السيادة بيد الشعب، حضور الأصيل ينزع شرعية الوكيل
كتب المحرركما كل شيء في لبنان، لا بد من الاستشهاد بتجربة غربية حتى يقتنع أهل الحكم بصحة الفعل وأحقيته. حتى مفاهيم السيادة وحدودها لا تحط رحالها في عقل الحكم اللبناني إلا إذا جعل لها مرجع غربي.
وانطلاقاً من هذا السلوك غير السيادي، لا بد من العودة إلى العام 1966 حيث نشب نزاع بين كل من الولايات المتحدة الأميركية والدولة الفرنسية برئاسة شارل ديغول حول حق فرنسا ببناء قوة عسكرية ودفاعية مستقلة عن حلف الناتو ولا تخضع له، وعلى وجه الأخص القوة النووية الفرنسية أو ما يعرف بالـ "Force de frappe" ( لعل استعمال المصطلح الفرنسي أكثر إقناعاً لبعض اللبنانيين) .
ركائز الخلاف انطلقت من ثوابت شارل ديغول بما خص السيادة الفرنسية والتي شملت ثلاث عناوين رئيسية: أن فرنسا يجب أن تكون مستقلة استراتيجياً.
لا يجوز لقرارات الحرب والسلم الفرنسية أن تُؤخذ في واشنطن أو لندن. وامتلاك السلاح النووي الفرنسي يجب أن يكون مستقلاً عن الحلف.
ولأن الولايات المتحدة هي نفسها الولايات المتحدة، لم تتغير ولن تتغير، واجهت المطالب الفرنسية باتهامات جاهزة تتناسب مع الواقع الجيوسياسي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية.
فكان أن اعتبر الرئيس ليندون جونسون القرار مفاجئاً، ورأى أن المطالب الفرنسية نوع من "التمرد" داخل الحلف وتهديد لوحدة الغرب بمواجهة الاتحاد السوفيتي.
وبحسب ما ورد في مذكرات وزير الدفاع الأميركي وقتها روبرت مكنمارا، وصف مستشارو جونسون ديغول بالـ "وغد العنيد".
إلا أنّ ديغول لم يكتفِ بالانسحاب السياسي نتيجة العناد الأميركي، بل طالب أيضاً بخروج القوات الأميركية وإغلاق القواعد العسكرية. وكان أن أخلت حوالي 35 ألف جندي أميركي من فرنسا، ونُقل المقر الرئيسي للناتو من باريس إلى بروكسل سنة 1967، وأُخليت 29 قاعدة عسكرية كانت منتشرة على الأراضي الفرنسية.
بعيداً عن الإطالة والتفصيل، نجحت فرنسا الخارجة من ويلات الحرب في فرض سيادتها على الولايات المتحدة، مقدمة بذلك دليلاً تاريخياً على أن الظروف لا يمكن أن تفرض عليك أن تقبل بما يجب أن ترفضه. ذلك المشهد الفرنسي أثبت أن السيادة تُصان بالفعل لا بالخطاب.
ولأن التاريخ لا يعيد نفسه لاختلاف الظروف، إنما يأتي على ذات القافية، ما يحتم علينا أن نستخلص العبر.
في العام 2025 حضر مجدداً المستكبر الأميركي معتقداً أنه يطلب فيُعطى.
إلا أن الفارق الوحيد أن الطبقة الحاكمة في لبنان ليس فيهم رجل "ديغولي" ولا رجل رشيد، يحسن فن أن يقول "لا" عندما تُسلب سيادته. حتى أن الأمر بلغ خطراً أشد، إذ في أصعب المراحل التي يمر بها لبنان وجدنا أنفسنا أمام حكومة تسابق المحتل ومغتصب السيادة على منحه ما لم يطلب، وتحاول زج كل مقدرات لبنان ومؤسساته في معركة أقل ما يقال عنها إنها معركة الكيان الصهيوني ضد لبنان، ليس كبلد بل كوجود من الأصل.
ولاننا أمام طبقة حاكمة لا تبالي بانقسام في المؤسسات، ولا تبالي باندلاع حرب أهلية، ولا تبالي بكرامة اللبنانيين، حتى أنها لا تبالي بكرامتها.
فيقف الموفد الأميركي على منصة القصر الجمهوري يطلق التهديدات والشتائم بحق اللبنانيين ويعلن صهيونيته بشكل فاجر وبشع، في محاولة لسحق كرامة اللبنانيين وتضحياتهم.
ويشير أنه يملك قرار بقاء لبنان أو ضمه لدول أخرى وتقسيمه، في أعظم مشاهد السفالة السياسية التي بُثت على الهواء مباشرة وبشكل علني.
وانطلاقاً من أن الحكومات ذات التصنيع الغربي هي من السلع ذات الاستهلاك الواحد، إذ ثبت تاريخياً أن التخلص منها يحدث فور إتمامها مهمتها أو فور تبين عجزها عن ذلك، يضع لبنان أمام مسارين لا ثالث لهما.
المسار الأول هو أن تعي طبقة الحكم الحالية في لبنان خطورة ما تقدم عليه من قرارات تضع لبنان أمام خطر خارجي وداخلي لم يشهد له مثيل، وأن تعيد تقييم مسارها ولبننته، وتضع على رأس أولوياتها حفظ سيادة لبنان في الأمن والعسكر والسياسة، وتكون نجاتها مضمونة بنجاة لبنان السيد الحر المستقل القوي.
أما المسار الثاني فهو أن يعلن الشعب اللبناني استعادة سلطته العامة وواجبه الوطني في الحفاظ على السيادة اللبنانية ورفض الوصاية الأميركية والاحتلال الإسرائيلي بأنواعه المعنوية والمادية، فينطق الشعب اللبناني بالرفض الحازم بوجه الأميركي والإسرائيلي والحكومة مجتمعين.
ولأن سياسات الغرب وحكوماتهم المحلية ليست قدراً لا مناص منه، يدرك الصغير قبل الكبير في لبنان أن مستقبله ومستقبل الأجيال مرهون اليوم بموقف سياسي وطني سيادي سيرسم المستقبل.
فإما أن يأتي هذا الموقف من الحكومة اللبنانية فتتراجع عما أدخلت لبنان فيه، وإما على الجميع أن يعي مسؤوليته، وعلى رأسهم قيادة المقاومة في لبنان المطالبة اليوم أكثر من أي يوم مضى برفض ما يصدر عن حكومة لا تحفظ سيادة لبنان ولا كرامته ولا تضحياته.
وإن كان الشعب قد أوكل لمجلس نيابي أن يأتي بحكومة لم تكن على قدر المسؤولية، فإن حضور الشعب وقراره وإرادته يفعل مبدأ "حضور الأصيل يلغي سلطة الوكيل". فلا وكيل للشعب اللبناني إذا ما كان التصرف الشاذ للوكيل لا يصب في مصلحة الموكل الأصيل.