هل تقتل الحكومة اللبنانية شعبها كرمى لعيون باراك؟
09 تموز 2025

هل تقتل الحكومة اللبنانية شعبها كرمى لعيون باراك؟

كَتبَ المُحرّر

 يشهد لبنان مرحلة حرجة عقب اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع إسرائيل. فعلى الرغم من الهدنة المعلنة، تواصل القوات الإسرائيلية خرق السيادة اللبنانية بشكل شبه يومي، ما يوقع خسائر في صفوف المدنيين ويرفع منسوب القلق الشعبي. وفي المقابل، تواجه الحكومة اللبنانية انتقادات متزايدة بشأن طريقة تعاملها مع هذا التصعيد الإسرائيلي؛ إذ يرى مراقبون أن موقفها هشّ وأقرب إلى الخضوع للضغوط الدولية، خصوصًا في ظل المبادرات الأميركية الأخيرة التي يحملها المبعوث الأميركي توم باراك. وفي خضم هذه التطورات، يستحضر كثيرون شبح مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، محذّرين من تكرار سيناريو مماثل إن استمر التراخي الرسمي في حماية الشعب. في هذا المقال التحليلي، نستعرض أرقام الخروقات والضحايا الموثقة، ونحلّل موقف الحكومة اللبنانية ومبادرات باراك الأميركية، وصولًا إلى قراءة تاريخية لمجزرة صبرا وشاتيلا ودلالاتها التحذيرية اليوم.

خروقات إسرائيلية متواصلة وأرقام الضحايا

 منذ دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية. تشير أحدث الحصائل الرسمية إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفّذ نحو 3799 خرقًا للسيادة اللبنانية خلال الأشهر اللاحقة، توزعت بين 1701 خرق بري و1916 جوي و112 بحري. هذه الخروقات لم تكن مجرد أرقام إحصائية؛ بل ترافق بعضها مع اعتداءات مباشرة أسفرت عن سقوط 195 شهيدًا لبنانيًا وإصابة 433 آخرين بجروح متفاوتة منذ إعلان وقف إطلاق النار. وتعكس هذه الأرقام واقعًا مقلقًا، إذ إن استمرار سقوط هذا العدد من الضحايا المدنيين في ظل هدنة معلنة يؤكد هشاشة الوضع الميداني وضرورة التوقف عند أسبابها. وقد نددت السلطات اللبنانية بهذه الانتهاكات واعتبرتها خرقًا واضحًا للسيادة اللبنانية ولقرار مجلس الأمن 1701، مطالبةً المجتمع الدولي بالتدخل الجاد لكبح جماح الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

لا تقتصر الخروقات على مجرد تحليق للطيران أو تجاوز لدورية حدودية، بل تشمل ضربات عسكرية وأعمال عدوانية متنوعة. فبحسب التقارير، شملت الانتهاكات الإسرائيلية غارات جوية وتحليقًا مكثفًا للطائرات الحربية والمسيّرة في الأجواء اللبنانية، إلى جانب قصف مدفعي وإطلاق نار عبر الحدود، وتوغلات محدودة داخل الأراضي اللبنانية. ولم تتورع قوات الاحتلال عن تجريف الطرقات والحقول الزراعية وإحراق السيارات وسحقها في القرى الحدودية، ما يعكس نهجًا تصعيديًا مدروسًا يهدف لإبقاء جنوب لبنان تحت الضغط والترهيب المستمر. وقد سجّل الجيش الإسرائيلي أيضًا إلقاءه قنابل وصوتيات على بلدات حدودية، وإطلاق رشقات نارية باتجاه المدنيين كما حصل مؤخرًا في أطراف بلدة شبعا – وكل ذلك في ظل الاتفاق الذي يُفترض أنه أوقف الأعمال العدائية. هذا الواقع الميداني يطرح تساؤلات جدّية حول مدى التزام إسرائيل فعليًا ببنود الهدنة، وحول قدرة الأطراف الدولية الراعية على فرض احترامها.

الأخطر أن هذه الخروقات المتواصلة أعاقت تنفيذ الشق الأساسي من اتفاق الهدنة، وهو انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة خلال مهلة 60 يومًا. فبدلًا من الانسحاب الكامل، لا تزال إسرائيل تحتل مواقع استراتيجية في الجنوب، حيث تؤكد تقارير أنها ترفض اعتبار مهلة الستين يومًا "مقدسة" وتلمّح إلى إبقاء قواتها في بعض التلال اللبنانية حتى بعد انتهاء المهلة. وفعليًا، تواصل قوات الاحتلال احتلال 5 تلال في الجنوب اللبناني رغم سريان الاتفاق، وتعمل على إقامة سياجات وجدران عسكرية لتعزيز سيطرتها. هذه المماطلة في الانسحاب دفعت رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني (في حينه) نجيب ميقاتي إلى اتهام الجانب الإسرائيلي بالمماطلة في تنفيذ القرار الدولي 1701 الخاص بلبنان. ومع كل يوم إضافي من التأخير والخروقات، يتزايد خطر الانزلاق نحو مواجهة جديدة، أو ترسيخ احتلال أمر واقع على غرار ما فعلته إسرائيل في الجولان السوري المحتل.

موقف الحكومة اللبنانية: هشاشة أمام التصعيد

أمام هذه التحديات الأمنية الخطيرة، يُنتقد أداء الحكومة اللبنانية بوصفه دون المستوى المطلوب لحماية الشعب والسيادة. فالحكومة وجدت نفسها تكتفي بالشكوى الدبلوماسية والمناشدات الدولية، في ظل قدرات عسكرية محدودة ورغبة في تفادي عودة الحرب. بالفعل، دفع استمرار الخروقات الإسرائيلية الحكومة إلى مطالبة واشنطن، بوصفها راعية اتفاق وقف إطلاق النار، بلجم تلك الخروقات والضغط على إسرائيل للالتزام بالهدنة. كما ناشدت بيروت الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل تعزيز مراقبة وقف إطلاق النار، حتى أنها لوّحت بالتوجّه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار بيان يؤكد التفاهم ويطالب بتطبيق القرار 1701 بحذافيره. هذا الاعتماد المفرط على الوساطة الدولية يعكس في أحد جوانبه ضعف الموقف اللبناني؛ فالدولة اللبنانية تبدو وكأنها رهينة للضمانات الخارجية في ظل غياب قدرة ذاتية على الردع. ومما يزيد القلق أن الوسيط الأميركي نفسه متهم بالتساهل مع الخروقات الإسرائيلية، حيث تشير التحليلات إلى "تواطؤ الإدارة الأميركية الحالية مع النهج الإسرائيلي"، ما يعني أن مناشدة واشنطن قد لا تحقق النتائج المرجوّة وربما تكون مجرد شكر دبلوماسي على التعاون دون خطوات فعلية.

على الصعيد الداخلي، سعت الحكومة إلى إظهار تماسك في مواجهة التصعيد، لكن ذلك تم على حساب تقديم تنازلات سياسية حساسة. فقد حرصت السلطات اللبنانية على تقديم رد مكتوب وموحّد من الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والحكومة ومجلس النواب) حول ترتيبات وقف الأعمال العدائية، في خطوة نادرة تهدف لإظهار وحدة القرار الوطني. وقد شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام – عقب لقائه المبعوث الأميركي باراك – على التمسك باتفاق الطائف وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، مع حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وأشار سلام في الوقت نفسه إلى أن "حزب الله لا يزال ملتزمًا باتفاق الطائف وترتيبات وقف الأعمال العدائية" في محاولة لإبراز وحدة ضمنية في الموقف اللبناني تجاه المطالب الأميركية. هذا التأكيد الرسمي على سيادة الدولة ووحدة القرار رحّبت به واشنطن مبدئيًا بوصفه "مؤشرًا إيجابيًا على التعاون"، لكنه يفتح الباب على تساؤلات حول حدود التنازلات التي قد تقدمها بيروت.

ورغم الخطاب السيادي، يدرك الجميع أن المقصود الأساسي من هذه الترتيبات هو سلاح حزب الله ودوره العسكري في الجنوب. هنا يتباين الموقف الداخلي: فبينما لمّحت بعض الأوساط الرسمية إلى الاستعداد لنقاش وضع سلاح المقاومة ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، بقي موقف حزب الله حازمًا برفض أي جدول زمني لنزع سلاحه تحت الضغط الخارجي. وقد صرّح نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بوضوح أن "سلاح المقاومة ضمانة للردع في وجه إسرائيل" وأن الحزب لن يلقي سلاحه لأنه صمام أمان البلاد أمام العدوان. هذا التباين يضع الحكومة في موقع حرج: فإذا استجابت للضغوط الأميركية وسلمت بسحب سلاح الحزب سريعًا، فإنها تخاطر بزعزعة التوازن الداخلي وإضعاف قدرة الردع اللبنانية. وإذا تمسكت بوجود السلاح دفاعًا عن سيادة لبنان، فستواجَه بمزيد من الضغوط والعزلة الدولية وربما عقوبات اقتصادية. وحتى الآن، يبدو أن الحكومة تميل إلى المسايرة الحذرة: فهي تحاول إرضاء واشنطن شكليًا عبر ورقة الرد الموحدة، وتدفع في الكواليس باتجاه حل توافقي يربط أي بحث في مصير السلاح بانسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية فعلية. بيد أن هذا الموقف قد يبدو هشًّا، فهو رهان على وعود وضمانات خارجية جاءت التجارب السابقة (كما سنستعرض) لتنذر بأنها قد تكون حبراً على ورق حين تحين ساعة الحقيقة.

مواقف المبعوث الأميركي توم باراك وتصريحاته العلنية

 يمثل توم باراك (أو توماس بارّاك) المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى لبنان وسوريا، رأس الحربة في الجهود الدبلوماسية الأميركية الأخيرة. حمل باراك معه إلى بيروت ورقةً أميركية تقترح ترتيبًا شاملاً لمرحلة ما بعد الحرب، جوهرها نزع سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة اللبنانية، مقابل حزمة حوافز تتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، ومساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، ومعالجة ملف الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل. وقد أعلن باراك أنه تلقى ردًا إيجابيًا من الحكومة اللبنانية على هذه الورقة الأمريكية، واصفًا الرد اللبناني المكتوب بأنه كان "مسؤولًا جدًا وبنّاءً". هذا الترحيب الأميركي بالرد اللبناني أوحى بوجود تفاهمات أولية بين بيروت وواشنطن، حتى لو لم تُعلن تفاصيلها. ويبدو أن مضمون الرد اللبناني تضمّن ملاحظات وتحفّظات على آلية نزع السلاح وجدولها الزمني، لكنه في النهاية أشار إلى استعداد مبدئي لمناقشة مسألة حصر السلاح بيد الدولة تحت شروط معينة.

في تصريحاته العلنية خلال زيارته الأخيرة، حرص توم باراك على رسم صورة مغرية لمستقبل لبنان "إذا ما اغتنمت قيادته الفرصة". فهو يتحدث عن "فرصة حقيقية لجعل لبنان لؤلؤة الشرق من جديد" عبر تحقيق السلام وترسيخ الاستقرار الاقتصادي، معتبرًا أن هناك مصلحة مشتركة للبنان وإسرائيل في ترتيب الأوضاع بينهما. وأكد باراك أن "إسرائيل تريد السلام مع لبنان ولا تريد الحرب أو السيطرة عليه"، في محاولة لطمأنة المخاوف اللبنانية من النوايا الإسرائيلية. لكنه في المقابل وجّه رسائل حازمة فيما يخص سلاح حزب الله، معتبرًا أن موضوع السلاح شأن لبناني داخلي يجب على اللبنانيين حله بأنفسهم. وقال بصريح العبارة: "على لبنان، وليس الولايات المتحدة، التعامل مع موضوع سلاح حزب الله"، مما يعني أن واشنطن تضع الكرة في ملعب اللبنانيين وتنتظر منهم خطوات ملموسة تجاه تفكيك قدرة الحزب العسكرية.

ومن أكثر التصريحات لفتًا للانتباه، ما قاله باراك عن مسار حزب الله الحالي، إذ صرّح بأن "الطريق الذي يتبعه الحزب لا يؤدي إلى النجاح أو السلام". هذا التوصيف ينطوي على تحذير مبطّن بأن استمرار حزب الله في الاحتفاظ بسلاحه خارج إطار الدولة سيحول دون أي تسوية سياسية مستدامة في لبنان. بمعنى آخر، يلمّح المبعوث الأميركي إلى أن لبنان لن ينعم بالاستقرار الكامل أو الدعم الدولي طالما ظل سلاح حزب الله حاضرًا بمعزل عن قرار الدولة. ولم يغفل باراك أيضًا الإشارة إلى الدور الإقليمي، حيث اعتبر أن مشكلة لبنان ليست ناجمة عن تدخلات إيران بقدر ما هي نتيجة عجز اللبنانيين عن الاتفاق فيما بينهم. فبرأيه، حل معضلة سلاح حزب الله يجب أن ينبع من حوار وطني لبناني يحقق توافقًا داخليًا، مؤكدًا أن "الفرصة متاحة الآن أمام اللبنانيين كي يجعلوا بلدهم لؤلؤة الشرق مرة أخرى" إذا ما أحسنوا استثمار الظرف الإقليمي الراهن.

غير أن قراءة المراقبين لمواقف باراك لم تكن بالإيجابية نفسها التي حاول إظهارها. فبعض المحللين رأوا في إشادة المبعوث الأميركي بالرد اللبناني مجرد "شكر دبلوماسي على التعاون" وليس بالضرورة رضى حقيقي عن مضمون الرد. ذلك أن واشنطن تدرك حساسية الوضع الداخلي اللبناني، وربما تعتبر أن ما قدّمته بيروت أقل من المطلوب أميركيًا. كما أن تصريحات باراك ووعوده، وإن حملت لهجة مرنة حيال لبنان، تبقى مرتبطة برؤية استراتيجية أميركية قد لا تتطابق مع حسابات الأمن والمصلحة اللبنانية. ففي المحصّلة، يطلق باراك جرس إنذار: على الدولة اللبنانية أن تحسم خيارها سريعًا بين أن توحّد قرارها السيادي وتحصر السلاح في يدها ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، أو أن تبقى في حالة الانقسام والازدواجية الحالية بما يعرّضها لمزيد من الضغوط والعزلة. هذه الرسالة الأخيرة بالذات دفعت كثيرين في لبنان إلى القلق من أن الوقت المتاح للمناورة يضيق، وأن الضمانات الأميركية المقدمة مشروطة بتنازلات جوهرية قد يكون ثمنها باهظًا على أمن لبنان الداخلي إذا لم تؤخذ الحيطة والحذر.

شبح صبرا وشاتيلا والمخاوف من تكرار المجزرة

في خضم النقاش الدائر حول المعادلة بين الأمن والسلاح والسيادة في لبنان اليوم، يبرز في الذاكرة الجماعية مثال أليم يحذّر من العواقب الوخيمة للتخلي عن أدوات الدفاع الشعبي تحت ضغط التطمينات الدولية. هذا المثال هو مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، التي تبقى جرحًا نازفًا في تاريخ لبنان وفلسطين، وتجسّد أسوأ سيناريو يمكن أن يواجهه المدنيون عند غياب الحماية الحقيقية. فقد ارتكب الجيش الإسرائيلي وحلفاؤه في ميليشيات جيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية (الكتائب) واحدة من أبشع المذابح بحق المدنيين العزّل في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين بين 16 و18 سبتمبر/أيلول 1982. خلال ثلاثة أيام دامية، قُتل ما لا يقل عن 1300 مدني وفق أدنى التقديرات، وترجح مصادر أخرى أن العدد تجاوز 3000 شهيد من الفلسطينيين واللبنانيين من رجال ونساء وأطفال ذبحوا بدم بارد. وقد وقعت هذه المجزرة تحت سمع وبصر القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل بيروت آنذاك، حيث سهّلت للميليشيات دخول المخيمات وحاصرت منافذ الهرب، بينما راحت الميليشيات تعيث قتلًا وتنكيلاً دون تمييز بين طفل وشيخ. ومما فاقم الفاجعة أن الفلسطينيين في بيروت كانوا قد جرّدوا من سلاحهم وغادر المقاتلون، بناءً على تعهدات دولية آنذاك بحماية المدنيين بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. لكن تلك التعهدات تبخّرت عمليًا، لتجد العائلات نفسها أعزل أمام مجزرة مروّعة هزّت ضمير العالم.

إن استدعاء ذكرى صبرا وشاتيلا في سياق الأزمة الراهنة ليس من باب النكء المجاني للجراح، بل بهدف استخلاص العبر والتحذير. فمقاربة بعض الأطراف الدولية الحالية، التي تضغط لتجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها مقابل وعود وضمانات أمنية، تشبه إلى حد ما الظروف التي سبقت مجزرة 1982. يومها، خرجت قوات منظمة التحرير من بيروت مطمئنة إلى ضمانات أميركية بحماية المخيمات، لكن النتيجة كانت كارثية. واليوم، يخشى قطاع واسع من اللبنانيين أن يؤدي الخضوع الرسمي للابتزاز الإسرائيلي-الأميركي إلى وضع الجنوب والبقاع (ومخيمات اللاجئين أيضًا) في مهب الريح بلا أي قدرة دفاعية ذاتية. فإسرائيل التي لم تتورع عن استهداف المدنيين خلال الحرب الأخيرة (2023-2024) وأوقعت أكثر من 4 آلاف قتيل و17 ألف جريح في لبنان، لا يمكن الركون إلى حسن نواياها بعدم تكرار الاعتداءات متى سنحت لها الفرصة. وما الخروقات المتواصلة منذ الهدنة – والتي تطال بيوت المدنيين ومزارعهم ليلاً ونهارًا – إلا دليل ساطع على أن الخطر ما زال قائمًا، وأن أي فراغ في قوة الردع سيملؤه العدو بالمزيد من الانتهاكات وربما المجازر.

على الصعيد الرسمي، فشلت المنظومة الدولية في محاسبة مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا أو تحقيق العدالة للضحايا حتى اليوم؛ إذ لم يُقدَّم أي من الجناة أو المخططين إلى محكمة دولية، واكتفت إسرائيل بلجنة تحقيق داخلية (لجنة كاهان) خلصت إلى مسؤولية مباشرة لزعيم مليشيا الكتائب إيلي حبيقة ومسؤولية غير مباشرة لوزير الدفاع آنذاك أرييل شارون. هذه الثقافة القائمة على الإفلات من العقاب تغذي مخاوف اللبنانيين والفلسطينيين من أن يتكرر السيناريو في حال تراخت الدولة في واجب الحماية. فحين يغيب الرادع المحلي المتمثل بقوة المقاومة الشعبية، ولا يكون هناك التزام دولي صارم بحماية المدنيين، تصبح الساحة مفتوحة أمام الاحتلال أو ميليشياته لارتكاب فظائع جديدة. ويشير خبراء إلى أن نية إسرائيل المعلنة باجتثاث حزب الله والقضاء على قدراته العسكرية قد تعني عمليًا أنها لن تتورع عن استخدام أقسى الأساليب، وربما استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة إذا ضمنت غياب رد الفعل. وفي هذا الإطار، ليس بعيدًا أن يتكرر نموذج المجازر الجماعية تحت ذرائع مختلفة، إذا أصبح المدنيون بلا درع يحميهم في ظل تصاعد التطرف في خطاب الحكومة الإسرائيلية الحالية.

 يقف لبنان اليوم أمام منعطف مصيري بين الحرب والسلم، وبين السيادة المنقوصة أو الأمن الواهم. الواقع السياسي بعد وقف إطلاق النار الأخير مع إسرائيل كشف عن اختلال خطير في معادلة الردع: فإسرائيل تستبيح الأرض والإنسان رغم الالتزامات الدولية، والحكومة اللبنانية تبدو مكبلة بضغوط الخارج وأولويات الداخل المتأزم اقتصاديًا. وفيما يسعى المبعوث الأميركي توم باراك إلى هندسة ترتيب جديد يرضي إسرائيل ويحقق مصالح بلاده، تبقى مصلحة الشعب اللبناني في الأمان والكرامة فوق كل اعتبار. التاريخ القريب والبعيد يقدّم دروسًا لا يجوز تجاهلها: من يساوم على أمن شعبه بذريعة ضمانات الخارج، يجلب الكوارث لوطنه. فهل تتعظ الحكومة اللبنانية من تحذيرات الماضي ومن مؤشرات الحاضر، فتبادر إلى تحصين موقفها وتقوية عناصر قوتها بدلاً من التفريط بها؟ أم أنها ستستمر في طأطأة الرأس إرضاءً لعيون باراك وغيره، حتى لو كان الثمن مزيدًا من دماء الأبرياء على أرض الجنوب وساحات لبنان؟ إن الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن شعب لبنان الذي قاوم وواجه أعتى الحروب لن يقبل بأن يكون وقود صفقات تُبرم في الغرف المغلقة. والتحذير الأخير يُطلقه كل حريص على هذا الوطن: إن دماء صبرا وشاتيلا لم تجفّ في الذاكرة بعد، وهي تتكرر اليوم على نفس القافية ولكن بوتيرة متفرقة ،فهل تأخذنا الحكومة اليها بالجملة؟

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen