الـرهـبانـية الأنطـونية المارونـية تـزرع الرجـاء في الارض وتـمضي في الـوطـن مـثـالا
21 آب 2025

الـرهـبانـية الأنطـونية المارونـية تـزرع الرجـاء في الارض وتـمضي في الـوطـن مـثـالا

بقلم د.جوزفين سلمان يمين

بيـن التـلـة والقـمـة نُسجـت الخيوط الأولى لحـكـايـة مـلأت الـوطـن في جهاتـه الأربـع، وتتخـطّـاه إلـى بـلاد الإنتشــار في المدى الأوسـع.

تحتـفـل الـرهـبانـية الأنطـونـية الـمـارونـية هـذا الـعام بيـوبـيـلها : إحتـفـال بمـرور 325 عـامـًا عـلى تـأسيسـهـا (1700-2025). 

أُقـيـم الإحتفال الـرسمي والـشعـبي فـي ديـر مـار أشـعـيـا – الـديــر الأم، بـمشاركة رئـيـس الجمـهـوريـة اللبنانيـة والبطريرك الماروني وعـدد من الشخصـيـات الـروحـية والإجـتـماعـية. 

تـأسسـت الرهـبانـية الأنطـونـيـة عام 1700. مـنـذ ذلـك الـحـين، قــامـت بـأداء دورًا هـامـًا فـي الحـيـاة الـروحـية والثـقـافـية والتعـليمـية فـي لبـنان والشـرق. الرهـبـانيـة الأنطـونـيـة بجـنـاحَـيها (الأنطونيّين والأنطونيّات) أجـمــل مــا حــدث للـبـنـان. بينهمـا تـاريخٌ مفـعـمٌ بالمحـطـّات الممـتـدّة عـلى وسـع المسـاحـة الجـغـرافـيـة. ورثـت الرهـبـانـيـة الأنطـونـيـة، منذ الـبـدء، الفـرادة فـي التـوجّه نـحـو جـمـيـع أشـكال العـمـل المسـكـونـيّ، والـحـوار بيـن الأديـان. سـاهـمـت فـي بـنـاء الإنـسـان والمـواطـن اللبنـانـي المعـتـز والمتجـذر فـي قـيـمه والمـنـفـتـح عـلـى المجتمـع المحـلــي، الوطـنـي وعلـى العصر، مـن خـلال إقـامـة الـمـدارس والـمـعاهـد والجـامـعـات وإحيـاء الـتـراث المـارونـي بشتـى الـوســائل.

أقـامـت الـرهـبانـية الأنطـونـية الـمـارونـية، مساء الجمعة ١٥ آب ٢٠٢٥ ، إحـتـفـالاً رسـمـيـاً وشـعـبـياً فـي ديـر مـار شـعـيـا (المـتـن) فـي حـضـورومشـاركـة رئـيـس الجمـهـوريـة الـعـمـاد جـوزاف عـون واللبـنـانـية الأولـى السـيـدة نعـمـت عـون، والبطـريـرك المـارونـي مـار بــشـارة بطـرس الـراعـي.

شـعـار اليـوبـيل هـو "فرحـون بالرجـاء"، نـُـقـش فـي وسـط درجـات المـذبـح، صـدىً لـنـداء الكـنـيسـة الجـامـعـة فـي يـوبيـلـهـا الـذي أعـلـنـه قـداسـة الـبـابا الـراحـل فـرنـسـيـس، "حـجــّاج رجــاء"، بـدعـوة واضـحة للسـيـر معـاً وعـدم الجـمــود والخـمــول رغــم كـلّ الظـروف المـحـدقـة بـنـا وبالـوطـن.

فـي مسـتـهـل الـقـداس ألـقـى أمـيـن السـر الـعـام للـرهـبـانـيـة الاب الـيـاس شـمـاطـة كلـمـة رحــب فـيـها بالحـضــور. قـدم لـمـحــة تـاريـخـيـة عـن ولادة الـرهـبانـية فـي ديـر مـار أشـعـيـا وصـولا إلـى واقـعـهـا الحـالـي وإنتـشـارهـا فـي لبـنـان والعـالــم. قـال: "هــا نـحـن الـيوم، نـرفـع صـلاة الشـكــر ونُـجـدد الـعـهـد. فـمـن فكـرةٍ كـانـت فـي الـبـدء عـام ألـف وسبعـمـائـة، إلـى جـماعـةٍ حيـّـة نـابـضـة بــروح الله فـي هـذا الـعـام المـبـارك، صـار الفـكــر كـيـانـًا، وصـار الحـلـم أنـتـم ونحـن وكـلُّ مـن شـارك الـرهبـنـة رؤيـتـها ورسـالـتـها. رهـبـنـة واحـدة، بمـائـةٍ وخـمـسيـن راهـبٍ نـاشـطٍ فـي الحـبّ والطاعـة والعـفـّة، مـن بينـهم ثـلاثـة نـسـاك، وثـلاثـون ديـرًا، تشـهـد للحضـور الرهـبـانـي فـي القـلـوب والقـرى والـمـدن، واثـنـتـا عـشـرة مـدرسـةً تغــرس القـيـم فـي أجـيـال اليـوم، جـامعة بفرعـيـن تخـرّج إلـى حـقـل الحـيـاة رسـلاً وعـمــّالاً، مـركـزٌ للـدراسـات والأبـحـاث الـمشـرقـيـة، مـيـتـمٌ فـي المـروج، معـهـدٌ للـفـنّ الإيـقـونـوغـرافـي، مـشغـل للـبـاس الليتـورجـي، مدرسـة مـوسيقـيـة بـثـلاثـة فــروع، جمـعـية لكـشـافـة الإستـقـلال،. إنـتشـارٌ واسـع فـي الخـدمـة الـرعـوّيـة والـتعـاون مـع أصحـاب السيـادة والكهـنة وبنـات وأبـنـاء الـرعـايـا، مـن لبـنـان إلـى سـوريا وسلـطـنة عُـمـان، إلـى كـنـدا وأستـرالـيـا والـولايـات المتـحدة الأميـركـية، بليجـيـكا وإيطـالـيـا ومـؤخــراً فـي سـويسـرا". ثـم شـرح مـا يـرمز إلـيـه المذبـح الـذي أعـد خصـيـصاً للمـنـاسـبة، بإشــراف السـيـدة دنـيـز طـوق والسـيـد إيـلـي زيــدان، كـمـا تـطـرق إلـى محـطـات عـدة فـي تـاريـخ الرهـبانـية.

تـلا رئـيس بلديـة مـار شعـيـا السـيـد بـول شخـتـورة قـراءة مـن سـفـر أشـعـيا، فـيـما تـلا الأب إيـلـي كعـوي الإنطـونـي فـصـلا مـن رسـائــل بـولـس.

أكـد البطريـرك المـارونـي مـار بشـارة بطـرس الـراعـي فـي العـظة التـي ألـقـاها بعـد الإنجـيـل علـى الصـلاة مـع الـرئيس عـون مـن أجـل بـسـط سـيـادة الـدولة وإحـلال سـلام دائـم وعـادل عـلـى الأرض اللبنـانـيـة بكـامـلـهـا، وبـدء خـطـة إعــادة الإعـمـار، داعـيــاً أن يبـقــى لبـنـان "وطـن الـرسـالـة والـدعـوة، وطــن الـقـداســة والشـهـادة، وطــن الشـركـة والـتـنـوع، أرض أرادهــا الله مـنـارة فـي هـذا الشــرق. كمـا نصـلـي كـي يجـعـلـنـا الله إرادة وطنـية صـادقـة وجـهـداً مسـتـمــراً للخــروج مـن عـقـلـيـة المحـاصصة والتعـطـيل والإنـغـلاق، نـحـو فـكــر وطـنـي جـامـع يبـنـي ولا يهــدم، يـوحـد ولا يـفـرق". عـاون البطريـرك الـراعـي رئيـس أسـاقـفـة أبـرشـية إنطلـيـاس المـارونـية المـطران أنطـوان بـونـجـم والآبــاتــي بـو رعــد ومجـلـس المـدبـريـن الآبـاء بطـرس عـازار، مـيشـال خوري، بـشـارة إيلـيا، إبـراهـيـم بـوراجـل. نـسـق الإحتـفـال الليتـورجـي الأب شـربل بـو عـبـود، خـدمـتـه جـوقـة الجـامـعـة الأنطـونـيـة بقـيـادة المايسـتـرو الأب تـوفـيـق مـعـتـوق.

أمـا الرئيـس العام للرهـبانـية الأنطـونـيـة المارونـية الآبـاتـي جـوزف بـو رعــد فـقـد عـاهـد فـي كلمة ألقـاهـا قبـيـل إنتـهـاء القـداس، رئيـس الجمهـورية علـى أن يكـون رهـبـان الأنطـونـية " رســل الـمـواطـنة الجـامـعـة وأصـدق المبشـريـن بـها، وأن نكـون الـمـثال والـقـدوة فـي الـدفـاع عـن الخـيـر العـام، فلا خيـر لنـا سـواه، سقـفـنا القـانـون بـه نـلتـزم مـن دون مـواربـة وإستكـبار نـقـوم بــواجـباتـنا قبـل أن نطـالـب بحـقـوقـنـا، مـا لـنا مـن حقـوق إلا تلـك الـتي تخـص مـن تكـرسـنا لخـدمتـهم، وعهـدنا أن نؤازركـم فـي ورشـة البـناء والإصـلاح والتطـويـر".

في المقـابـل، تمـنى الـرئـيس عـون للرهـبانـية أن تبـقى "مـنـارة إيـمـان وعـلـم وثـقـافـة فـي قـلـب لبنـان والشـرق، مـدرسـة حيـاة نهـلت منـها الأجـيال عـلـما ومعـرفة والكثـير مـن القـيم الـروحـية السـامـية".

من تلّـة ديـر طامـيش إلـى قـمة جـبـل مـار أشـعـيا انـبـنـت المـدامـيك الأولى للـرهـبانـية الأنطـونية فـي لبـنان، مجـبـولة بالعـَرق والـدم، ملـوّنـةً بالمحـبـةِ والــرجـاء، ومـوقّعـة بحـبـر الإيـمـان. إنـهـا مســيرةٌ مفعـمـة بالمحـطّـات المشـرقـة الـتي نحـتـت الصـخـر، وزرعــت الأرض، وربّــت الأجـيـال، وحمَـلَت الخـدمـة الرعـويـة إلـى النفـوس العطـشى. 

تـمّ تكـريـم 22 راهـبـاً مـن الرهـبان الأنطـونـيـين لمنـاسـبة يـوبيلــهم الـذهـبي أو الفـضـي، ببـركات رسـولية مـن البابـا لاون الـرابـع عـشـر، سـلـمها البطريـرك والسفـيـر البـابـوي والآبـاتـي بـو رعــد لمستحـقـيها، ثـم قـدم الـرئـيس العـام للـرهـبانـية هـدية تذكـاريـة إلـى البطريـرك الـراعـي عـبارة عـن لـوحـة تحـتـوي عـلى قـطـعة ورقـيـة كـتـبـت عـليـها فـرائـض الـرهـبـنة فـي الـعـام 1700. كمـا قــدم الآباتـي هـديـة إلـى الـرئيس عـون عـبـارة عـن تمـثـال لـجـسم المـسيـح القـائـم مـن بـين الأمـوات صمـمه الـفـنان رودي رحـمـة.

في زمن التحديات الراهنة، سـتبقى الـرهـبانـية الأنطـونية شـاهــداً حـيـاً عـلى قـدرة الإيـمـان والعـلـم عـلى تخـطـي المـحـن وبـناء المـستـقـبل، ورمــزاً لـوحـدة اللبـنـانـيات واللبـنـانـيـين حـول قـيـمهـم الـروحـية وإنتـمائـهـم الحـضـاري.

نـعــم "ما ارهـبها سـاعـة، إحـبـائـي، ومـا اروعـهـا"!  كمـا قــال الآباتي جوزف بو رعد. ثـم أضــاف : " نوع من الزواج المختلط الذي نحمل جيناته في روحنا وروحانيتنا. دون تاريخ ولادتنا على صفحة مكتظة بالولادات، زمن التحولات والتجديد، ومذاك حجزنا لنا مساحة على صفحات ذاك التاريخ وذاك الجهاد. . أكثـر مـن ألـف راهـب دخـلـوا في عـيـن هـذا الإعـصـار. قـوة الجـذب فـيـه متـاتـية مـن نـفـس إلـهـي خـفـيـف، أجــاد آبـاؤنـا الأولـون تـنـفـسه. رائحـته بخور، وأنغـامه ألحـان سريانـية تصـدح علـى خلـفـية صـمت يحتضن هـمـسات إلهـيـة. تـجليـاتـه وجـوه مستـنـيـرة، وإبـتسـامـات علـى مـحـيا أبنـائـها. عــلامـاتـه: أراض منـقـوبـة، مـدارس فـي أفـيـاء سنـديـانـة كـل ديــر، ورســالات".

فـي مـثل هـذا اليـوم. نجـدد ولادتنا كأنطونيـات وأنطـونين، نحـن كلـنـا ، تـلاميـذ المـدارس، طـلاب الجـامعـة الأنطـونيـة ، ساعة نسـتذكـرهـا دون ان نـذكـرهـا، نسـتـذكـرهـا وذكـرهــا عـنـدنــا عـيــد، بـل يـوبـيــل.

أن يـكــرّس سـنـة بـأكمـلـها للإحـتـفال بيـوبـيل تـأسـيـس رهـبانـية الآبــاء الأنطـونـيين والأخــوات الأنطــونيـّـات، فـهـذا يعـنـي أن هـنــاك كـنـزاً دفـيـنــاً يتـطـلّــب جـهـداً كبيـراً مـن أجـل إستخـراجـه وإظـهـاره للعـلـن. أسـمــاءُ كبـارٍ رحـلـوا، ونـسّـاكٍ تـوحّــدوا، وأدبــاءَ ومـؤرخـين وبـاحثـين أغـنـوا المكـتـبات بعطـاءاتـهم الـوفـيـرة، فـكـان مـن الـواجـب أن تـتـمّ المحـافـظـة علـى إرثـهـم وإحـيـاء ذكــراهــم. 

قــداس رجــاء. قــداس خـدمة مقـدسة في المسيـحية. قــداس شــكر مقدس في المسيـحية. شــكــراً للآبــاء علـى مــر السنـوات. الــرحمــة لمـن غــادرونــا إلـى رحــاب السمــا... الـرحمـة لأهــاليـهـم. 325 شــكــر و 325 محــبــة وأكـثـر . بينـنـا والأنطونيين ولـبنـان حـكــايـة حــبّ وحــالــة عـشـق مسـتمــر ومسـتــدام، يتـجـدّد مـع الأيـام.

"رُوحُ السَّـيِّـدِ الــرَّبِّ عَـلـَيَّ، لأَنَّ الــرَّبَّ مَـسـَحَـنـِي لِأُبـَـشِّـرَ الْمـَسَـاكِـينَ، أَرْسَـلَـنِي لأَعْـصِبَ مُنْكـَسِـرِي الـْقـَلْـبِ، لأُنَــادِيَ لِلْمَــأْسُـورِيــنَ بِـالإِفــْرَاجِ، وَلِلْمَحْـبـُوسِـينَ بِـفـَكِّ الْـقـَــيْــدِ" : سـفــر أشـعـيــا.

 



11









11









 

1

 

1

 

1

11



















 

1

 

1


 

1

 

1



 

جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن 

أخصـائـيـة فـي عـلـم النـفـس الـعـيـادي والـدعـم الإجتماعي - أخصـائـيـة فـي عــلـم تـعـلــيم الكــبــار (الانـدراغـوجـي)

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen