الأخبار _ «ظاهرة» بيع الصيدليات: احتكارات ومخالفات وطفرة خريجين
راجانا حمية
لا يكاد يمرّ يوم من دون إعلان يعرض عبره صاحب صيدلية بيع صيدليته. يوماً بعد آخر، باتت هذه الإعلانات ملفتة، وإن لم تتحوّل بعد إلى ظاهرة كما هي الحال في قطاعات أخرى.
وإذا كانت الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد منذ خمس سنوات تتحمل جزءاً وافراً من المسؤولية، مع شكوى معظم من يعرضون صيدلياتهم للبيع من اختلال التوازن بين المداخيل والنفقات، إلا أن هناك أسباباً أخرى أوصلت إلى هذا الخيار. ونتيجة لذلك، تتبلّغ نقابة الصيادلة في لبنان من المنتسبين إليها في كل يوم كتاباً عن عرض صيدلية للبيع أو بيع محتويات صيدلية لأخرى، وفقاً لنقيب الصيادلة جو سلّوم.
وأسوأ ما قد يحدث في هذا القطاع اليوم هو القناعة لدى البائعين باستحالة الاستثمار فيه، أقلّه على المديين القصير والمتوسط. مع ذلك، يجدر فصل الأسباب، بين طارئة وأخرى مستمرة.
الصيدليات الكبرى تحوّلت إلى «مولات» مخالفة تبيع الدواء كغيره من المنتجات
في الشق المتعلّق بالأسباب الطارئة، فإن قسماً من العارضين هم ممن أتت الحرب على جزء كبيرٍ من صيدلياتهم، ومن غير الممكن في المدة الحالية استمرار فتحها، خصوصاً في المناطق التي تعرّضت لدمار كبير وينعدم أو يندر وجود السكان فيها. أما الأسباب غير الطارئة، فتتعلق بما خلّفته الأزمة المالية على صعيد انهيار الليرة التي أدت إلى أن «أكثر صيدلية شغّالة اليوم لا تحصّل أكثر من 50% فقط مما كانت تحصّله قبل 2019»، كما تتعلق بالباب الذي شرّعته أزمة الدواء.
فبعد تقليص الفاتورة الدوائية وترشيد الاستهلاك عبر اعتماد نظام الدعم، شهد السوق انقطاعاً كبيراً في الأدوية. وأدّى احتكار الأدوية من قبل المستودعات وبعض الصيدليات الكبرى، واضطرار الصيدليات الصغيرة إلى صرف مخزونها في مدة قصيرة نسبياً، والسياسات التي اتبعتها وزارة الصحة، إلى دخول التجّار وصيدليات كبرى على خط استغلال الفوضى لزيادة أرباحهم، عبر تهريب الأدوية من مصادر متعدّدة وبيعها «أونلاين أو في الشقق»، إضافة إلى «تجّار الشنطة والصيدليات غير الشرعية»، بحسب سلّوم.
ووصل الحال ببعض الصيدليات الكبرى في هذا السياق إلى إرسال الأدوية «دليفري تحت ستار أنها مستحضرات تجميل أو متممات غذائية»، وفقاً لأحد أعضاء نقابة الصيادلة. ولا يزال هذا الأمر من دون حلول، إذ إن معظم التصريحات والقرارات التي اتخذت في وزارة الصحة بقيت في معظمها حبراً على ورق، وكذلك الحال بالنسبة إلى نقابة الصيادلة.
فإذا لم يكن ممكناً ضبط الصيدليات غير الشرعية أو المهربين، إلا أن ثمة فئة شرعية من الصيدليات والمستودعات لم تجد من يردعها من الطرفين بسبب غياب أجهزة التفتيش.
وفي ثالث الأسباب، يشير الصيادلة أيضاً إلى الـ»CHAINE»، وهي سلسلة الصيدليات الكبرى التي بدأت تتحول إلى ظاهرة اليوم. و«ميزة» هذه الأخيرة أنها لا تبيع الدواء فقط، وإنما مستحضرات التجميل ومستلزمات الأطفال من ألعاب وغيرها... وهي أشبه بـ«سوبرماركت» تعمل 24 ساعة في اليوم «ما يعني استحواذها على رخصتي صيدلة»، وهذا ما يؤثر على الصيدليات المجاورة.
هذه السلاسل الاحتكارية إذ إن «معظمها لمجموعة واحدة من المستثمرين» بحسب مصادر، تفتح الباب على نقاش أوسع يتعلق بمهنة الصيدلة، مع تحوّل هذه الصيدليات إلى «مولات» تبيع الدواء كغيره من المنتجات.
ويضاف إلى هذا الأمر ما تعمد إليه بعض الشركات عبر الترويج لمنتجاتها، وخصوصاً المستحضرات التجميلية، عبر إنشاء صفحات على الإنترنت وبيعها مباشرة للزبائن، وهو ما ارتدّ سلباً على الصيادلة الذين كان معظم ربحهم يأتي من هذه المنتجات. ويلفت أحد الصيادلة إلى أن «في الأمر مخالفة، خصوصاً في ظل وجود مستحضرات تجميلية طبية لا يمكن بيعها إلا في الصيدليات».
وفي جزء آخر من الأسباب، يتطرق الصيادلة إلى ما يتعلّق بسوء استثمار البعض، إذ إن البعض يفتح صيدليته من دون إجراء دراسة جدوى للمنطقة «وسرعان ما اكتشف هؤلاء أنهم غير قادرين على الاستمرار». أما العامل الأهم، فهو ضخامة أعداد المتخرجين من الجامعات في اختصاص الصيدلة، والذي يفوق العدد المطلوب في السوق، وهو ما يفتح باباً آخر من النقاش حول الاختصاصات التي بلغت فيها التجارة حداً فاضحاً.