مع مآثر كبار رحلوا و عبر من مواجهات ماضية و آمال قادمة
كتب الاستاذ ناصر الظنطيحل علينا حزيران من كل عام حاملاً معه العديد من المناسبات و الذكريات التي تشدّك للحديث عنها و الوقوف عندها و لكن قبل العودة إلى الماضي لابد من تأدية التحيّة إلى الشهيد البطل محمد صلاح ابن مصر العزيزة و الذي سطر ملحمة عزّ و شهامة و بسالة ليثبت بالدليل أن الخير في أمتنا إلى يوم القيامة و أن فلسطين أمانة لن يتخلى عنها شباب الأمة مهما غلت التضحيات . وما خروج ذلك المغوار من مصر و التي وقعت إتفاق صلح منذ ٤٥ سنة مع العدو الصهيوني إلا دليل أن الكيان الصهيوني كان ولا يزال كياناً مؤقتاً وفاقداً للشرعية .و ما يقلق عدونا أن يتحول الشهيد محمد صلاح الى ايقونة و قدوة ملهمة لشباب الأمة و لا سيما في الدول الملاصقة لفلسطين.
ولعل المشهد الذي رأيناه في اليومين السابقين في تلال كفرشوبا ما يؤكد ايضاً تمسّك أهلنا بأرضهم وحقهم وسقوط هيبة العدو من قلوبهم و نجاعة الصمود بوجهه و التصدي لمخططاته. و
بالعودة إلى المناسبات الحزيرانية نقف أولاً أمام ذكرى رحيل الإمام الخميني رحمة الله عليه ، هذا القائد الاستثنائي الذي قاد ثورة شعبية إسلامية أطاحت بشاه ايران ، شرطي امريكا في الخليج و حليف العدو الصهيوني، الإمام الذي رفع شعار لا شرقية ولا غربية إسلامية إسلامية، و اليوم إيران و غداً فلسطين، داعياً لوحدة المسلمين و مقيماً لدولة إسلامية في القرن العشرين . نعم لقد كان حدثاً كبيراً أشبه بزلزال و كانت من ثمراته إفتتاح عصر الصحوة إلاسلاميةعلى مستوى المنطقة و العالم و التي تجلت من خلال تعاظم حالات الالتزام الديني الإسلامي على مستوى الافراد و الجماعات ، فامتلأت المساجد بعد ان كانت شبه فارغة وانتشر الحجاب و كما كثرت مراكز و معاهد التعليم الديني ، كما تعاظم دور العلماء و الجمعيات و الحركات الإسلامية، حتى تلك المتخاصمة مع الإمام الخميني و فكره و نهجه ،حتى أصبح التيار الإسلامي رقماً اساسياً في مجتمعاتنا و شريكاً في كافة الميادين السياسية و التربوية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية و غيرها. لقد كبرت الجماعات الإسلامية القديمة من حيث الحجم و الدور و برزت شخصيات و أحزاب و تيارات جديدة في أكثر من بلد و ساحة .
و من آثار إنتصار الثورة الإسلامية في إيران ،إحتدام الصراع الفكري و الثقافي لدى الكثير من المفكرين و المناضلين و التيارات القومية و الوطنية و اليسارية عموماً ، حول المرجعية التي ينبغي الارتكاز عليها في مرحلة الثورة و التحرر و النضال ، مما اوجد الكثير من حالات التحول الفكري و الأيديولوجي و الانتقال إلى أرض الإسلام.
و لو عدنا قليلاً الى الوراء و إلى نكسة ١٩٦٧ و التي استطاع فيها العدو الصهيوني المدعوم من أمريكا و الغرب هزيمة الجيوش العربية و إحتلال القدس و الضفة و سيناء و الجولان و لكن ذلك لم يسقط الراية، لا بل كان دافعاً لتشجيع العمل الفدائي المسلح و تعاظم دور الثورة الفلسطينية المسلحة و التي حازت على تعاطف شعبي واسع و كبير ،و رغم المؤامرات عليها سواء في الأردن أو لبنان ، أنجزت الكثير من الانتصارات و العمليات النوعية و ما الاجتياح الاسرائيلي في ٦ حزيران إلا بهدف اقتلاع قواعدها من جنوب لبنان ، هذا الاجتياح لم يكن نزهة سهلة ، و بالرغم من التفوق الهائل للعدو براً و بحراً و جواً حصلت الكثير من المواجهات البطولية ، أبرزها في قلعة الشقيف ارنون و على تخوم بيروت و الضاحية في خلدة و غيرها .و مع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان و تراجع دور القوى الوطنية و القومية و اليسارية ،تقدم الاسلاميون لساحة المواجهة، (الواقع لا يقبل الفراغ ). فكانت المقاومة الاسلامية و تجمع العلماء المسلمين و حركة التوحيد الإسلامي، فيما برز العديد من العلماء ليتصدوا بقوة و شجاعة للشأن العام و من أبرزهم العلّامة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله .كما تعاظم دور العديد من الشخصيات كالداعية الدكتور فتحي يكن (الأمين العام للجماعة الإسلامية لسنوات طويلة و رئيس جبهة العمل الإسلامي) و الذي رحل أيضاً في حزيران تاركاً أثراً طيباً على المستوى الفكري و الثقافي و السياسي ولا ننسى شيخنا الكبير أمير حركة التوحيد الإسلامي العلامة المجاهد سعيد شعبان رحمه الله و الذي فارقنا مع مطلع حزيران تاركاً فراغاً كبيراً على مستوى طرابلس و الشمال و لبنان لا بد على مستوى الساحة الاسلامية كلها لما كان يملكه من جرأة القول و وضوح الموقف و الصدق في السعي لوحدة المسلمين .
و من المحطات الحزيرانية ايضاً وفاة الدكتور رمضان عبدالله أمين عام حركة الجهاد إلاسلامي ، خلفاً للشهيد المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي رحمة الله عليهما و الذي سعى مع اخوانه في مطلع الثمانينيات لتأسيس حالة جهادية إسلامية مقاومة في فلسطين و ذلك عقب سلوك القيادة الفلسطينية درب المساومة و المفاوضات و التسوية ، وها هي حركة الجهاد مع حماس و سائر الفصائل تصمد بشموخ في معركة ثأر الأحرار بمواجهة حامية مع العدو لخمسة أيام علماً ان حرب النكسة في حزيران ٦٧ كانت لستة أيام فقط، مما يؤشر على تقدم جبهة المقاومة و تراجع جبهة العدو.
ومازلنا مع حزيران الذي حلّت فيه ايضاً مجزرة إهدن بحق آل فرنجية على يد قوى الإنعزال اللبناني و الذي تورط في جرائم كثيرة و منها ما حصل مطلع حزيران عام ١٩٨٧ بإغتيال الزعيم الطرابلسي الكبير دولة الرئيس رشيد كرامي و الذي وقف بوجه مكائد الانعزال اللبناني و مشاريع الفتنة و التقسيم و الذي كان رجل دولة حقيقي نفتقده اليوم حيث الحاجة لحكماء من طينته لإنقاذ البلد من أزماته الخانقة و التي باتت أزمة نظام (نظام فساد و محاصصة تحرسه الطائفية البغيضة ) و يبدو أننا أمام مرحلة طويلة من الفراغ الرئاسي بسبب الكيد الطائفي و التعصب الفئوي و الأنانيات الشخصية و الذين يقفون معاً لمنع الحوار الوطني الهادئ و العقلاني للوصول إلى الإتفاق و التوافق للخروج من هذا النفق المظلم .