الحكومة ترضخ لموجبات السيادة.. المصلحة الوطنية أولاً
09 أيلول 2025

الحكومة ترضخ لموجبات السيادة.. المصلحة الوطنية أولاً

كَتَبَ المُحرّر

أدى الضغط الشعبي الذي مارسته بيئة المقاومة على حكومة الرئيس نواف سلام بعد القرارات التي أصدرتها خلال جلستيها في 5 و7 آب الماضي حول تسليم المقاومة سلاحها وما سمي بحصرية السلاح، الى تراجعها عن ما كانت تخطط له في جلستها الأخيرة في 5 أيلول الحالي من تكليف الجيش اللبناني بتقديم خطة تقضي بمصادرة هذا السلاح ضمن مهلة زمنية محددة.

وبالفعل استطاع الثنائي الوطني، وبدعم من جمهور المقاومة، وبحنكة مفاوضه رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن يردع حكومة سلام عن تطبيق أي قرار من شأنه أن يعرض السلم الأهلي للخطر أو أن يقود لبنان الى حرب أهلية كرمة لعيون من يمارسون الضغط عليها من الداخل والخارج. 

فالخطة التي قدمها الجيش للحكومة جاءت أشبه بآلية تفادي للأزمة، هدفها منع انهيار الحكومة وتجنب ارتداد ذلك في الشارع. والخطة لم تُطرح بوصفها وصفة تنفيذية حاسمة، بل جاءت كمخرج مؤقت يشير إلى قيود وشروط ينبغي توافرها حتى تُنفذ، فضلاً عن أن البيان الوزاري لم يحدد سقفاً زمنياً، بل ربط التنفيذ بالتزامات "إسرائيل" الواردة في اتفاق 27 تشرين الثاني الماضي، مذكّرًا بأن لبنان أنجز ما عليه، والمطلوب الآن الضغط على "إسرائيل" للالتزام.

 كما أن الخطة التي لم تأتِ على ذكر مهل زمنية جاءت على خمسِ مراحل، تبدأ في جنوب الليطاني مشترطة الانسحاب "الإسرائيلي" ووقف اعتداءات العدو لكي يتمكّن الجيش من تنفيذ هذه المرحلة بالكامل لكي ينتقل إلى المرحلة التي تليها. فيكون بذلك أهم شرط للمقاومة قد حصلت عليه. كما تحدثت الخطة عن حاجة الجيش اللبناني لمعدات وعديد لكي يتمكّن من التنفيذ. 

داخليًا، أسهمت هذه الصيغة في احتواء التوتر الداخلي وخفض مستوى التجاذب السياسي، كما منعت انهيار الحكومة وتداعياته السلبية التي كانت ستطاول الوضع الاقتصادي المتصدّع أصلاً. 

أما على الصعيد الدولي، وفر بيان الحكومة للبنان ورقة قوة، إذ قدّم نفسه كطرف ملتزم بالاتفاقات والقرارات الدولية، بما يتيح له المطالبة بضغط دولي على "إسرائيل" لوقف اعتداءاتها وانسحابها من النقاط التي لا تزال تحتلها داخل الأراضي اللبنانية.

وبهذا يعتبر "الثنائي الوطني" أنه قد حقق مبدئيًا ما يصبو إليه، وحشر الحكومة في الزاوية لجهة الزامها العدو الالتزام باتفاق وقف اطلاق النار كمرحلة أولى. وأما المرحلة الثانية التي تخص سحب السلاح، فقد عبّر عنها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم حين قال: "لا سيادة في لبنان إلا وهي مشفوعة بالمقاومة التي حررت خيار لبنان السيادي". وأما رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محد رعد فقد شدّد على أن "المقاومة تريد سيادة هذا البلد، وتمارس حقها الوطني والقانوني والإنساني والدولي في الدفاع عن أرضها، وسلاحها هو شرعي أكثر من شرعية الحكومة.. والمقاومة عندما تصرّ على أن يبقى السلاح معها طالما هناك اعتداء إسرائيلي، فليس هناك منطق سيادي ولا قانوني في العالم يمكن أن ينتزع منها هذا الحق".

كما أن الرئيس بري رسم معالم المرحلة المقبلة في ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر، قائلاً إن "العقول الشيطانية أخطر على لبنان من سلاح المقاومة الذي حرر الأرض والإنسان وصان السيادة الوطنية". وأكد انفتاحه على "مناقشة مصير هذا السلاح، الذي هو شرف لبنان وعزه، في إطار حوار هادئ وتوافقي يفضي إلى صياغة استراتيجية للأمن الوطني"، رافضًا "التهديد وضرب الميثاقية واستباحة الدستور والقفز فوق البيان الدستوري ووقف النار الذي يمثل الإطار التنفيذي". 

وكان لافتًا موقف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي أطلقه في الغداء التكريمي الذي أقامه النائب فيصل كرامي على شرفه، إذ قال: "أما السلاح، فهذا الموضوع الخلافي اليوم يجب أن يحل ضمن المؤسسات الدستورية بالحوار وبتغليب مصلحة لبنان على غيرها من المصالح سواء كانت حزبية او شخصية او غير ذلك، لأن مصلحة اللبنانيين هي المقدمة على كل أمر. تعالو لنتحاور جميعًا حول هذا الأمر، هل يفيد التمسك بالسلاح؟ أم أن التمسك فيه قد يضر بمصلحة لبنان واللبنانيين؟ هذا موضوع للنقاش للحوار".

هكذا تكون خطة الجيش اللبناني قطعت الطريق على من يريد الصدام بين الجيش والمقاومة. وهذا بدور يعود الى بصيرة "الثنائي الشيعي" وحكمة قائد الجيش الذي أعاد رمي كرة النار إلى الحكومة بطريقة جنّبت البلد الانفجار المحتوم.

بالمحصلة، إذا قرأنا البيان الذي صدر عن الحكومة مؤخرًا، نرى أنه عزز موقفها سياسيًا وديبلوماسيًا أمام المجتمع الدولي، وبالتالي تبقى صورة المرحلة المقبلة قيد التشكّل، لا سيّما أن الدولة اللبنانية، عبر رؤسائها، تؤكد على ضرورة التزام الطرف الإسرائيلي بما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار، والورقة الأميركية – اللبنانية. وعليه، تتّجه الأنظار إلى ترقّب تنفيذ مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة" من الجانب الإسرائيلي، خاصة أن لبنان وفى بما وعد به، واتّخذ قرارات مصيرية وتاريخية، إلى جانب الاستحقاقات الأخرى التي تواجه البلاد.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen