إيران انتصرت.. كيف؟
كَتَبَ المُحرّرمع إعلان وقف إطلاق النار بين الثنائي الإرهابي "إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة ثانية، بقيت مطالب واشنطن أثناء المفاوضات مع طهران قبل الحرب وخلالها قائمة ومحل تساؤل لدى الإعلام والمراقبين، وعالقة في وعي الجمهور "الإسرائيلي" القَلِق على مستقبله. فهل نجح العدوان في إحباط المشروع النووي الإيراني؟ وهل تمّ القضاء على التهديد الصاروخي؟ وهل فُرض الاستسلام على ايران بالقوة؟، وماذا عن فرصة إسقاط النظام، التي ظلت "إسرائيل" تراهن عليها حتى سقوط آخر صاروخ إيراني على مُدنها؟.
وفقًا للتقديرات والتحليلات الصادرة عن عدد من المراكز البحثية والمحللين في الغرب، فإن النظام الإيراني خرج من هذه المنازلة التي استمرت 12 يومًا أكثر منعةً واقتدارًا. والحديث هنا بدأ يدور فعلًا في أروقة الغرب عن أن طهران حققت نجاحًا تكتيكيًا له أثر إستراتيجي مستقبلي حقيقي عليها. بل ذهب البعض في التحليل الى أن إيران حققت النصر.
والحروب عادة لا تقاس نتائجها بعدد الخسائر البشرية والمادية، بل ببُعد وقُرب المتحاربين من تحقيق الأهداف التي وضعوها قبل بدء الحرب وخلالها. فالثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي، عجز عن تحقيق أي هدف له، لا بل أكثر من ذلك، إذ أن "تل أبيب" وواشنطن هما من بدءا العدوان، وإيران هي من أنهته، وما ردّها الصاروخي الأخير على الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ إلا رسالة واضحة، مفادها أن إيران لم تسقط، ولا تشعر بأنها خسرت.
والأهم من هذا، أن أولى المؤشّرات المتاحة إلى الآن، تفيد بأن النتيجة الفعلية للحرب حسمها صمود إيران ووقوف شعبها خلف قيادتها الحازمة وعدم رفعها الراية البيضاء، وذلك ضمن تموضع دفاعي هدف إلى إفشال الحرب، واحباط الهدف الأهم الذي كانت تأمل "إسرائيل" تحقيقه في هزم إيران في وعيها الذاتي، قبل هزمها ماديًا، وهذا ما لم يتحقق، ما جعل فكرة اسقاط النظام من الخيال.
والأكثر من ذلك، أن إيران رفضت السكوت عن ضرب مفاعلاتها النووية، وردّت باستهداف قاعدة العديد في قطر، أكبر قواعد الجيش الأميركي في الشرق الأوسط، حيث اعتبر الحرس الثوري "أن رسالة هذا الرد الحاسم إلى البيت الأبيض وحلفائه واضحة وصريحة.. إيران لن تترك أي اعتداء على سيادتها، ووحدة أراضيها، وأمنها القومي دون رد".
وهذا ما يدل على أن التصعيد الأميركي لثني إيران على طلب وقفها الحرب، قابله تصعيد مضاد من قبل القيادة الإيرانية ليس بضربها قاعدة العديد الجوية فقط، بل بالتهديد بقصف كافة القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. وهذا بدوره ما أدى الى اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفه للحرب فورًا، بعيدّا عن ادعائه من أن "قاذفات B2 التي قصف المفاعلات النووية هي من أوقفت الحرب"، ليتبين لاحقًا أنه هو من اتصل بالمسؤولين القطريين مستجديًا وقفًا لإطلاق النار. وهذا ما أسقط نظرية فُرض الاستسلام على إيران بالقوة.
في المقابل، التهديد الصاروخي الإيراني بقي على حاله، في ما من المتوقّع أن يُعاد ترميم أسسه بسرعة، مع تعزيز الترسانة عبر تسريع وتيرة التصنيع، ما يعني أنها مرشّحة لتطوّر نوعي يجعل منها تحديًا حقيقيًا لـ"إسرائيل" والولايات المتحدة في الاستحقاقات المقبلة.
أما بالنسبة لبرنامج إيران النووي، فرغم ادعاء ترامب أنه قضى عليه، لكنه يعود ليناقض نفسه ويطلب التفاوض مع ايران حوله، وحرمها من حق تخصيب اليورانيوم. كما أن هناك تقديرات دبلوماسية غربية تفيد بأن إيران تحتفظ بما يكفي من أجهزة الطرد المركزي لتتمكن من رفع نسبة التخصيب إلى مستويات تُستخدم في إنتاج السلاح النووي خلال فترة قصيرة، خصوصًا في حال تلقّيها دعمًا تقنيًا من حلفاء مثل روسيا أو كوريا الشمالية.
وفي تقرير مسرب لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية، كشفت صحيفة "ذا سبيكتتور" البريطانية إلى أن البرنامج النووي الإيراني ربما تأخر بضعة أشهر فقط، إذ لا تزال مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب والبالغة نحو 400 كيلوغرام، قائمة، وهذا يعني أن من المرجح أن تستأنف إيران جهودها الرامية إلى إعادة بناء قدراتها.
وعلى المقلب الآخر، وفي داخل الكيان الصهيوني، ومن دون حاجة إلى إعلانات رسمية أو استطلاعات رأي، يُتوقّع ظهورها قريبًا في "تل أبيب"، يعيش الجمهور "الإسرائيلي" حالة قلق عميقة، بعدما كشفت الحرب زيف رواية القدرة الدفاعية لكيانه في التصدي للصواريخ البالستية والمسيرات الإيرانية التي استهدفت المنشآت والمراكز الاستراتيجية والعسكرية والأمنية والاقتصادية فيه، بحيث شهدت المدن دمارًا لم تشهده منذ تأسيس "إسرائيل".
بالمجمل، لم تستطع "إسرائيل" تحقيق أهدافها كما رسمتها، على الرغم من الضربات الدقيقة والعنيفة على مواقع إيرانية متعددة. والواقع أصبح على النحو الآتي: المنشآت النووية تضرّرت، لكنّها لم تُدمَّر؛ البرنامج لم يُنهَ، إنما تأجّل لفترة قصيرة؛ والتباين واضح بين الرواية السياسية في "إسرائيل" وأميركا، وما كشفته دوائر الاستخبارات لديهما. أما الحقيقة، فستظهر مع مرور الوقت، وليس من خلال البيانات الأولية، وهذا ما يُعزّز استنتاجًا أساسيًا: واشنطن و"تل أبيب" فشلتا في تحقيق نصر حاسم في حربهما على إيران.