جريمة "البيجر": المقاومة أبطلت مفاعيلها وبيئتها أكثر تماسكًا
كتَبَ المٌحرّرما جرى في 17 و18 أيلول 2024، سيظل محفورًا في وجدان مجتمع المقاومة ومُحبيها، في مثل هذين اليومين من العام الماضي وقعت مجزرة "البيجر" واللاسلكي، لتضاف إلى سجل مجازر العدوّ "الإسرائيلي" الأكثر بشاعة في التاريخ الإنساني. إذ لم يخطر على بال أحد ذلك التفنن في الإجرام، في أن تتحول الوسيلة التي تستعمل لأغراض إنسانية إلى أداة قتل في يد حاملها.
أجهزة "البيجر" لم تُفجّر حصرًا برجال المقاومة، لأنها لا تستعمل فقط لأغراض عسكرية، بل تُستخدم في المستشفيات، ويحملها مواطنون في المنازل والشوارع والمتاجر. لذلك، حصدت مدنيين بينهم نساء وأطفال، وكان يمكن أن تقتل أو تصيب أيّ لبناني يحملها أو يقف إلى جانب من يحملها.
و"إسرائيل" أرادت من هذه العملية أن تضرب المقاومة في عزمها وبيئة المقاومة في وعيها. ولكي يكتمل مخطّط العدوّ في ضرب العامل النفسي لدى المقاومة، لحثّها على رفع راية الاستسلام فورًا، توعّد بعمليات أخرى، حيث بات الناس يظنون أن جميع الأدوات الكهربائية والإلكترونية قد تنفجر في أية لحظة.
وهكذا بات المشهد بالفعل مُريبًا ومُعقدًا، فالاستهداف لم يكن مجرد عملية عسكرية كبرى، تسارع المقاومة إلى التصدّي لها وابطال مفاعيلها، بل هي أشبه باستخدام نوع من "أسلحة الدمار الشامل"، يترتّب عليها إيقاع أكبر قدر من الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي، ما يحوّل هذا الأذى إلى أداة ردعية تمهّد لانقلابات سياسية وميدانية تحسم المعركة لصالح العدو.
لكن المقاومة سرعان ما أدركت حجم الضربة وعملت بكلّ قوة على إفشال أهدافها؛ فمن من الناحية العملية، كان العدوّ "الإسرائيلي" يهدف للقضاء على نحو 15 ألف مقاوم، إلا أن النتائج جاءت مغايرة. إذ تمكّن حزب الله على استيعاب الصدمة وإعادة تشغيل ماكينة المقاومة في وقت قياسي، وإعادة إنتاج نفسه وبسرعة تفوق توقعات حتّى أقرب الحلفاء، وأثبت أنه مؤسسة مرنة وديناميكية، لا ترتكز على أفراد بل على منظومة متكاملة قادرة على التعلّم والتأقلم.
ومن الناحية النفسية، كانت "إسرائيل" تراهن على ضربة تحبط عزيمة المقاومة وتزرع الخوف والوهن في بيئتها فتنهار معنوياتها. لكن عقيدة المقاومة قلبت المعادلة وعمّقت الاندفاعة لمواجهة عدو بدا وكأنه حيوان مسعور يستهدف الإنسانية، لا المقاومين وسلاحهم، ما زاد من تماسك وتعبئة جمهور المقاومة، وحوّل المأساة إلى التزام شعبي ووطني وأخلاقي في مواجهة العدو.
أما معادلة الردع التي حاول العدوّ تثبيتها من خلال عملية "البيجر" واللاسلكي في إخضاع المقاومة، انقلبت عليه وتبيّن أن هذه الأخيرة لم تتراجع عن ثوابتها، بل تعزّزت مناعتها الداخلية، وخاضت بعد أقل من أسبوع في 23 أيلول 2024 معركة شرسة مع العدوّ امتدت لأكثر من شهرين، عجز فيها جيش الاحتلال عن اجتياح أي بلدة حدودية، ما جعل "إسرائيل" تصطدم بحقيقة أنّ المقاومة ليست مجرد تنظيم عملياتي، بل هي مجتمع عقائدي متماسك لا يمكن اخضاعه بالقوّة.
وعلى الصعيد الإستراتيجي، مثّلت الضربة اختبارًا لقدرة المقاومة، إذ حولت كلّ عنصر منها إلى فرصة لتطوير قدراتها البشرية واللوجستية والأمنية، فغالبية الشباب الذين فقدوا أعينهم وأصابعهم عادوا إلى أعمالهم بتصميم أكبر، في الوقت الذي كانت فيه المقاومة تستنفر كلّ طواقمها للحد من الخروقات الأمنية التي تعرّضت لها بسبب التطور التكنلوجي والذكاء الصناعي المذهل الذي استخدمه العدوّ في الأغراض العسكرية.
والنتيجة، استطاعت المقاومة أن تُظهر أنّ التفوق التكنولوجي مهما بلغ من تطوّر، يفقد مفاعيله حين يواجه بنيانًا عقائديًا وأخلاقيًا في بيئة صلبة ومتماسكة. ومن هنا يتضح أن صراع المقاومة مع العدوّ "الإسرائيلي" لم يعد مجرّد تبادل ضربات أو جولات قتالية، بل هو معركة وجود بين منظومة عدائية وشعب جسّدت المقاومة حياته، وهكذا شعب من الصّعب أن يتقّبل فكرة تسلّيم السلاح الذي صان كرامته وشرفّه وأرضه.
وأخيرًا، تبقى الدولة اللبنانية الغائب الأكبر عن مجزرة "البيجر" واللاسلكي، وبعد عام على الجريمة، ماذا فعلت الحكومة على صعيد التوثيق وتوصيف الجريمة والمحاسبة؟ الجواب: لا شيء. لم تعيّن الحكومة فريقًا من الأطباء الشرعيين لتوثيق ما حصل في ذلك اليوم المشؤوم. ولم تُكلّف فريقًا قانونيًًا لتوصيف عناصر الجريمة وملابساتها. وبسبب الإهمال خسر لبنان ملفًا جنائيًا مكتمل الأركان يحفظ حق الضحايا في التعويض والمحاسبة، كما خسر فرصة متابعة ملف جنائي مكتمل الأركان على المستوى الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية مُطالَبة، بعد تحضير ملف كهذا محليًا، بمحاسبة "إسرائيل" وملاحقتها بعد أن اعترفت بالجريمة، خاصة أن من ضحاياها مدنيون.