الأخبار _ حين تصبح الجامعة اللبنانية الهدف الأسهل
جاد طعمهناقش المقال الطعن أمام المجلس الدستوري في قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، ويتساءل عن أولويات الرقابة الدستورية، ومعايير التعامل مع الجامعة اللبنانية مُقارنة بالجامعات الخاصة وحقوق الطلاب.
لا يجادل أحد في أن حق الطعن أمام المجلس الدستوري هو أحد أهم الضمانات الدستورية في النظام اللبناني، ولا يجوز لأحد أن يلوم نائباً لأنه مارس حقاً كفله له الدستور.
لكن الحق في الطعن شيء واختيار موضوع الطعن شيء آخر. هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
فالطعن في القانون المُعدّل لتنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية لا يمكن فصله عن السياق الذي تعيشه هذه المؤسسة الوطنية، ولا عن المسار الطويل من استهدافها ومحاصرتها وتركها تواجه أزماتها وحدها، فيما تُعامل جامعات خاصة نافذة بمعايير مختلفة تماماً. ليست المشكلة في حق النواب في الطعن. فذلك حق لا ينازعهم فيه أحد. المشكلة في معيار اختيار المعارك الدستورية، وفي الأولويات التي تكشفها هذه الاختيارات.
الجامعة اللبنانية ليست خصماً سياسياً
منذ سنوات، تبدو الجامعة اللبنانية، في نظر البعض، الهدف الأسهل. كل تعديل يطاولها يصبح معركة. كل قرار إداري يتحوّل إلى قضية وطنية. كل أزمة فيها تُستثمر سياسياً. في المقابل، نادراً ما نجد الحماسة نفسها عندما يتعلق الأمر بالجامعات الخاصة، رغم ما شهدته من ملفات تمسّ آلاف الطلاب وحقوقهم التعليمية والمالية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل أصبح من السهل التصويب على مؤسسة عامة لأنها لا تملك لوبيات مالية وسياسية تدافع عنها؟
أين كان هذا الحماس عندما كان طلاب الجامعة الأميركية يقاتلون وحدهم؟
للتذكير في ربيع عام 2021 رفع نحو 170 طالباً دعاوى قضائية ضد الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية اعتراضاً على دولرة الأقساط وعلى تمسّك تلك الجامعات بما تفرضه الأنظمة الداخلية التي تعلو من وجهة نظر الإدارات على القوانين اللبنانية.
لم تكن تلك دعاوى شعبوية، بل كانت معركة قانونية دفاعاً عن حق التعليم.
تعرّض المحامون الذين تولّوا الدفاع عن هؤلاء الطلاب لحملات تشكيك واسعة، وحاول كثيرون اختزال معركتهم القانونية بخلفيات أيديولوجية وسياسية، بدلاً من مناقشة الأسئلة القانونية التي أثاروها.
واليوم... لم يبقَ من هؤلاء سوى اثني عشر طالباً.
اثنا عشر شاباً وشابة دفعوا ثمن تمسّكهم بحقوقهم.
حُرموا من شهاداتهم حتى الساعة.
وحُرموا من حضور حفلات تخرّجهم.
وحُرموا من كشف علاماتهم.
بل حتى من إفادات النجاح.
لم نشهد مبادرة نيابية موازية بالحجم والزخم اللذين رافقا هذا الطعن.
في الوقت نفسه، حُرموا من الاستفادة من المساعدات المالية أسوة برفاقهم، وهم مُطالبون اليوم لنيل شهاداتهم وإفادات علاماتهم بتسديد الأقساط المتراكمة بالدولار الأميركي النقدي وتراوح المبالغ المطلوبة منهم بين 70 ألف وحتى 100 ألف دولار أميركي.
كل ذلك لأنهم اختاروا سلوك طريق القضاء، وهو الطريق الذي يفترض أن تحميه دولة القانون لا أن يصبح سبباً للعقاب.
الطلاب عوقبوا فقط لأنهم لجأوا إلى القضاء ضد دولرة الأقساط.
هذا التفاوت في الأولويات يطرح تساؤلاً مشروعاً حول معيار اختيار الملفات التي تستدعي هذا القدر من التعبئة القانونية.
إلى النواب الأربعة عشر... هذه أيضاً قضية أخلاقية
إذا كان ثمة حرص حقيقي على سيادة القانون فليبدأ من هنا. اثنا عشر طالباً ما زالوا حتى اليوم ينتظرون من يمثّلهم سياسياً ليتبنى قضيتهم. فقد عجزت المحاكم عن إنصافهم... اثنا عشر طالباً لم يعد ينفعهم انتظار القضاء بعد سنوات من التقاضي. إذا كانت كتلة من أربعة عشر نائباً استطاعت أن تتوحّد لتقديم طعن أمام المجلس الدستوري، فهل تعجز عن الاجتماع للدفاع عن هؤلاء الطلاب؟ وهل سيبادر أحد منهم إلى مُساءلة إدارة الجامعة الأميركية كما بادر إلى مُساءلة الدولة اللبنانية؟
يستوقف المرء، في هذا السياق، أن عدداً من النواب الموقّعين على الطعن يمارسون اليوم ولايتهم النيابية بموجب قانون استثنائي مدّد ولاية المجلس النيابي بفعل الظروف القاهرة التي مرّت بها البلاد.
لسنا هنا في معرض مناقشة دستورية ذلك التمديد أو مبرّراته، وإنما للتذكير بمبدأ دستوري بديهي، وهو أن التشريع الانتقالي أو الاستثنائي لا يفقد صفته التشريعية لمجرد أن أشخاصاً محدّدين يستفيدون منه عند صدوره. فالعبرة، في كل الأحوال، تبقى في عمومية القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق على كل من تنطبق عليه شروطها، لا في هوية أول المستفيدين منها.
معيار واحد... لا معياران
لا أحد يطالب بحماية الجامعة اللبنانية من النقد. ولا أحد يطالب بتحصين قوانينها من الرقابة الدستورية.
فالجامعة اللبنانية ليست فوق الدستور. لكنها أيضاً ليست وحدها تحت المجهر. فالمؤسسات الخاصة ليست فوق القانون. ومن غير المقبول أن تتحوّل الدولة وحدها إلى ساحة دائمة للمحاسبة، فيما تُعامل المؤسسات الخاصة بحذر يصل أحياناً إلى حدود الصمت.
إلى نواب التغيير... هنا يكمن السؤال
اللافت أن ثمانية من الموقّعين على الطعن ينتمون إلى نواب التغيير.
هؤلاء تحديداً حملوا معهم إلى البرلمان آمال شريحة واسعة من اللبنانيين الذين أرادوا سياسة مختلفة وأولويات مختلفة. لذلك فإن السؤال الموجّه إليهم ليس سؤالاً سياسياً، بل سؤال عن الاتساق.
كيف يتحوّل ملف الجامعة اللبنانية إلى أولوية دستورية عاجلة، فيما تبقى ملفات آلاف الطلاب في الجامعات الخاصة خارج دائرة الاهتمام نفسه؟
وكيف يصبح التدخل في تنظيم مؤسسة عامة أمراً مُلحاً، بينما لا نجد المبادرة ذاتها في مواجهة إدارات جامعات خاصة فرضت على طلابها وقائع لا تزال موضع نزاع منذ سنوات؟
لعلّ المقارنة بين كلفة الدراسة في الجامعة اللبنانية وما يتحمّله طلاب الجامعات الخاصة تكفي وحدها لتفسير لماذا تستحق الجامعة الوطنية مقاربة مختلفة، أكثر حرصاً على دورها الاجتماعي، وأقل اندفاعاً نحو تحويل كل تعديل تنظيمي فيها إلى معركة دستورية.
حول عناوين الطعن المُعلنة
لا بد من التذكير بأن القانون المطعون فيه لم ينشئ منصباً جديداً، ولم يعيّن شخصاً بذاته، ولم يعطّل آلية التنافس على رئاسة الجامعة، بل عدّل قاعدة تنظيمية عامة تحكم ولاية رئيس الجامعة وشروطها.
قد يختلف الرأي حول حسن هذا الخيار التشريعي أو مُلاءمته، لكن الاختلاف في المُلاءمة لا يساوي بالضرورة مخالفة الدستور، وإلا تحوّلت رقابة المجلس الدستوري إلى رقابة على الخيارات السياسية للمجلس النيابي لا على دستوريتها.
يكفي التوقف عند البناء القانوني للطعن لإدراك مكمن الخلل فيه.
فالمراجعة الدستورية ليست تمريناً في الخطابة، ولا مساحة لإسقاط الانطباعات السياسية على النصوص القانونية.
من يقرأ ما تمّ تداوله عن أسباب الطعن يلمس سريعاً انتقالاً من الاستدلال القانوني إلى الافتراض، ومن البرهان إلى المصادرة على المطلوب، ومن مناقشة النص إلى تأويل النيات.
هذه ليست منهجية تُبنى عليها مراجعة أمام المجلس الدستوري، لأن الرقابة الدستورية لا تقوم على الظنون ولا على استنتاج المقاصد، بل على مخالفة دستورية واضحة ومباشرة يمكن استخلاصها من النص ذاته.
أمّا حين تصبح الفرضيات بديلاً عن الحجة، والتوصيف بديلاً عن الدليل، فإن المرافعة تفقد صرامتها القانونية، مهما زُخرفت بالاجتهادات والمراجع الفقهية.
حتى لو سلّمنا جدلاً بأن القانون يستفيد منه الرئيس الحالي، فإن ذلك لا يؤدي حكماً إلى عدم دستوريته.
فالعبرة ليست في عدد المستفيدين عند صدور القانون، بل في طبيعة القاعدة القانونية، وهل هي قابلة للتطبيق كلما تكررت شروطها مستقبلاً. وإلا لكان عدد كبير من القوانين الانتقالية أو التنظيمية عرضة للإبطال لمجرد أنها عالجت وضعاً قائماً عند إقرارها.
أمّا تقدير ما إذا كانت القاعدة قد انحدرت إلى مستوى التدبير الفردي، فهو مسألة تخضع لتقييم المجلس الدستوري في ضوء مضمون النص وآثاره، لا بمجرد وجود مستفيد مباشر منه.
ولا يكفي، والحال هذه، أن يستفيد شخص قائم في مركز قانوني معيّن من تعديل تشريعي، للقول إن القانون فقد طبيعته العامة أو تحوّل إلى تدبير فردي.
فالعبرة تبقى في بنية النص، وفي قابليته للتطبيق على كل من تتوافر فيه شروطه، لا في هوية أول من ينتفع به.
الجامعة اللبنانية ليست مكسر عصا
الحياة السياسية تحتاج إلى معارضة جريئة ورقابة دستورية حقيقية.
ولا يجب أن تتحول المواقف المبدئية إلى خصومة سياسية مع أي نائب، ولن تكون الجامعة اللبنانية ساحة سهلة لتسجيل المواقف.
فالانتماء إلى فكرة التغيير لا يفرض الصمت عندما أشعر بأن مؤسسة وطنية تتعرض لاستهداف غير متوازن.
إذا كان في لبنان مؤسسات تحتاج إلى إصلاح، فالجامعة اللبنانية ليست الاستثناء.
لكن الإصلاح لا يبدأ بإضعاف المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تفتح أبوابها لأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
ولا يبدأ بجعلها ساحة دائمة للصراع السياسي.
ولا يكون بتركيز كل أدوات الرقابة عليها وحدها.
فالجامعة اللبنانية ليست ملك حكومة، ولا رئيس جامعة، ولا وزير، ولا أكثرية نيابية.
إنها جامعة الوطن.
ومن حق اللبنانيين أن ينتقدوها.
لكن من واجبهم أيضاً أن يحموا وجودها.
كلمة أخيرة
قد يختلف اللبنانيون حول دستورية هذا القانون، وسيقول المجلس الدستوري كلمته، ونحن جميعاً نحترم قراره أياً يكن.
لكن يبقى سؤال لن يجيب عنه أي قرار قضائي: لماذا تبدو الجامعة اللبنانية دائماً الهدف الأسهل، بينما تقف مؤسسات خاصة نافذة خارج دائرة الضغط السياسي والقانوني نفسه؟
العدالة لا تُقاس بجرأة مواجهة الدولة ومؤسساتها فقط.
بل تُقاس أيضاً بالشجاعة في مواجهة أصحاب النفوذ أياً كانوا.
إن الدفاع عن الجامعة اللبنانية ليس دفاعاً عن أشخاص ولا عن مواقع، بل عن فكرة الدولة نفسها.
فالجامعات الخاصة ليست فوق القانون، والجامعة اللبنانية ليست دونه.
ولا يُبنى الإصلاح بانتقائية المعايير، ولا تُصان دولة القانون بازدواجية الأولويات.
هذا هو كل ما نطالب به.