلزماته بأسعار مرتفعة، بينما يحصل منافسوه في دول مثل تركيا على أسمدة مدعومة ومنتجة محلياً، إلى جانب دعم حكومي ينظم الإنتاج ويوجهه نحو المحاصيل المطلوبة في الأسواق، فيما يتحمل المزارع اللبناني وحده كلفة المحروقات والكهرباء والري والنقل.

ويضيف قائلاً: «نحنا أغلى دولة بالمحيط. الخليج مفتوح على الدنيا كلها. وين بيصرله أرخص بياخد. كنا بالأول نتغنى بكلمة منتوجات لبنان. بس هلق لا. راحت هيدي الحكاية». وينعكس ذلك أيضاً على أوضاع المزارعين، إذ يؤكد أن المزارع الصغير يكاد يختفي من القطاع، قائلاً: «المزارع اللي بيزرع عشرة دونمات أو خمسة راح، لأنّه باع ذهب مرتو، وباع بقراتو، وباع سيارتو وما عاد قدر يكمل». ولا ينفصل ذلك عن واقع السوق المحلية، إذ يشير فرج إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على التصدير، فمع غياب الدعم، اضطر كثير من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة بعدما أصبحت كلفة الإنتاج تفوق العائد المتوقع. ويقول: «كنا نزرع ألف دونم، واليوم صرنا نزرع مئة دونم»، في مؤشر لا يعكس فقط تراجع الإنتاج، بل أيضاً انكماش الاستثمار الزراعي وتراجع المساحات المزروعة.

الأسواق الخارجية لم تعد تنتظر عودة المنتج اللبناني بل وجدت بدائل بأسعار أقلّ


ولم تعد المنافسة في الأسواق الخارجية أكثر سهولة. فخلال السنوات التي غاب فيها لبنان عن عدد من الأسواق الخليجية، تمكنت دول أخرى من تثبيت حضورها، مستفيدة من انخفاض كلفة الإنتاج واستقرار سلاسل التوريد. ويشير طعمة إلى أن أسواقاً مثل السعودية لم تبقَ بانتظار عودة المنتج اللبناني، بل وجدت بدائل قادرة على توفير المنتج بالمواصفات المطلوبة وبأسعار أقل، لافتاً إلى أن دولاً مثل باكستان عززت حضورها في السوق السعودية، فيما تمكنت دول أخرى من ترسيخ وجودها في محاصيل مختلفة، مستفيدة من قدرتها على المنافسة السعرية.

قبل ذلك، عرف المزارعون، بحسب ترشيشي، مرحلة مختلفة مع برنامج Export Plus الذي كان يغطي جزءاً من كلفة التصدير، وأسهم في رفع القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في الأسواق الخارجية. ويستعيد تلك المرحلة بالإشارة إلى أنه تمكن عامي 2013 و2014 من تصدير نحو ثلاثين ألف طن من البطاطا عبر شركته وحدها، فيما لم تتجاوز صادرات جميع التجار في السنوات الأخيرة هذا الرقم تقريباً، معتبراً أن توقف برامج دعم الصادرات انعكس مباشرة على حجم التصدير وقدرة المنتج اللبناني على المنافسة. ولا يختلف طعمة مع هذا الطرح، إذ يطالب بإعادة تفعيل دور إيدال وبرامج دعم الاستثمار الزراعي، معتبراً أن المنافسة مع دول توفر لمزارعيها دعماً مالياً ولوجستياً وتمويلياً لا يمكن أن تكون متكافئة، فيما يبقى المزارع اللبناني مطالباً بتحمل كامل كلفة الإنتاج وحده.

ويذهب الخبير الزراعي محمد صالح إلى أبعد من مسألة الدعم المباشر، معتبراً أن القطاع الزراعي يحتاج إلى سياسة اقتصادية متكاملة، لا تقتصر على تشديد الرقابة أو تحسين شروط التصدير، بل تبدأ بتوفير التمويل الميسر للمزارعين، وإعادة إطلاق برامج القروض الزراعية، وتطوير مشاريع الري والبنية التحتية، وإنشاء مراكز للفرز والتوضيب والتسويق، بما يخفف كلفة الإنتاج ويرفع القدرة التنافسية. ويشير إلى أن نجاح تجربة تصدير الأفوكادو لم يكن نتيجة جودة المحصول وحدها، بل نتيجة قيام منظومة متكاملة للإنتاج والفرز والتوضيب والتسويق والتصدير، أتاحت للمنتج اللبناني الوصول إلى الأسواق الأوروبية. وفي رأيه، فإن هذه التجربة تؤكد أن المشكلة لا تكمن في قدرة المزارع اللبناني على إنتاج سلعة ذات جودة عالية، بل في غياب منظومة متكاملة تدعمها الدولة.

فلو توافرت الآليات نفسها لمحاصيل أخرى، ولا سيما الحمضيات والموز والخضار، لارتفعت قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية. إلا أن ما يحصل اليوم لا يزال يقتصر على مبادرات فردية، فيما تغيب السياسة الزراعية الشاملة التي تنظم الإنتاج، وتدعم التسويق، وتخفف كلفة الاستثمار. ويضيف أن القطاع الزراعي كان من أكثر القطاعات تضرراً خلال الحرب والأزمة الاقتصادية، في حين بقي الدعم الحكومي عند حدوده الدنيا، رغم أن المزارع لا يزال يعتمد على استيراد معظم مستلزمات إنتاجه، من الأسمدة إلى البذور، ما ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية للمنتج.

في المحصلة، لا تبدو معركة الصادرات الزراعية اللبنانية معركة جودة بقدر ما هي معركة تنافسية اقتصادية. فالمنافسة تبدأ من الحقل، حيث تُحدد كلفة الإنتاج، قبل أن تصل الشحنة إلى المرفأ أو تعبر الحدود. ومن دون معالجة هذه الحلقة، سيبقى المنتج اللبناني قادراً على إثبات جودته، لكنه سيجد صعوبة متزايدة في منافسة منتجات أخرى تصل إلى المستورد بالمواصفات نفسها تقريباً، وبسعر أقل.

الصادرات الزراعية بالأرقام

تعكس أرقام الجمارك تراجعاً واضحاً في الصادرات الزراعية اللبنانية مقارنة بالسنوات التي سبقت الأزمة. فبعدما بلغت قيمة صادرات الخضار والفواكه نحو 241.1 مليون دولار عام 2022، انخفضت إلى 127.8 مليون دولار عام 2023، ثم إلى 104.2 ملايين دولار عام 2024، قبل أن تسجل 100.4 مليون دولار في عام 2025. وخلال عام 2025، تصدّرت سوريا قائمة الدول المستوردة للمنتجات الزراعية اللبنانية بقيمة 19.67 مليون دولار، تلتها الإمارات العربية المتحدة (15.09 مليون دولار) ثم مصر (13.07 مليون دولار) والعراق (10.4 ملايين دولار)، فيما جاءت الكويت، هولندا، تركيا، الأردن، عُمان وقطر ضمن المراتب العشر الأولى.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen