الأخبار _ منتجات زراعية وفواكه جاهزة للتصدير إلى السعودية
زينب بزيبعد نحو خمس سنوات وأربعين يوماً من إقفال السعودية أبوابها في وجه المُنتجات اللبنانية لأسباب سياسية مُغلّفة بملف الكبتاغون، استقبل المصدّرون المحلّيون قرار إعادة فتحها باعتباره خطوة مهمّة نحو استعادة سوق أساسية لتصريف البضائع اللبنانية، إلّا أن ذلك لم يلغ ضبابية العلاقة المستقبلية التي صارت رهن استدامة العلاقات السياسية واحتمالات تكرار ما حصل وتأثيره السلبي على العلاقات التجارية التاريخية التي أقامها اللبنانيون هناك وصعوبة الفوز بالعقود مجدّداً بعد غياب لخمس سنوات.
يروي وزير الزراعة نزار هاني، أن تاريخ 25 نيسان 2021 حاضر بقوّة في ذاكرة المزارعين حين قرّرت السعودية منع صادرات لبنان من الوصول إلى أراضيها، وأطلقوا على ذلك اليوم اسم «اليوم الأسود»، ربطاً بحجم الخسائر التي ترتّبت عليهم. لكنّ إعلان خبر فتح هذه السوق مجدّداً، طغى على هذا اليوم، إذ يشير رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم ترشيشي إلى أنّ القطاع الزراعي أمضى أكثر من خمس سنوات يترقّب هذه اللحظة.
حصل الإعلان بشكل مفاجئ، لكنّ هاني يقول لـ «الأخبار»، إن الأمر جاء بعد عمل حثيث وبعد سلسلة من الكشوفات التي قامت بها وفود سعودية للاطّلاع على الإجراءات المتّخذة بخصوص التصدير ولا سيما المُنتجات الزراعية.
السبب المباشر لإغلاق السعودية أبوابها في وجه المُنتجات اللبنانية، كما بات معروفاً، هو أن شحنة من المُنتجات الزراعية ضُبطت فيها كميات من حبوب الكبتاغون المُخدِّرة. طبعاً لا يمكن أحداً أن يشكّك في ذلك، لكنّ السياق السياسي يحتمل طبقة أخرى من الرواية متصلة بالقرار السعودية في التعامل مع حكومة لبنان بعد ما حصل في عام 2017 حين اختُطف رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السعودية وجوبه الأمر من غالبية قوى السلطة بحملة دولية لإطلاقه.
لكنّ الرواية التقنية لهذا الملف بحسب رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين أنطوان الحويك، تشير إلى أن السلطات السعودية طلبت آنذاك اتخاذ إجراءات محدّدة لضمان سلامة الشحنات من لبنان، من بينها إخضاع البضائع لأجهزة سكانر وتشديد الرقابة على المعابر، كما طُرحت أفكار تتعلّق بإشراك جهات رقابية سعودية في عملية التحقّق من الشحنات قبل تصديرها، إلا أنّ الدولة اللبنانية لم تتخذ الإجراءات المطلوبة آنذاك، ما أدّى إلى استمرار الأزمة وخسارة السوق السعودية. أمّا اليوم، فيرى الحويك، أنّ تشديد الرقابة واعتماد آليات تفتيش أكثر صرامة وتحسّن إجراءات المراقبة والتتبّع ساهمت في تهيئة الظروف لإعادة فتح السوق السعودية أمام المُنتجات اللبنانية.
استعادة الحصص السوقية المفقودة لن تكون مهمّة سهلة بعد أكثر من خمس سنوات من الغياب
يتوقّع المزارعون أن تكون البطاطا والخُضر هي المستفيدة الأولى من القرار، نظراً إلى توافر الإنتاج حالياً واستعداد المصدّرين لإعادة الشحن فور بدء تنفيذ القرار عملياً. ويشير الحويك إلى أنّ موسم اللوزيات بدأ بالفعل، فيما ينتظر العنب موسمه التقليدي في أواخر الصيف، ما يتيح عودة هذا المُنتج إلى أحد أبرز أسواقه الخليجية. أمّا الحمضيات، فتشكّل حالة مختلفة.
فالسعودية كانت تستورد نحو 16 ألف طن منها سنوياً، إلا أن الحرب والاعتداءات التي طاولت الجنوب خلال الفترة الماضية أثّرت سلباً على هذا القطاع. ويقول الحويك إن كثيراً من البساتين تضرّرت أو تراجعت العناية بها نتيجة النزوح والمخاوف الأمنية، ما أدّى إلى انخفاض الإنتاج وخلق أزمة حقيقية في قطاع الحمضيات حتى في السوق الداخلية.
ورغم الترحيب الواسع بالقرار، يؤكّد العاملون في القطاع أن العودة لن تكون تلقائية. ويشير وزير الزراعة نزار هاني إلى أن القرار يمثّل «نفساً كبيراً» للقطاع الزراعي اللبناني، لكنه يتطلّب عملاً تحضيرياً مُكثّفاً. ولهذا الغرض سيُعقد اجتماع غداً يضم ممثّلين عن المزارعين والناقلين والجهات المعنية لبحث متطلّبات العودة إلى السوق السعودية، بما يشمل الجوانب اللوجستية والتنظيمية والفنية. ويضيف أنّ أبرز التحدّيات يتمثّل في قطاع النقل، إذ إن أسطول الشاحنات اللبناني المُستخدم في التصدير أصبح قديماً ويحتاج إلى تحديث، الأمر الذي يتطلّب معالجة سريعة لضمان قدرة المصدّرين على الاستفادة من الفرصة الجديدة.
أمّا الترشيشي، فيلفت إلى أنّ خمس سنوات من الانقطاع فرضت تغييرات كثيرة في الأنظمة والإجراءات ومتطلّبات الجمارك، ما يستوجب إعادة التأقلم مع الشروط الجديدة. إلا أنّه في المقابل، يؤكد أنّ المزارع اللبناني يستطيع المنافسة مجدّداً ودخول السوق، مؤكداً أنّه ما زال هناك تواصل مع المصدّرين والزبائن في السوق السعودية وأنّه «لا خوف على اللبناني».
ولا يقتصر أثر القرار على الزراعة فقط. فبحسب الأمين العام للعلاقات الخارجية في جمعية الصناعيين اللبنانيين المهندس منير البساط فإنّ إعادة فتح السوق السعودية تنعكس إيجاباً على الصناعات الغذائية والألبسة والأدوات الكهربائية وسائر القطاعات الإنتاجية اللبنانية. ويرى بساط أن الشركات اللبنانية لن تستعيد فوراً أحجام التصدير التي كانت تحقّقها قبل عام 2021، لأن السوق السعودية لم تنتظر المُنتج اللبناني طوال سنوات الغياب، وقد دخلتها مُنتجات بديلة من دول أخرى. ولذلك ستكون العودة تدريجية وتتطلّب جهوداً تسويقية وتجارية لإعادة بناء الحضور اللبناني.
لكنّ المكسب الأهم، وفقاً لبساط، يتمثّل في إعادة تفعيل حركة الترانزيت عبر الأراضي السعودية. فخلال السنوات الماضية لم يقتصر الضرر على خسارة المستورد السعودي، بل طاول أيضاً حركة مرور البضائع اللبنانية نحو أسواق خليجية أخرى. أمّا اليوم، فإن إعادة فتح هذا المسار تعني خفض كلفة النقل وتقليص مدة الشحن وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخليجية، وهو ما ينعكس إيجاباً على القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في المنطقة.