مقاومة الاحتلال.. عقيدة شعب تشربتها الأجيال
كَتَبَ المُحرّرمنذ أن وطأت قدم الصهاينة أرض فلسطين وقيام دولتهم المزعومة على دماء الفلسطينيين العزّل، ترسّخت فكرة قتال الإسرائيليين عند العديد من شعوب المنطقة، خاصة الشعب اللبناني الذي أخذ يبني عقيدته القتالية على أن "إسرائيل" هي العدو الأول. ومع السنين تجذّرت هذه العقيدة لتصبح ثقافة حياة لدى غالبية اللبنانيين، إذ أنتجت مقاومة شعبية من جميع الطوائف. حتى أصبح كل لبناني حّر ينظر على أن العدو الإسرائيلي يمثل خطر وجودي على وطنه.
وتجسّدت فكرة الخطر الإسرائيلي على لبنان بعد اعلان الكيان الصهيوني عن السعي لإقامة دولته من النيل الى الفرات، وما تبع هذا الإعلان من حروب طالت مصر وسوريا والأردن خلال أعوام 1956 و1967 و1973، وما تلاها من اجتياح لمنطقة جنوب لبنان في العرقوب عام 1972 وجنوب الليطاني عام 1978 وصولاً الى العاصمة بيروت عام 1982.
عندها أيقن اللبنانيون أن بلدهم من ضمن المخططات التوسيعية لـ"إسرائيل"، ولم يعد أمامهم سوى خيار المقاومة بشتى الوسائل، وهكذا تشرّب الشعب عقيدة القتال عبر سنوات من التضحيات مقدمًا عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، بحيث أصبح من المستحيل أن تتغير ثقافة الدفاع عن الأرض والعرض في ليلة وضحاها، وبخاصة عند أهل هؤلاء الشهداء والجرحى والأسرى والمعذّبين من أولاد وأحفاد وأقارب.
لكن الشّعب اللبناني بعد العدوان الإسرائيلي الأخير الذي شنّ عليه في أيلول 2024، والذي استطاع بفضل مقاومته الباسلة أن يتصدّى له ويمنعه من تحقيق أهدافه، وضعته الإدارة الأميركية أمام مفصل تاريخي حرج؛ إما التماشي مع ما يُطلب من حكومة بلاده بسحب سلاح المقاومة، وذلك طبعًا لا يخدم سوى "إسرائيل"، وإما أن يواجه حصارًا اقتصاديًا وماليًا وعدوانًا جديدًا.
فالولايات المتحدة بعد كل عدوان إسرائيلي، تسعى أن تأخذ بالسياسة ما عجز الميدان عن تحقيقه، وتعمل على خلق سردية توكل وسائل الإعلام اللبنانية التي تدور في فلكها أن تتولى مهمة إشاعتها، وهي أن المقاومة هُزمت وبيئتها تحتضر، والغاية من ذلك سلب إرادة الشعب اللبناني على مقاومة مطالبها والرضوخ لإملاءاتها.
والأخطر من ذلك، أن المبعوث الأميركي الى المنطقة توم برّاك ذهب بعيدًا في تصريحاته ومواقفه، إذ طلب من لبنان أن يعمل على موضوع التطبيع مع العدو، وفي تصريحات مريبة اعتبر فيها أن لبنان جزء من سوريا الكبرى مطالبًا بعودة طرابلس الى حضن بلاد الشام.
يبدو أن الأميركي ومن يراهن من أدوات مشروعه في الداخل على سياسته وأحلامه لم يأخذوا العبر من الماضي، حين أحبطت الانتفاضة الشعبية اتفاق 17 أيار 1983 المُشين، وأجبرت المقاومة قوات العدو الغازية من الانسحاب من بيروت وبعدها تحرير الجنوب. من هنا يجب على اتباع الوصاية الأميركية والسعودية أن لا يحلموا كثيرًا ويبنوا رهاناتهم على سراب، لأن من تشّرب الوطنية ومقاومة المحتل من أجداده وأبائه ليس من السهل إقناعه بأن يلقي سلاحه ويخون وطنه، إذ كيف له ذلك وهو يرى كل يوم العدو الإسرائيلي يعتدي على وطنه من قتل وتدمير واحتلال وتهجير ولا يحرّك ساكنًا، أو أن ينسى من قتل وجرح أهله وأحرق زرعه وبيته أن يصافحه يومًا ويصبح له صديقًا، تحت شعار "السلام".
إذًا أيًا تكن الأمور، فمن المفترض أن يعرف الجميع أن المقاومة وسلاحها لم تكن يومًا ترفًا أو مجرد مشروع خاص. طوال عقود من الزمن كانت حاجة وردّة فعل على عدو غاشم لا يحترم إلا لغة القوّة ولا تعنيه كلّ قواميس الشرعية الدولية ومفرداتها. والمقاومة ما أخذت شرعيتها الإنشائية يومًا من سلطة عابرة أو قصاصات ورقية مفعولها إعلاني ليس إلا، بل من الفطرة البشرية الطبيعية التي أتت النصوص لتجسدها سواء في ميثاق الأمم المتحدة وحق الدفاع عن النفس وتقرير المصير ومواجهة المعتدي وكذلك في نص اتفاق الطائف اللبناني الذي لم يستطع القفز فوق الاحتلال الإسرائيلي وخصص فقرة تؤكد على اتّخاذ كلّ السبل لمواجهته.
من هنا فإن ثقافة المقاومة لا تموت، وهي روح تسري في شرايين المجتمع اللبناني وفي عقله، وإن قومًا يحملون هذا الفكر الثوري وهذه الروح المضحية لن تكسر لهم راية ولن يتراجعوا حتى يحققوا الغاية، وإن غدًا لناظره قريب.
والنصيحة الأخيرة لأبناء الوطن ممن يتماشون مع الإملاءات الأميركية والسعودية التي لا تخدم سوى مصلحة إسرائيل أن يستفيقوا من أوهاهم، ويعوا أن الأوطان لا تبنى إلا بتكاتف أهلها من جميع الطوائف ضد من يتربّص بها شرًا، وأن يعرفوا جيدًا أن من لا كرامة له بين أبناء وطنه، لن تكون له كرامة عند أسياده الغرباء أبدًا.