الأخبار _ «الجمارك» أمام امتحان مفصلي: هل تصدر التعيينات العسكرية قريباً؟
18 أيار 2026

الأخبار _ «الجمارك» أمام امتحان مفصلي: هل تصدر التعيينات العسكرية قريباً؟

لينا فخر الدين

تسابق الإدارة الجديدة للجمارك الوقت لإنجاز التعيينات، في ظلّ خلافات على النفوذ والتعديلات القانونية، ما يضعها أمام اختبار جدي سيتحدد على أساسه مستقبل المديرية الحيوية 
 


منذ أيام، ينكبُّ المعنيون في المديرية العام للجمارك على صياغة تشكيلات جديدة، فيما تتلاحق الاجتماعات بين رئيس المجلس الأعلى، العميد مصباح خليل، وعضوَي المجلس لؤي الحاج شحادة وشربل خليل، مع المديرة العامة غراسيا القزي، لإنجازها.

ويرجح البعض أن تصدر التشكيلات خلال الساعات المقبلة، قبل سفر مسؤولي الجمارك إلى فرنسا في زيارة رسمية تستمر عدة أيام. ويتوقع هؤلاء أن تقرَّ التشكيلات على دفعتين: الأولى تشمل الجسم العسكري، أي الضباط والعسكريين، والثانية تشمل الجسم المدني الذي لم يُبحث به بعد. والسبب، وفقاً لمن يعرف المديرية، أن تشكيلات الأولى أسهل، باعتبار أن التدخلات السياسية في تعيينات العسكريين تكون أقل.

ويعود ذلك إلى أن الموظفين المدنيين هم الذين يُمسكون بمفاصل المديرية، ويملكون إمرة القرار فيها. علماً أن آخر «تعيينات مدنية» حصلت قبل أكثر من 12 عاماً، وتحديداً في عهد العميد المتقاعد نزاز خليل، فيما يقف مسؤولو الجمارك الجدد الذين يتحدثون عن «صفحة جديدة»، أمام امتحانٍ صعب، هو كيفية إبعاد السياسيين عن المديرية، وإيقاف التجاوزات الكثيرة التي كانت تحصل سابقاً، وأدّت إلى إبعاد موظفين على حساب آخرين، وصولاً إلى إقفال الدهاليز التي تمرُّ عبرها عمليات التهرّب الجمركي.

استئثارٌ قواتي

ورغم نفي المعنيين أي تدخل سياسي في التعيينات، وإشارتهم إلى أجواء إيجابية بين خليل والقزي والحاج شحادة وخليل، بعيداً عن «النكد» الذي كان يطبع المراحل السابقة، إلّا أن البعض يؤكد أن السياسيين ليسوا بعيدين عمّا يجري. ويروي عدد من الموظفين عن تمتع حزب «القوات اللبنانية»، للمرة الأولى في تاريخه، بما يشبه الاحتكار للمديرية، لافتين إلى أن القزي، التي أتت بدعمٍ مباشر من القصر الجمهوري، لم تتحرّر يوماً من ميولها «القواتية»، وإن حاولت الإيحاء بغير ذلك.

وإلى جانب القزي، فإن شربل خليل هو الآخر محسوب بالكامل على معراب، ما يعني إمكانية التحكم في قرارات الجمارك، مع امتلاك «القوات» صوتين مقابل صوت للشيعة (خليل) وآخر للسنّة (الحاج شحادة). ويؤكد متابعون أنه حتّى الآن لم يظهر أي تدخل للثنائي الشيعي أو لرئيس الحكومة نواف سلام في تفاصيل عمل المديرية، متخوفين من أن «أحلام معراب» قد تُنهي «شهر العسل» الذي تعيشه الجمارك، خصوصاً أن «القواتيين» يعرفون المديرية وخفاياها عن ظهر قلب. فالقزي وخليل من «أبنائها»، بينما جاء خليل والحاج شحادة من خارجها، ما يُعطي «القوات» أفضليّة تمرير القرارات والتعيينات، بالاستناد إلى خبرة القزي وخليل، إضافةً إلى توافقهما الضمني في شتّى الملفات، فضلاً عن الصلاحيات الكبرى الممنوحة أصلاً للمدير العام على حساب المجلس الأعلى.

وهذا الأمر برز عبر محاولة القزي التدخل في أسماء مرشحين سُنّة في بعض المراكز الشاغرة بعدما طرحها الحاج شحادة، إضافةً إلى فرض أسماء سُنيّة أخرى نتيجة قربهم منها.

وما يُعطي القزي وخليل «حرّية الحركة» هو العُرف المتّبع أصلاً داخل المديرية، المقسمة على «الطريقة اللبنانية»، إذ يقوم كل عضو بتحضير الأسماء المنوي تعيين أصحابها من نفس طائفته، قبل أن يجتمع جميع المسؤولين في غرفة واحدة لمناقشة كل من الأسماء. ويمنح القانون كل عضو من بين الأربعة إمكانية التعطيل في حال عدم موافقته على الأسماء المطروحة، إذ يتوجب أن تصدر القرارات، ومن بينها التعيينات، بالإجماع، ومن ثم إحالتها إلى مجلس الوزراء عبر وزير المالية.

تعديلات على قانون الجمارك؟

وإذا كانت التشكيلات المدنية ستكون المفصل الأول الذي سيُحدّد مسار الجمارك المستقبلي، فإن أمام المديريّة ملفاً خلافياً آخر، وهو ما يتردد عن نية بعض الأعضاء إدخال تعديلات على قانون الجمارك، في الجزء المتعلق بتعديل هيكلية الضابطة الجمركية والمهام الموكلة إلى الجسم العسكري. وإن كان الأمر لم يُحسم بعد، لعدم انتهاء دراسة الملف، وكذلك عدم أخذ رأي السلطات الرقابية كمجلس شورى الدولة، لأن هذا التعديل يحتاج إلى قانون يُقرّ في مجلس النواب، على شاكلة القانون الذي أُقرّ في سبعينيات القرن الماضي وعدّل نظام الجمارك.

مشروع تعديل هيكلية الضابطة الجمركية: كباش مدني - عسكري على الصلاحيات


ويلفت عدد من الموظفين إلى أن الضباط والعسكريين يشكون منذ سنوات من «الهيمنة المدنية» على المديرية، إذ إن للموظفين المدنيين من الفئتين الثالثة والثانية الإمرة على الضباط الذين تقرُّ ترقيتهم أيضاً بقرار من المدنيين أنفسهم، علماً أن الجزء الأكبر من المديرية مٌكوَّن من العسكريين، ولكن «من دون صلاحيات تُذكر».

ويتحدث هؤلاء عن عدم تجانس القطاعين مع بعضهما، في ظلّ اختلاف في التفكير، إضافةً إلى معاناة الضباط من عدم إمكانية ترقيتهم إلى ما فوق رتبة عقيد، بعدما تمّ تعديل القانون قبل سنوات ليتيح ترقيتهم إلى هذه الرتبة (كانت سابقاً تتوقف عند رتبة رائد).

ويعتقد المتحمسون لدراسة هذا المشروع أن السبب يعود إلى وجود خلل بنيوي في الضابطة العسكرية، ما يؤدي إلى أداء مبتور ويؤثر على إنتاجية العسكريين. ويرون أن «التربية العسكرية» في المدرسة الحربية، التي تُسهم في رسم الضوابط أمام الضباط، تساعد على ضبط المديرية وكبح المخالفات والفساد، إضافةً إلى إعطاء صلاحيات للضابطة العسكرية وإلحاقها مباشرة بإدارة الجمارك، ما يتيح معالجة الخلل القائم وتنفيذ المهام على الأرض بشكل أفضل وأسرع.

وينفي المتحمسون أن تكون التعديلات تمسّ بصلاحيات الموظفين المدنيين، مؤكدين أنها تهدف إلى تنظيم تسلسل الإمرة. ويلفتون إلى أن التعديلات المتعلقة بالتوصيفات الوظيفية للمدنيين ستكون أيضاً على جدول الأعمال.

في المقابل، لا يبدو أن الجهاز المدني راغب في مثل هذا التعديل، ولا سيما أنّه الآمر الناهي في المديرية، والتعديل يعني تقليص صلاحياتهم وتهميشهم، وصولاً إلى «محاولة ضعضعة الجهاز والإجهاز عليه»، على حدّ تعبيرهم. لذا، يطالبون بتعديلات تشمل المديرية بقطاعيها المدني والعسكري، بعد آخر تعديل جرى في أواخر خمسينيات القرن الماضي، عقب إنشاء مديرية لبنانية منفصلة عن الجمارك السورية.

ويشير عدد من الموظفين إلى أن التعديلات لن تؤدي بالضرورة إلى تسريع إنجاز المهام أو القضاء على الفساد، إذ إن المخالفات ليست حكراً على المدنيين، بل إن بعض العسكريين يشتركون فيها أيضاً، وإن كان ذلك بنسبة أقل، على اعتبار أن القرار يعود للموظفين.

كبح التهريب والفساد على رأس جدول الأعمال

تشكل عمليات التهريب عبر المعابر الشرعية الشغل الشاغل للجمارك، التي تدرس إمكانية ضبط هذه المعابر بطرق أكثر تطوراً. وهو الأمر الذي طُرح أيضاً بين الجانبين اللبناني والسوري خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى سوريا قبل أيام.

لذا، يعد المجلس الأعلى للجمارك دفتر شروط لشراء «سكانر»، ودراسة مفصلة لتجهيز المعابر البرية الشرعية الخمسة بين لبنان وسوريا (المصنع، العبودية، القاع، العريضة والبقيعة) بها، وزيادة التنسيق مع الجانب السوري.

ويعمل مسؤولو الجمارك على أن تكون الـ«سكانر» التي سيتم نشرها على المعابر مزوّدة بنظام ذكاء اصطناعي، خصوصاً أن الـ«سكانر» التقليدية مزودة بأنظمة تكشف المواد الممنوعة كالأسلحة والمخدرات والمواد الإشعاعية، لكنها لا تضبط المواد المهربة. ونظام الذكاء الاصطناعي يساعد الكشّافين على الحدود في ضبط المواد المهربة، وضمان تسريع إخراج البضائع.
 

وبالتوازي، تعمل الجمارك، بالتعاون مع الأمم المتحدة، على تطوير النظام الجمركي الموحّد (نجم أو Asycuda) - الذي يُسجِّل عبره المستوردون والموردون بياناتهم الجمركية للاستحصال على الموافقة المسبقة - حتّى يصبح ممكناً ربطه بالـ«سكانر» المتطورة.

كما تعمل على تطوير أنظمة أعمال إدارة المخاطر وتدريب العناصر على كيفية استخدامها، إضافةً إلى غرفة تنسيق «النافذة المشتركة» بين المديرية من جهة، والوزارات التي تمنح للبضائع المقيدة موافقتها بعد إجراء التحاليل المناسبة، وذلك بهدف إدخالها بشكل أسرع.
كما تستفيد المديرية من التشريع الجمركي المفتوح للحكومة حتى العام 2028، ومواكبتها من قبل وزير المالية ياسين جابر في تحقيق الإصلاحات المنشودة، بالتوازي مع مساعدة مباشرة من رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي في رفد الإدارة بعناصر شابة مع مستوى علمي متقدّم.

على جدول الأعمال مشروع تجهيز وبناء بعض المراكز الحدودية المتهالكة وأُخرى تعرضت للتدمير الإسرائيلي


كما استفادت الجمارك من الهبة المقدّمة من البنك الدولي بقيمة مليوني دولار لتجهيز الداتا سنتر التابع لوزارة المالية، على أن تستكمل بهبات أخرى لتطوير النظام الآلي المعروف بـ«نجم».

كلّ ذلك يهدف إلى تحديد المعايير المتبعة، كما تسريع المعاملات وضبط التهريب بهدف زيادة المردود إلى خزينة الدولة بنسبة 10 إلى 20%. وفي هذا الإطار، تأتي أيضاً زيارة رئيس وعضوي المجلس الأعلى ومديرة الجمارك إلى فرنسا غداً لتطوير بعض الأنظمة ونيل استشارات تقنية مجانية، كما مساعدات في مجال تدريب العناصر على الأنظمة الحديثة.

وإضافة إلى ما يقوم به موظفو الجمارك وعسكريوه على الحدود، فإن المديرية تقوم أخيراً بتفعيل المكافحات ضمن المناطق، وضبط البضائع المهربة، والتي يغلب عليها المواد الغذائية والفواكه بحسب الموسم. كما تُفعّل ما يُسمى الرقابة اللاحقة، أي إعادة التفتيش داخل المصانع والمعامل والمستودعات للتأكّد من البضائع التي تم إدخالها سابقاً، إضافةً إلى التأكد من البيانات والداتا، خصوصاً أن الشاحنات التي تحمل البضائع لا تفتش بالكامل حسب القوانين الجمركية.

ويسعى مسؤولو الجمارك إلى زيادة الكفاءات داخل المديرية ومكننة كاملة للقطاع تهدف في المرحلة المقبلة إلى تخفيف التواصل المباشر بين الموظفين والعسكريين من جهة والمواطنين من جهة ثانية.

وإلى جانب الشق التقني، فإن على جدول أعمال الجمارك مشروع تجهيز وبناء بعض المراكز الحدودية المتهالكة وأُخرى تعرضت للتدمير من العدو الإسرائيلي. وفي هذا السياق، تمكّنت المديرية من الاستحصال على مبلغ مليون دولار من وزارة الأشغال والنقل لإنهاء العمل بمشروع تجهيز معبر العبودية.

ولا تتوقف محاولات ضبط الفساد على الجهد الموضوع على الأنظمة التقنية، وإنما تتعداها إلى محاولة تفعيل الرقابة والمحاسبة عبر فتح عدة ملفات في القضاء لمحاسبة مشتبه بارتكابهم مخالفات إدارية ومالية، من دون إغفال إعطاء كل موظف حقه، وهو ما حصل بعد إعادة الاعتبار للموظفَين الذين ثبتت براءتهما، بعد حبسهما شهرين كاملين.

5 آلاف ملف عـ«البلكون»

وكان لافتاً عندما تسلّم أعضاء المجلس الأعلى للجمارك وظائفهم وجود أكثر من 5 آلاف ملف يتعلق ببضائع ومعاملات تخص مواطنين على شرفة مقر المجلس، قبل أن يبدأ المجلس بالتضامن متابعة الملفات لإنهائها، في أسابيع معدودة.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen