طرابلس في الحسابات الإسرائيلية: أمن واقتصاد
كتب المحررفي 8 تموز/يوليو 2025، وقعت طرابلس على خط الزلازل الإسرائيلي. طائرة مُسيّرة عبرت أجواء الشمال بهدوء قاتل، قبل أن تُطلق صواريخها نحو سيارة مدنية في منطقة العيرونية، على أطراف المدينة. ثلاث شهداء سقطوا، و13 جريحًا، في مشهد يُعيد تعريف قواعد الاشتباك وخرائط الحرب. لم يكن هذا مجرد "خرق أمني" جديد، بل إعلان ناعم بأن الشمال دخل رسميًا في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، بعيدًا عن جنوب لبنان المألوف في ذاكرة المعارك.
اللافت أن الغارة وقعت على بعد نحو 180 كيلومترًا من الحدود مع فلسطين المحتلة، ما ينزع الغطاء عن أي ذريعة دفاعية تقليدية. الرواية الإسرائيلية تحدّثت عن "قيادي من حماس"، لكن الوقائع والتصريحات اللاحقة من المقاومة الفلسطينية نفت ذلك بشكل قاطع. الحقيقة أن الرسالة وُجّهت إلى مدينة بأكملها، لا إلى شخص بعينه. طرابلس كانت الهدف، والضربة كانت بلغة الأمن والاقتصاد والسياسة مجتمعة.
ليست طرابلس مدينة عادية في الوعي الإسرائيلي. المدينة، بعروبتها الصافية، ونسيجها الشعبي المقاوم، تحتضن مخيمات اللجوء الفلسطيني، وتحتفظ بذاكرة حاضرة في كل مواجهة مع العدو. منذ عقود، ظلّت طرابلس رافعة للصوت القومي، ومتنفسًا للفعل التضامني مع فلسطين. يعرف العدو أن هذه الحواضن الصامتة أخطر من أي صاروخ، وأن البيئة التي تعتنق فكرة المقاومة هي الخطر الأكثر استعصاءً على القصف.
لكن العدو لا يكتفي بالقنابل. في حساباته، المعركة على الوعي أولًا. هو يستثمر في الفراغ السياسي، وفي الفوضى، وفي انهيار الدولة. منذ اندلاع حرب غزة أواخر 2023، تحرّك وفق عقيدة جديدة: "اضرب في العمق، لا في الأطراف". فبعد اغتيال صالح العاروري في قلب بيروت، وتكرار استهداف مخيمات الشمال، باتت طرابلس مطروحة ،كهدف أمني دائم، لا استثناء طارئ، بدليل حركة المسيرات الاسرائيلية التي بات لها مقام شبه دائم في سماء المدينة.
ومع الغارات، يواكب التسلّل الإعلامي والحرب النفسية. حملات مدروسة تتحدّث عن صفقات إقليمية مشبوهة، تروّج لسيناريوهات مثل "تسليم طرابلس للسيادة السورية" ضمن تسويات كبرى تشمل الجولان وشرق الفرات. الهدف واضح: تشتيت الانتماء، وبثّ الشك، وإقناع أبناء المدينة بأنهم ورقة تفاوض يمكن التخلّي عنها بسهولة. هذا ليس خيالًا، بل أحد أسلحة إسرائيل الأكثر فتكًا: ضرب الثقة بالذات، وبالدولة، وبخيار المقاومة.
وإذا كان الأمن محورًا أول، فإن الاقتصاد لا يقل خطورة. فكما استغلّت إسرائيل كارثة مرفأ بيروت عام 2020، وعملت على تعطيل إعادة إعماره لصالح تنشيط مرفأ حيفا، فإنها تدرك تمامًا أن مرفأ طرابلس هو التحدي القادم. فالميناء يتمتع بموقع استراتيجي يربط آسيا بأوروبا، ويشكّل نقطة وصل برّية عبر سوريا نحو العراق والخليج. قربه من قناة السويس، وحجم الاستثمارات الدولية الطامحة إليه، يجعله عقدة اقتصادية لا يمكن لإسرائيل أن تتركها تتطوّر دون عرقلة. كل خطوة نحو نهوض المرفأ، تعني تراجعًا في حيوية المرافئ الإسرائيلية، وهذا ما لا يمكن السماح به في قاموس تل أبيب.
هنا تتلاقى الغارات الأمنية مع المقاربات الاقتصادية. فطرابلس، المهمّشة تاريخيًا، تحوّلت فجأة إلى ساحة تنافس إقليمي صاخب. وكلما ارتفع سقف الأمل الاقتصادي، ارتفعت معه وتيرة الاستهداف. والتحدّي الأكبر هو في تحصين المدينة من الداخل، لا في حمايتها من الخارج فقط.
فالمعادلة اليوم واضحة: كل فوضى داخلية في طرابلس هي مكسب صافٍ لإسرائيل. كل انقسام طائفي، أو صراع سياسي، أو تحريض ضد سلاح المقاومة، هو خنجر يُغرس في خاصرة المدينة. لم تعد المقاومة ترفًا ولا وجهة نظر. هي حاجة وجودية أمام مشروع تقسيمي متكامل يرى في الشمال "خاصرة رخوة" يجب تفكيكها قبل أن تتماسك.
إن مسؤولية حماية طرابلس اليوم لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل على كل من يؤمن أن هذه المدينة ليست للبيع ولا للمقايضة. المطلوب ليس فقط استنكار الغارة، بل الخروج من الحياد القاتل. فالعدو لا يُردع بالكلام، ولا تُفشل خططه بالتغافل. ومن يظن أن المسألة تخصّ الجنوب وحده، لم يفهم بعد أن طرابلس باتت اليوم في عين العاصفة، ولا دريئة لها الا ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.