الأخبار _ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل 3/3: هل يملك لبنان الإطار للانتقال إلى مرحلة جديدة؟
06 تموز 2026

الأخبار _ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل 3/3: هل يملك لبنان الإطار للانتقال إلى مرحلة جديدة؟

جاد طعمه

صلاحية التفاوض التي تمارسها السلطة التنفيذية لا تعني، بذاتها، صلاحية تعديل البنية التشريعية النافذة. فالدستور اللبناني يميّز بين سلطة التفاوض وسلطة إحداث الأثر القانوني الداخلي

 

«هذه المقالة تعبّر عن رأي قانوني أكاديمي، ولا تتناول تقييم الخيارات السياسية، بل تحلّل الإشكاليات الدستورية والقانونية التي يثيرها اتفاق الإطار».

غالباً ما تتحوّل كلمة «السيادة» في الخطاب العام إلى شعار سياسي يرفعه الجميع، بينما يختلفون جذرياً في تحديد مضمونه القانوني. والحقيقة أن السيادة، في الفكر الدستوري الحديث، ليست مجرد إعلان للاستقلال أو رفض للتدخل الخارجي، وإنما هي قبل كل شيء قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها بحرّية، من خلال مؤسساتها الدستورية، ووفقاً للإجراءات التي رسمها الدستور.
من هنا، فإن أي اتفاق يتصل بالأمن الوطني أو بالعلاقات مع دولة تعتبرها القوانين اللبنانية دولة عدوّة، لا يمكن تقييمه فقط من زاوية نتائجه السياسية، وإنما يجب النظر إليه باعتباره اختباراً لمدى قدرة النظام الدستوري على إدارة التحوّلات الكبرى من داخل مؤسساته، لا من خارجها.

لهذا، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق يحقّق مصلحة هذا الفريق أو ذاك، بل بما إذا كان قد احترم القواعد الدستورية التي تحكم ممارسة السيادة ذاتها.

السيادة مسؤولية قانونية قبل أن تكون حقاً سياسياً

يربط القانون الدولي بين سيادة الدولة واستقلال إرادتها، لكنه، في الوقت نفسه، لا يمنع الدول من إبرام اتفاقات تحدّ من بعض مظاهر هذه السيادة إذا ارتضت ذلك بحرية، وبما لا يتعارض مع قواعدها الدستورية الداخلية.
غير أن التجربة الدستورية المقارنة تؤكد أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الدخول في اتفاقات دولية، بل الدخول فيها من دون أن تكون مؤسساتها الدستورية قد استوعبت آثارها القانونية.

فالسيادة لا تُقاس بعدد الاتفاقات التي تبرمها الدولة أو تمتنع عنها، وإنما بقدرتها على اتخاذ قرارها بحرّية، وبأن تكون كل سلطة قد مارست اختصاصها ضمن الحدود التي رسمها الدستور. لذلك، فإن احترام توزيع الاختصاصات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وخضوع القرارات الكبرى للرقابة الدستورية والقضائية، ليسا قيوداً على السيادة، بل من أهم ضماناتها.
من هذه الزاوية، فإن أي انتقال من مرحلة قانونية إلى أخرى، ولا سيما إذا كان يمس طبيعة العلاقة مع دولة ما زالت التشريعات اللبنانية تعتبرها دولة عدوّة، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية الإطار الدستوري الذي استند إليه هذا الانتقال، وحول ما إذا كانت المؤسسات الدستورية جميعها قد مارست دورها وفقاً للأصول.

تجدر الإشارة إلى أن هذه القراءة تنحصر في الإطار الدستوري والقانوني اللبناني الداخلي، ولا تتناول تحليل الاتفاق في ضوء القانون الدولي العام أو التزامات لبنان بموجب القرارات الأممية، وفي مقدّمتها القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي يشكّل المرجعية الأساسية لأي ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، فضلاً عن اتفاق الهدنة عام 1949 الذي يظل، من زاوية القانون الدولي، الإطار القانوني المنظّم للوضع العسكري بين الطرفين.

غير أن القانون الدولي، على اتساعه، لا يحل محل الدستور الداخلي في تحديد اختصاصات السلطات وإجراءات إبرام المعاهدات والاتفاقات، بل يترك لكل دولة تنظيم إجراءاتها الدستورية وفق نظامها الخاص، شريطة ألّا تتعارض مع قواعد الأمر الآمر في القانون الدولي. ومن هنا، تظل المقاربة الدستورية الداخلية شرطاً مُسبقاً لأي نقاش حول مشروعية الاتفاق، لأن الاتفاقات الدولية لا تُنتِج آثاراً في النظام القانوني الداخلي التي تحدّد كيفية إبرامها وتصديقها ونفاذها.

السيادة لا تُقاس بعدد الاتفاقات التي تبرمها الدولة أو تمتنع عنها، وإنما بقدرتها على اتخاذ قرارها بحرّية

يجد هذا المبدأ سنده في المادة 52 من الدستور اللبناني التي أناطت برئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات وإبرامها، على أن تصبح نافذة وفق الأصول الدستورية، مع احتفاظ مجلس النواب بدوره في المعاهدات التي أوجب الدستور موافقته عليها قبل إبرامها أو نفاذها وفقاً للأصول الدستورية.

يقودنا ذلك إلى نتيجة دستورية مهمة، وهي أن صلاحية التفاوض التي تمارسها السلطة التنفيذية لا تعني، بذاتها، صلاحية تعديل البنية التشريعية النافذة. فالدستور اللبناني يميّز بين سلطة التفاوض وسلطة إحداث الأثر القانوني الداخلي. فإذا كان الاتفاق ينشئ التزامات تتعارض مع قوانين نافذة، أو يرتّب آثاراً لم تكن جائزة بموجب التشريع القائم، فإن نفاذ هذه الآثار يبقى رهناً باستكمال الأصول الدستورية، وفي مقدّمتها تدخل السلطة التشريعية حيث يقتضي الأمر. وهذه النتيجة لا ترتبط بالخيارات السياسية، بل بمبدأ المشروعية وخضوع جميع السلطات للقانون. وهي الفكرة التي يكرّسها أيضاً مبدأ موازاة الصيغ والاختصاصات في القانون الإداري اللبناني، وهو من المبادئ المستقرة في الفقه والاجتهاد الإداريين، ومؤداه أن ما أنشأه المشرّع لا يجوز تعديله أو تعطيله إلا بالأداة القانونية ذاتها ما لم ينص الدستور على خلاف ذلك.

توازن الالتزامات... معيار لا يقل أهمية عن مضمون الاتفاق

من المبادئ الراسخة في القانون الدولي أن الاتفاقات المستقرة هي تلك التي تقوم على قدر معقول من التوازن بين الالتزامات المتبادلة. وليس المقصود بذلك تماثل الالتزامات حرفياً، وإنما أن تكون الحقوق والواجبات موزّعة بصورة لا تضع أحد الأطراف في موقع الالتزام الدائم، مقابل حقوق أو التزامات مؤجّلة أو قابلة لإعادة التفسير.
لهذا السبب، فإن الفقه الدولي لا يكتفي بقراءة نصوص الاتفاق، بل ينظر أيضاً إلى آليات تنفيذه، والضمانات التي تحكمه، وإلى ما إذا كانت الالتزامات الجوهرية متبادلة، أم أن تنفيذ بعضها يبقى مُعلّقاً على تقدير أحد الأطراف وحده.

هنا يبرز دور مبدأ التناسب، الذي لا يقتصر تطبيقه على القانون الإداري الداخلي، بل يمتد أيضاً إلى تقييم مدى مُلاءمة الالتزامات الدولية وآثارها على ممارسة الدولة لاختصاصاتها السيادية. فكلّما اتسعت القيود المفروضة على أحد الأطراف، ازدادت الحاجة إلى وجود ضمانات قانونية واضحة تحول دون تحوّل هذه القيود إلى وضع دائم أو مفتوح على تفسيرات متعارضة.
من هنا، فإن قيمة أي اتفاق لا تُقاس فقط بما يعد به، وإنما أيضاً بما يوفّره من ضمانات متبادلة، وبقدرته على حماية الاستقرار القانوني، وعدم ترك المسائل الجوهرية رهينة تفسيرات متغيّرة أو موازين قوى متبدّلة.

ولا يقتصر التقييم القانوني على مضمون الالتزامات المتبادلة، بل يمتد إلى الطبيعة القانونية للاتفاق نفسه. فالعبرة في القانون ليست للتسمية التي تمنحها الأطراف للاتفاق، وإنما لمضمونه الحقيقي. فإذا اقتصر الاتفاق على إعلان مبادئ أو إطار عام للتفاوض، بقي في حدود الوثيقة السياسية أو التوجيهية وأمّا إذا تضمّن أحكاماً ملزمة أو آليات تنفيذ أو حقوقاً والتزامات قانونية متبادلة، ولو وردت في ملاحق أمنية أو فنية، فإنه قد يقترب من مفهوم الاتفاق الدولي.

بين النصوص والوقائع... كيف تُقاس قيمة الاتفاقات؟

تعلّمنا التجربة الدستورية اللبنانية أن الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بقوة الوسطاء الذين يرعونها، ولا بحجم التأييد أو الاعتراض الذي يرافق إعلانها، وإنما بقدرتها على إنتاج استقرار قانوني وسياسي مُستدام. فالاتفاق الذي يعجز عن الاندماج في المنظومة الدستورية الداخلية يبقى مُعرّضاً لأن يتحوّل، مع مرور الوقت، إلى مصدر جديد للنزاع، بدل أن يكون إطاراً لحلّه.
لهذا، فإن تقييم أي اتفاق لا ينبغي أن يقتصر على قراءة نصوصه، بل يجب أن يمتد إلى دراسة البيئة القانونية التي سيُطبّق فيها. فإذا كانت هناك قوانين نافذة تكرّس حالة قانونية معينة، أو تحدد طبيعة العلاقة مع دولة أخرى، فإن أي تحول جوهري يقتضي أن يتم عبر المؤسسات المختصة، ووفق الأصول الدستورية، حفاظاً على مبدأ المشروعية واستقرار النظام القانوني.

لا يحلّ القانون الدولي محل الدستور الداخلي في تحديد اختصاصات السلطات وإجراءات إبرام المعاهدات والاتفاقات

لا يتعلق الأمر هنا بإبداء موقف من الاتفاق ذاته، بل بالتأكيد أن دولة القانون لا تُدار بالوقائع السياسية وحدها، وإنما أيضاً بالتدرّج التشريعي واحترام توزيع الاختصاصات. فاستمرار أي اتفاق لا يتوقف على الإرادة السياسية التي أبرمته فحسب، بل على مدى قدرته على الانسجام مع القواعد القانونية التي تحكم الدولة، وعلى قابليته لاجتياز الرقابة الدستورية والقضائية متى أُثيرت بشأنه منازعات.
من هنا، فإن أي تعارض محتمل بين الالتزامات الجديدة وقوانين نافذة، كقوانين مقاطعة إسرائيل أو النصوص الجزائية ذات الصلة، لا يمكن تجاوزه بمجرد توقيع الاتفاق، لأن إزالة هذا التعارض تستوجب، من حيث المبدأ، تدخّلاً تشريعياً ينسجم مع قاعدة توازي الصيغ والاختصاصات. فالمشروعية الدستورية لا تتحقق بمجرد سلامة المفاوضات، وإنما أيضاً بسلامة المسار القانوني الذي يحوّل الالتزامات الدولية إلى قواعد نافذة داخل النظام القانوني اللبناني.

وتبرز إشكالية قانونية إضافية إذا صح ما يُتداول بشأن تضمين الاتفاق أي نص يقيّد حق الدولة أو الأفراد في اللجوء إلى القضاء أو إلى الهيئات القضائية الدولية للمطالبة بالمسؤولية عن الجرائم الدولية. فالقواعد المستقرة في القانون الدولي تعتبر أن الجرائم الدولية الجسيمة لا يجوز التنازل عنها، ولا يسقط الحق في ملاحقتها بالتقادم، كما أن أي التزام يخالف قواعد النظام العام الدولي يبقى موضع نقاش حول مدى مشروعيته وآثاره القانونية. ومن ثم، فإن تقييم مثل هذه البنود لا يتوقف على إرادة الأطراف وحدها، وإنما يخضع أيضاً لرقابة المبادئ الآمرة في القانون الدولي وللرقابة الدستورية الداخلية.

الدولة القوية لا تخشى التفاوض... لكنها لا تدخل إليه منقسمة

إذا كان التاريخ اللبناني قد قدّم درساً من اتفاق الهدنة عام 1949، ودرساً آخر من اتفاق 17 أيار 1983، فإن اتفاق الإطار، أياً تكن مآلاته، يعيد التذكير بحقيقة دستورية وسياسية ثابتة، وهي أن التفاوض ليس مظهراً من مظاهر الضعف، كما أنه ليس دليلاً على القوة في ذاته. فالدول جميعها تفاوض، حتى في أشد مراحل النزاع، لكنّ الفارق الحقيقي يكمن في الكيفية التي تدخل بها إلى طاولة التفاوض، وفي حجم الشرعية الداخلية التي تستند إليها.

من هنا، فإن حماية السيادة لا تتحقق فقط عبر رفض الضغوط الخارجية، وإنما أيضاً عبر صيانة الوحدة الداخلية، واحترام المؤسسات، وعدم تحويل الانقسام الوطني إلى عنصر يمكن أن يؤثّر في الموقع التفاوضي للدولة. فكلما كان القرار الوطني أكثر تماسكاً، كانت قدرة الدولة على حماية مصالحها القانونية والسياسية أكبر، بغضّ النظر عن موازين القوى المحيطة بها.

لا يقتصر الأمر على لبنان وحده، بل تكشف التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في إدارة أكثر الملفات تعقيداً هي تلك التي فصلت بين خلافاتها الداخلية وبين استراتيجيتها التفاوضية. فالخلاف السياسي مشروع في الأنظمة الديمقراطية، أمّا إضعاف الموقف التفاوضي للدولة نتيجة غياب رؤية وطنية مشتركة، فهو أمر ينعكس مباشرة على قدرتها في انتزاع الضمانات وحماية مصالحها.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق أي اتفاق لا يدور حول تصنيف الرابح والخاسر، ولا حول الانتصار لهذا الفريق أو ذاك، بل حول سؤال أكثر أهمية: هل خرجت الدولة من التفاوض أكثر قدرة على ممارسة سيادتها وفقاً لدستورها وقوانينها، أم أن الاتفاق ترك أسئلة دستورية وتشريعية مؤجّلة ستفرض نفسها في مرحلة التنفيذ؟

إن هذا السؤال هو الذي سيحدّد، في نهاية المطاف، القيمة القانونية والسياسية لأي اتفاق، لأن الاتفاقات قد تُوقَّع في يوم واحد، لكنّ مشروعيتها الحقيقية لا تُختبر إلا مع مرور الزمن، وعند أول استحقاق دستوري أو قضائي، وعند أول امتحان لقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها من دون أن تمس جوهر سيادتها أو وحدة مؤسساتها.

لعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة اللبنانية، بمختلف مراحلها، هو أن السيادة لا تُحمى بالشعارات، كما لا تُصان بالنصوص وحدها، وإنما تُبنى بدولة قوية في مؤسساتها، واضحة في قواعدها الدستورية، ومتحدة في رؤيتها لمصالحها العليا. فالدستور ليس مجرّد مرجع قانوني لإدارة السلطة، بل هو الإطار الذي يحفظ للدولة شخصيتها القانونية الداخلية، ويضمن أن يبقى قرارها الوطني نتاج إرادتها الحرة، لا انعكاساً لتوازنات اللحظة أو لضغوط الخارج.
فالدولة الدستورية لا تُقاس فقط بقدرتها على التفاوض، بل بقدرتها على أن تجعل كل تفاوض خاضعاً للقانون، لأن سيادة الدولة لا تُقاس فقط بحرّيتها في اتخاذ القرار، بل أيضاً بمدى خضوع هذا القرار للدستور الذي يستمدّ منه شرعيته.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen