الأخبار _ «يانصيب المالية»: قدّموا فواتيركم وادخلوا السحب
زينب بزيسط مشروع موازنة 2027 الذي لا تظهر فيه أي ملامح لإصلاح ضريبي، وجدت السلطة مساحة للابتكار تتضمن إدراج «يانصيب الفواتير» في المادة 61 منه عبر إضافة مادة جديدة إلى قانون الإجراءات الضريبية تسمح لمديرية المالية العامة، عبر مديرية اليانصيب الوطني، بإطلاق برنامج تدخل فيه الفواتير والمستندات المرسلة إلكترونياً إلى وزارة المال في سحوبات مجانية على جوائز نقدية أو عينية. وتبرّر الأسباب الموجبة، هذه الخطوة، بأنها تأتي في سبيل «تشجيع المواطنين» على مساعدة الجهات المعنية في ضبط عمليات التهرب الضريبي، بما يحسّن واردات الخزينة والالتزام الضريبي. فهل سيكون هذا التحفيز كافياً للتدقيق بالفواتير المرسلة إلى الوزارة؟
أصل الفكرة ليس اختراعاً لبنانياً، بل إن عدّة دول تستخدم حوافز من هذا النوع لدفع المستهلك إلى طلب الفاتورة وإظهار عمليات البيع أمام الإدارة الضريبية. لكن وضعها في السياق اللبناني يجعلها أقرب إلى مفارقة «مضحكة». ففي وقت يصرخ فيه المواطنون من الغلاء والتضخّم وتآكل المداخيل وارتفاع كلفة الحاجات الأساسية، تأتي السلطة لتطلب منهم مهمة إضافية تقع على عاتقها في الأساس وتعتبر من أبرز واجباتها، أو بالمعنى الأدّق «لتشغّلهم عندها». فهي تطلب من المواطنين الاستحصال على الفاتورة، وإرسال نسخة عنها إلى وزارة المال لكي يساعدوها في ملاحقة المتهربين. يتطلب الأمر تدقيقاً في هذه الفواتير، فإذا كان الحظ حليف المدققين سيكتشفون عمليات تهرّب.
من سيدقق في هذه الفواتير إذا تدفقت بالآلاف ويطابقها مع تصاريح المكلفين؟
المضحك المؤسف في الأمر هنا هو وكأن المواطن لديه فائض الثقة أصلاً بالدولة وإداراتها، وفائض الوقت أيضاً كي يجمع فواتير مشترياته ويرسلها إلى وزارة المال. ولكن التساؤل الذي يخطر على بال أي شخص مطلع على الشأن اللبناني في هذا السياق، يتعلق بمن سيدقق بهذه الفواتير إذا تدفقت بالآلاف ويطابقها مع تصاريح المكلفين؟ ومن سيلتقط فاتورة تكشف مبيعات غير مصرّح عنها ويحوّلها إلى تدقيق ومطالبة ضريبية فعلية؟
هنا تصبح المسألة أكبر من يانصيب وربح وتدقيق. فبدلاً من أن ينطلق مشروع الموازنة من إصلاح ضريبي يعالج الاختلالات في توزيع العبء، ويعزّز قدرة الإدارة نفسها على التدقيق والملاحقة، وبدلاً من إعادة النظر جدياً في مواد مرّ عليها الزمن والبحث عن مصادر جباية موجودة قادرة على تحقيق ملايين الدولارات والعمل على تحصيلها بالفعل، تنشغل السلطة في ابتكار حافز كي يقوم المواطن بجزء من المهمة. لا بأس بالبحث عن وسائل جديدة لتحسين الامتثال، لكن يصعب التعامل مع «يانصيب الفواتير» كحلّ في بلد مثل لبنان. فالمواطن منشغل بالبحث أساساً عن أمور أهم، أبرزها البحث عن أسعار منطقية لحاجاته الأساسية والبحث عن مصدر دخل آخر يغطي فاتورة الكهرباء والمولد والمياه. وربما الأجدى له أن يبحث عن ورقة اليانصيب الأساسية الرابحة نفسها، علّها تخلّصه من كل هذه الفواتير دفعة واحدة ومن همّ السلطة ومن فيها.