عصابة أبو شباب: خطر داخلي يهدّد نسيج المجتمع الفلسطيني في ظل الحرب
06 تموز 2025

عصابة أبو شباب: خطر داخلي يهدّد نسيج المجتمع الفلسطيني في ظل الحرب

كَتَبَ مروان جلّول

في خضم حرب الإبادة الجماعية التي أرخت بظلالها على المشهد الغزي بعد 7من تشرين الأول 2023 برزت ظاهرة "عصابة أبوشباب" كوجه جديد لخطر غير تقليدي يهدد المجتمع الفلسطيني من الداخل، مدعومًا بغطاء مباشر من جيش الاحتلال الإسرائيلي.  إذ إن القضية لم تعد مجرد سلوك إجرامي عابر، بل تَحوّلت إلى أزمة أمنية ومجتمعية مركّبة تهدد النسيج الوطني في لحظة انهيار شامل. 
 
 وجد أبو شباب طريقه إلى الحرية على نحو غامض، بعد القصف الإسرائيلي للبنية التحتية الأمنية وهروب آلاف السجناء. 
ليعود ويظهر قائدَ عصابة مسلحة تدعي محاربة "الإرهاب" وحماية قوافل المساعدات. 
أولاً في السياق الأمني والاجتماعي – انهيار يفتح باب العمالة و كيف تحول "أبو شباب" من مسجون بقضية جنائية إلى زعيم عصابة و لاعب أمني يتصدر المشهد في جنوب غزة؟
تشكلت "عصابة أبو شباب" خلال الأشهر الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة (2023-2024)، بقيادة المدعو  "ياسر أبو شباب" الذي كان سجينًا لدى حماس بتهمة تعاطي المخدرات و الإتجار بها. 
وبحسب المعطيات، فإن “ياسر" برز كقائد للعصابة  وغسان الدهيني كنائب له، و لكن بقيت أسماء أخرى ضبابية حتى اللحظة. 
حيث ينتمي الأخير ومعظم أفراد مجموعته المقدر عددهم بنحو 300 شخص، إلى قبيلة "الترابين" البدوية، التي تضم عائلات "أبو شباب، معمر، العمور، أبو عادل الذين إرتبط  بعضهم بعلاقات مع ضباط في أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله، وهو ما نفاه المتحدث باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية اللواء أنور رجب، مؤكدًا أن الأجهزة "لا تتعامل مع مجموعات تتبع لأشخاص أو أسماء فردية." 
   وجدت إسرائيل في "ياسر" وأمثاله من أصحاب السوابق الجنائية والتوجهات المتطرفة فرصة ذهبية، فقامت بإعادة تأهيلهم وتسليحهم ضمن مشروع أمني لتكوين "قوة محلية موالية" في غزة. 

فإسرائيل، التي فوجئت بشراسة المقاومة على الأرض، بحثت عن وسائل "غير تقليدية" لتخفيف الضغط عن جنودها عبر تفعيل قوى محلية مناوئة لحماس كي تملأ الفراغ في المناطق التي تراجعت عنها قبضة المقاومة  مؤقتًا بسبب القتال. 
و في سياق متصل اعترفت مصادر في وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها بدأت تسليح إحدى العشائر في غزة بهدف "تقليل خسائر الجيش الإسرائيلي و هذا ما ذكره موقع تايمز أوف إسرائيل نقلًا عن مصادر دفاعية أن الأخيرة سلّمت جماعة "أبو شباب" بنادق كلاشنكوف (بما فيها أسلحة كانت قد استولت عليها من حماس) بموافقة من مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي. 
هذا ما أكده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بقوله: "بتوصية من الأجهزة الأمنية قمنا بتفعيل عشائر في غزة تعارض حماس مردفاً إلى أن 
   هذا الإجراء ينقذ حياة جنودنا.."  خطوة رأها منتقدوه مقامرة خطيرة بمصير القطاع وإشعالًا لنار حرب أهلية داخلية 
هذه الوقائع وغيرها دفعت قياديين إسرائيليين معارضين للتنديد علنًا بتلك السياسة؛ فوزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان انتقد الحكومة قائلا إنها "تسلّح مجموعة من المجرمين والفارّين من العدالة المحسوبين على داعش بتوجيه من رئيس الوزراء"، ووصف النائب يائير لابيد الخطوة بأنها "قنبلة موقوتة جديدة في غزة سيوجّه سلاحها في النهاية إلى صدور جنودنا ومدنيينا."

على الرغم من أن "أبو شباب" نفسه ينفي أي تنسيق مباشر مع الجيش الإسرائيلي -إذ قال في إحدى مقابلاته: "نحن لا نعمل مباشرة مع الجيش الإسرائيلي"- فإن طيفًا واسعًا من الأدلة والمؤشرات يؤكد وجود علاقة غير مباشرة وثيقة بين الجانبين 
 
فلأمر لم يقتصر على تزويد العصابة بالسلاح، بل برزت مؤشرات ميدانية تدل على وجود تنسيق عملياتي غير معلن.
 فقد وثّق نشطاء فلسطينيون مقاطع فيديو تُظهر عناصر من عصابة  "أبو شباب" وهم ينشطون إلى جانب جنود إسرائيليين داخل مناطق تقع تحت سيطرة الجيش جنوب قطاع غزة كجزء من المنظومة الأمنية الجديدة التي تشكلت بفعل الحرب.
بدوره علق مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، "جوناثان ويتال" أن هذه الصورة بقوله الصريح: "إن السرقة الحقيقية للمساعدات منذ بداية الحرب نفذتها عصابات إجرامية تحت أنظار القوات الإسرائيلية، حيث سُمح لها بالعمل بمقربة من معبر كرم أبو سالم و عندما سئل عما إذا كان يعني "عصابة أبو شباب" تحديدًا، أجاب بالإيجاب.
ثانيا: تحول العصابة حماية قوافل المساعدات إلى نهبها و إطلاق النار على المدنيين و قتلهم! 
فالمجموعة التي أطلقت على نفسها "خدمة مكافحة الإرهاب" و إتخذت من شرقي رفح جنوبي القطاع مكاناً لنشاطها سرعان ما إرتبط إسمها بأحداث أمنية عدة و كان أبرزها ما حصل في  نوفمبر 2024، الهجمات التي تعرضت لها قافلة تابعة للأمم المتحدة مكونة من 109 شاحنات قرب معبر كرم أبو سالم، وسرقت 98 منها، إلا أنها تكتف بنهب المساعدات، بل شاركت، وفق ما أشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في إطلاق النار على مدنيين حاولوا الاقتراب من مراكز توزيع الإغاثة غرب رفح.
حيث قُتل 14 مدنيًا على الأقل في إحدى الحوادث، وكان المسلحون يرتدون زيًا موحّدًا يحمل شعار "جهاز مكافحة الإرهاب" بينما وقف الجنود الإسرائيليين دون تدخل الذين حملتهم تقارير أممية لاحقة مسؤولية “السماح العلني” للعصابة بالعمل. 
ثالثا: كيف تعاملت المقاومة و أجهزة الأمن مع العصابة؟  
في مارس/آذار 2024 أنشأت حماس فرقة باسم "وحدة السهم" ضمن وزارة الداخلية، مهمتها حماية قوافل المساعدات بالتنسيق مع اللجان العشائرية. لكن تلك الوحدة نفسها تعرضت لهجمات إسرائيلية بعد أن إشتبكت مع أبو شباب و حاصرته بعد إستدرجه لكمين بهدف القبض عليه و التحقيق معه.  
ورغم ذلك، تمكنت الأجهزة الأمنية من توجيه ضربات للعصابة؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية في غزة مقتل 20 من عناصر العصابات المتورطة في نهب القوافل قرب معبر كرم أبو سالم أثناء عملية أمنية مشتركة مع وجهاء القبائل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.  
بدورها أكدت مصادر في المقاومة أنها قتلت أكثر من 50 عنصرا من مليشيا "أبو شباب" خلال الأشهر الأخيرة، بينهم شقيق ياسر نفسه وعشرات ممن وُصفوا بـ"لصوص المساعدات. "
رابعا: دور المجتمع الغزي و الإعلام المحلي و العربي في تطويق، و نبذ الظاهرة! 
قوبلت ظاهرة عصابة أبو شباب برفض واسع في الشارع الغزّي فعائلة ياسر أبو شباب نفسها أصدرت بيانًا تتبرأ منه وتعلن "أن دمه مهدور." 
بالمقابل، تحركت المبادرات الأهلية والعشائرية لحماية الأحياء، ومنع تسلل العصابة، وتوفير إغاثة بديلة للمحتاجين. 
فحالة الوعي المجتمعي حالت دون الانجرار إلى فتنة أهلية، رغم محاولات الاحتلال إشعالها حيث نجح الإعلام المحلي والعربي، الذي أولى هذه الظاهرة تغطية واسعة وتحليلات معمّقة كشفت أبعادها الخطيرة. و قد تناولت وسائل الإعلام الفلسطينية (محلية مثل شهاب وقدس الإخبارية) والعربية (الجزيرة، العربي الجديد، القدس العربي وغيرها) قضية عصابة أبو شباب بوصفها نموذجًا لمحاولة الاحتلال “صناعة الفوضى” في غزة.

وقد  ركزت التقارير على الدور الخبيث الذي تلعبه هذه العصابة في إضعاف النسيج الاجتماعي وضرب وحدة الصف الفلسطيني. وكشفت التحقيقات الصحفية عن السجل الجنائي لقياداتها وتحالفها مع إسرائيل، حتى لقبها بعض الكتاب بـ*"جيش لحد الجديد"* إشارةً إلى مليشيا عملاء إسرائيل في جنوب لبنان سابقًا 
خامسا: الظاهر تعكس أزمة أعمق في البنية المجتمعية والاقتصادية! 
ظاهرة أبو شباب ما كان لها أن تظهر وتجد موطئ قدم لولا وجود هشاشة داخلية نتجت عن سنوات طويلة من الحصار وإغلاق المعابر و ما نتج عنها من الفقر والبطالة والحرما ن والتي ازدادت سوءًا تحت القصف والتجويع الممنهج خلال الحرب. 
 لقد أدت الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى انهيار كثير من القيم وتراجع سلطة القانون في بعض الأوساط، ما خلق تربة خصبة لنمو الجريمة المنظمة ساهمت في  وجود عناصر متشددة فكريًا أو منحرفة أخلاقيًا.  
على الصعيد الاجتماعي  كشفت الظاهرة  مدى عمق الجرح المجتمعي الذي تسببت به الحرب فالمجتمع الغزي الذي عانى من فقدان عشرات الآلاف من أبنائه وجد نفسه أيضًا أمام أزمة اخلاقية نتجت عن سياسة التجويع والتركيع التي اتبعها الاحتلال ما ينذر بخطر تمزق داخلي وانهيار الثقة بين الناس. فكثير من العائلات باتت تشكك بولاءات الآخرين، ليعود شبح الاقتتال الداخلي والثأر يلوح في الأفق الذي سيزعزع القيم المجتمعية التي طالما صانت تماسكهم. 
أمنيًا:  يرى محللون بأن وجود عصابة بهذا الحجم ما كان ممكنًا لو كانت أجهزة الشرطة والقضاء قادرة على أداء مهامها بشكل طبيعي 
 فالحرب دمّرت البنية التحتية الأمنية وشتّتت القوى الشرطية، فاستفحلت الجريمة المنظمة. وبالتالي تبرز الحاجة الماسّة بعد الحرب إلى إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية ما يقطع الطريق أمام المجرمين بالتحول إلى أمراء حرب. 
سياسيًا: الانقسام الفلسطيني بين الضفة و غزة مكن الاحتلال من اللعب على وتر العشائر واستثمار بعض التناقضات الداخلية (أو تظاهر بوجودها) لتسويق عصابة موالية له ولو كان الوضع الفلسطيني موحدًا بالكامل خلف قيادة واحدة ورؤية مشتركة، لربما تعذّر على الاحتلال إيجاد موطئ قدم له عبر عملائه بهذا الشكل. 
فعصابة أبو شباب محاولة مكشوفة من الاحتلال لتمزيق المجتمع الفلسطيني من الداخل. لكنها فشلت في كسب أي شرعية شعبية. رغم كل الدمار، أثبت المجتمع الغزّي مناعته الذاتية أمام مشروع التفكيك. 
هذه الأزمة، رغم سوداويتها، سلطت الضوء على ضرورة معالجة النقاط الاساسية:  
●رفع الحصار 
●إعادة الإعمار 
●إصلاح المنظومة الأمنية 
●المصالحة الوطنية 
فغزة المفككة هي هدف، أما غزة الموحدة فهي ردّ.
 ويبقى مصير العصابة محصورًا بين نبذ المجتمع وملاحقة المقاومة، دون مستقبل أو غطاء.

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen