الأخبار _ «تعافي» الاقتصاد يوسّع فجوة حساباته الخارجية
10 حزيران 2026

الأخبار _ «تعافي» الاقتصاد يوسّع فجوة حساباته الخارجية

ماهر سلامة

بُني إنجاز النمو الاقتصادي، الذي تبنّته الإدارة الحالية للبلد، على تحسّن الاستهلاك، واستعادة السياحة جزءاً من نشاطها، وعلى مؤشّرات عكست خروجاً نسبياً من صدمة الحرب والانكماش. لكن خلف هذه الصورة، كان ميزان لبنان الخارجي يقول شيئاً آخر، إذ إن نوع التوسّع الذي شهده البلد، المبني على الاستهلاك بشكل أساسي، يعني أنه كلّما تحرّك الاقتصاد أكثر، اتّسعت حاجته إلى الدولار.

بحسب تقرير «المراجعة الاقتصادية» الصادر عن مصرف لبنان في شهر نيسان الماضي، سجّل الحساب الجاري عجزاً بقيمة 5.6 مليارات دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مقارنةً بـ4.2 مليارات دولار في الفترة نفسها من عام 2024. بهذا المعنى، انعكس «التحسّن» الاقتصادي بشكل سلبي على وضع لبنان لناحية الحسابات الخارجية، إذ ترافق مع اتساع العجز في الحساب الجاري بنسبة 34.6%.

والأهم أن هذا العجز ارتفع إلى ما يعادل 17% من الناتج المحلي، بعدما كان 15% في الفترة المقابلة من العام السابق، رغم ارتفاع الناتج الاسمي إلى 33 مليار دولار، بحسب أرقام تقرير مصرف لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام ارتفعت أكثر في الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2025، التي لم تلتقطها أرقام مصرف لبنان المنشورة حتى الآن.

الحساب الجاري هو المرآة الأوسع لعلاقة الاقتصاد مع الخارج. فهو يشمل، بالإضافة إلى الميزان التجاري، ميزان الخدمات، دخل الاستثمار الخارجي، والتحويلات الجارية مثل تحويلات العاملين في الخارج. لذلك، فإن اتساع العجز يعني أن مصادر التمويل التقليدية، وخصوصاً التحويلات والسياحة، أصبحت أعجز على تغطية حجم الفاتورة الخارجية مما كانت سابقاً.

العامل الأكبر وراء هذا التدهور كان الميزان التجاري، إذ ارتفع عجز تجارة السلع إلى 10.8 مليارات دولار في أول تسعة أشهر من عام 2025، مقابل 9.4 مليارات دولار في الفترة نفسها من عام 2024. صحيح أن الصادرات نمت بنسبة 18.5%، لتصل إلى نحو 3.5 مليارات دولار، إلا أن الواردات ارتفعت أيضاً بنسبة 16.2%، لتبلغ 14.3 مليار دولار، في الفترة عينها. وبما أن حجم الواردات أكبر بكثير من حجم الصادرات، فإن أي زيادة في الاستيراد طغت رقمياً على تحسّن الصادرات، ودفعت العجز إلى الاتساع.

هذا التفصيل مهم لفهم طبيعة التعافي في لبنان. فالاقتصاد لم يتعافَ عبر زيادة الإنتاج المحلي أو توسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، بل عبر طلب داخلي مُموّل جزئياً من تحويلات وسياحة وسيولة نقدية. لذلك، تحوّل جزء كبير من التحسّن في الاستهلاك إلى طلب على السلع المستوردة، بما أن الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد مستورد بشكل عام. وقد سجّل الاستيراد زيادات في فئات مثل المواد الغذائية المحضّرة، المعادن الأساسية، المُنتجات الكيميائية، الآلات والمعدات، فيما بقيت المُنتجات المعدنية، أي خصوصاً المشتقات النفطية، أكبر فئة استيراد بقيمة 3.7 مليارات دولار.

في المقابل، ساعد حساب الخدمات على تخفيف جزء من الضغط، لكنه لم يغيّر الاتجاه العام. فقد ارتفع فائض الخدمات إلى نحو مليار دولار في أول تسعة أشهر من عام 2025، مقارنةً بنحو 700 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2024. وجاء ذلك خصوصاً نتيجة تحسّن فائض السفر، الذي ارتفع بنسبة 33% إلى 1.3 مليار دولار، مدعوماً بعودة المغتربين خلال موسم الصيف بعد تراجع التوترات نسبياً في نهاية 2024، بحسب أرقام مصرف لبنان. كما ارتفع فائض الخدمات المالية من 466 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 إلى 567 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة 21.5%. لكنّ هذه المكاسب بقيت محدودة قياساً بحجم العجز التجاري، فلم تستطع تعويض النزف الكبير في تجارة السلع.

سجّل الحساب الجاري عجزاً بقيمة 5.6 مليارات دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مقارنةً بـ4.2 مليارات دولار في الفترة نفسها من عام 2024


أمّا حساب الدخل، فبقي عاملاً ضاغطاً، إذ اتسع عجزه إلى 241 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مقارنةً بـ171 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2024. ويعكس ذلك استمرار خروج تحويلات إلى غير المقيمين، سواء على شكل أرباح أو فوائد أو عوائد استثمارية، مقابل تراجع المداخيل التي يحقّقها لبنان من أصوله في الخارج. بهذا المعنى، لا يملك الاقتصاد اللبناني اليوم قاعدة استثمارية خارجية أو إنتاجية كافية لتوليد دخل يعوّض خسائره التجارية.

أمّا العنصر الأكثر حساسية، فيبقى التحويلات الجارية، وخصوصاً تحويلات العاملين في الخارج. هذه التحويلات لطالما شكّلت أحد أعمدة تمويل العجز اللبناني، إذ عوّضت ضعف الإنتاج والصادرات، وأسهمت في تمويل الاستهلاك ودعم ميزان المدفوعات. لكنّ تقرير مصرف لبنان، يُظهِر أن فائض التحويلات الجارية تراجع من 4.7 مليارات دولار في أول تسعة أشهر من عام 2024 إلى 4.5 مليارات دولار في الفترة نفسها من عام 2025. كما انخفض صافي تحويلات العاملين بنسبة 8.1%، من 3.7 مليارات دولار إلى 3.4 مليارات دولار.

المشكلة هي أن حساب التحويلات قد يشهد تراجعاً إضافياً في سنة 2026، خصوصاً بعد الحرب الجارية في المنطقة، والتي تسبّبت بخسائر كبيرة في اقتصادات دول الخليج، المهمة للتحويلات الجارية إلى لبنان، إذ إنها تُشكّل نحو 48% من إجمالي التحويلات إلى البلد، بحسب أرقام «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في تقرير «الدور والأهمية المتزايدان للتحويلات المالية في لبنان».

قدرة التحويلات على تغطية العجز التجاري تراجعت بوضوح، وهذا الأمر انعكس سلباً على الحساب الجاري. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، غطّت تدفّقات تحويلات العاملين 44% فقط من فجوة التجارة، بعدما كانت تغطي 54% في الفترة نفسها من عام 2024. هذا يعني أن شبكة الأمان الخارجية التي اعتمد عليها لبنان طويلاً لا تزال موجودة، لكنها أصبحت أضعف أمام حجم الاستيراد واتساع العجز.

وهذا الأمر يُظهِر مفارقة أساسية، وهي أن لبنان سجّل نمواً اقتصادياً، لكنّ هذا النمو كشف هشاشة النموذج نفسه. فحين يقوم النمو على الاستهلاك والسياحة والتحويلات، من دون توسّع مماثل في الإنتاج والتصدير والاستثمار، يتحول التعافي إلى ضغط إضافي على الحساب الجاري. كل دولار يدخل عبر مغترب أو سائح أو تحويلة من الخارج، يخرج جزء كبير منه لتمويل الاستيراد، بدل أن يتحوّل إلى قدرة إنتاجية داخلية تخفّف الحاجة إلى الخارج.

كل ذلك، يعكس أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يعيش على تدفّقات خارجية غير مضمونة، وعلى طلب داخلي لا يقابله إنتاج كافٍ، وهو استكمال للنموذج الذي أوصل البلد إلى أزمة 2019. وفي ظل المخاطر الإقليمية واحتمال تراجع السياحة أو التحويلات من دول الاغتراب، وخصوصاً الخليج، يصبح هذا العجز مشكلة اقتصادية حقيقية، إذ إنه أحد أبرز مؤشرات هشاشة التعافي، وحدود الاستقرار النقدي إذا لم يترافق مع إصلاحات تعيد بناء القدرة الإنتاجية وتقلّص الاعتماد البنيوي على الاستيراد.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen