الأخبار _ حقّ السجينات في رعاية أطفالهن: قانون «كلاس» لواقعٍ مُهترِئ
راجانا حميةاقتراح قانون منح الأمّهات السجينات حقوقاً أوسع في رعاية أطفالهن يصطدم بعقبات قانونية وإدارية ومالية تجعله أقرب إلى مشروع مثالي على الورق منه إلى حلّ قابل للتنفيذ.
غم إدراجه على جدول أعمال مجلس الوزراء في جلسته الأسبوع الماضي، لم يُبحث اقتراح قانون منح الأم السجينة حق رعاية أطفالها ومشاهدتهم. وبذلك، انقضت على الاقتراح، الذي تقدّمت به كتلة «الجمهورية القوية» ثلاث سنوات من دون أن يخرج بصيغة نهائية، في ظل عقبات تعترض تطبيقه عملياً، رغم ما يحمله من محاولة لإعادة الاعتبار إلى أمومة السجينات.
ويقوم الاقتراح، المؤلّف من ثلاثة فصول و17 مادة، على استعادة حقوق حُرمت منها السجينات، ولا سيما الأمهات، عبر منحهن حق رعاية أطفالهن حتى بلوغهم سنّ الثانية، بما يصون حقيْن أساسيين: حق الأم في رعاية طفلها، وحق الطفل في الاستفادة من حضانة أمّه. وهو يحدّد شروط استحقاق الرعاية، سواء كانت دائمة أو مؤقّتة، رابطاً إياها بسلامة الوضعين العقلي والصحي للسجينة وقدرتها على الاضطلاع بهذه المسؤولية. وتتولّى لجنة تضمّ مدير السجن، والطبيب النفسي المُعتمد، وطبيب السجن، ومساعدة اجتماعية، تقييم هذه الأهلية استناداً إلى مُعاينات دورية تُجرى كل ستة أشهر.
وفي حال ثبوت أهلية السجينة، تُمنح صلاحية رعاية طفلها والإشراف المباشر والدائم عليه، ومرافقته عند الحاجة إلى المعاينة الطبية أو العلاج في المستشفى. ويشمل هذا الحق جميع الأمهات السجينات اللواتي تُثبِت اللجنة أهليتهن، سواء كنّ محكومات أو موقوفات احتياطياً، وبغضّ النظر عن نوع الجرم أو العقوبة المحكومة بها. كما ينيط الاقتراح بلجنة السجن تحديد أيام المُجالسة الأسبوعية ومواعيدها، وفق خصوصية كل حالة، وتحديد ما إذا كانت تتمّ بصورة منفردة أو تحت المراقبة. أمّا الأمهات اللواتي يثار شك حول سلامتهن العقلية أو قدرتهن الجسدية، فتتوقف استفادتهن من حق الرعاية على موافقة خطية من الأب أو الأوصياء، على أن ترتبط هذه الموافقة بـ«أسباب تتعلّق بصحة الطفل حصراً».
ومع بلوغ الطفل سن الثانية، تتولّى لجنة السجن إعداد برنامج للفصل التدريجي بينه وبين أمّه يمتد سنة كاملة، ويقوم على تنظيم زيارات متكررة داخل السجن لفترات قصيرة، بما يخفّف من آثار الانفصال. ولا ينتهي حق الأم بانتهاء هذا البرنامج، إذ يكفل لها الاقتراح مشاهدة أولادها القاصرين مرة واحدة أسبوعياً على الأقل، ما لم يوجد مانع قضائي أو حكم يقضي بخلاف ذلك. كما لا يجوز للوصي أو لمن يتولّى الحضانة أو الحراسة منع الأطفال من زيارة أمّهم إلا بموجب حكم قضائي، تحت طائلة تطبيق أحكام المادة 496 من قانون العقوبات، مع إجازة حضور صاحب حق الحضانة أثناء اللقاء.
ولم يكتفِ الاقتراح بإقرار حق الرعاية، بل ربطه بمتطلّبات تطبيقه، فنصّ على ضرورة تجهيز السجون، «كلّما كان ذلك ممكناً»، بحضانات وأجنحة مُخصّصة للأطفال قبل نقل الأمّهات السجينات إليها.
شياكة الشكل وسوريالية المضمون
في الشكل، يعكس الاقتراح تحوّلاً، وإن كان بطيئاً، في المزاج التشريعي، يتمثّل في ازدياد اهتمام النواب بقضايا الفئات الأكثر هشاشة. غير أن هذا التحوّل لا يزال، بحسب المحامية منار زعيتر، يتعامل مع هذه الملفات «ع القطعة».
وعلى أهميته، يبدو الاقتراح أقرب إلى نص مثالي على الورق منه إلى مشروع قابل للتطبيق، في ظل الثغرات القانونية التي تعتريه والواقع الذي ترزح تحته السجون. وقد انعكس ذلك في مسار مناقشته منذ عام 2023، إذ اصطدم بتباين في مواقف الوزارات واللجان النيابية المعنية. وتشير رئيسة لجنة المرأة والطفل، النائبة عناية عز الدين، إلى وجود تحدّيات وعوائق عديدة تحول دون إقراره بصيغته الحالية، ما دفع اللجنة إلى إقرار المواد القابلة للتنفيذ، وتأجيل البتّ في المواد الأخرى إلى حين استكمال البحث فيها.
وفي السياق نفسه، شدّدت وزارة الشؤون الاجتماعية على أن ينطلق القانون، قبل أي اعتبار آخر، من مبدأ «مصلحة الطفل الفُضلى»، لا من حق الأم وحده. ورأت أن ذلك يستلزم توفير رعاية شاملة للطفل، تشمل مكان إقامة لائقاً ومُجهّزاً يحترم خصوصيته ويضمن سلامته، ويؤمّن البيئة المناسبة لنموّه الفكري والعاطفي والنفسي، إلى جانب توفير الموارد المالية والبشرية الكافية واستدامتها.
يبدو الاقتراح أقرب إلى نص مثالي على الورق منه إلى مشروع قابل للتطبيق
من جهتها، تتبنّى الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية مقاربة أوسع تتجاوز مسألة رعاية أطفال السجينات، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لإقرار قانون متكامل ينظّم حقوق السجينات داخل السجون ومراكز التوقيف، بما ينسجم مع المعايير الدولية، ولا سيما «قواعد بانكوك». كما تدعو إلى تحديث أحكام المرسوم الرقم 14310 المتعلّق بتنظيم السجون وأماكن التوقيف ومعهد إصلاح الأحداث، وإعادة الاعتبار لدور قاضي الأحداث في كل قرار يتعلّق بمصلحة الأطفال والقاصرين، من خلال تولّيه الإشراف على لجنة السجن المُقترحة.
أمّا هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، فاعتمدت مقاربة أكثر التصاقاً بالواقع، مشيرة إلى صعوبة تطبيق المادة المتعلّقة بتجهيز السجون بحضانات وأجنحة مُخصّصة للأطفال، في ظل الأوضاع المتردّية للمؤسسات العقابية. كما لفتت إلى استحالة تشكيل اللجنة المنصوص عليها في الاقتراح داخل النظارات، لغياب الأطباء النفسيين والأطباء المتفرّغين. وانطلاقاً من ذلك، سجّلت الهيئة جملة ملاحظات على الاقتراح، أبرزها أن تعميم حق الرعاية على جميع الأمّهات السجينات قد لا يكون ممكناً، لأن «بعض الجرائم تجعل الأم غير مؤهّلة لتربية أطفالها».
استحالة التنفيذ
قانونياً وعملياً، يصطدم الاقتراح بعقبات قد تصل، في بعض موادّه، إلى حدّ استحالة التنفيذ. ولعل أبرز المآخذ عليه، بحسب زعيتر، أنه يتعامل مع القضية بصورة مُجتزأة. فما جدوى منح الأم السجينة حقوقاً يستحيل تطبيقها؟ لذلك، ترى أن المدخل الصحيح يبدأ بإصلاح منظومة السجون برمّتها، وإعادة النظر جذرياً في بنية نظام السجون وفلسفته، بالتوازي مع مراجعة قانون العقوبات بما ينسجم مع التحوّلات التي شهدتها مفاهيم العقاب والجريمة والعدالة. وتوضح أن النظام الحالي لا يلحظ خصوصية النساء السجينات ولا احتياجاتهن، إذ يخلو من تنظيم واضح للمسائل المرتبطة بالصحة الإنجابية والإرضاع والحمل والولادة في مستشفى مدني. لذلك، ترى أن أي تشريع جديد ينبغي أن ينطلق من مقاربة قائمة على حقوق الإنسان، قبل الانتقال إلى تنظيم حق الرعاية أو غيره من الحقوق.
ولا تقتصر الإشكاليات على القوانين النافذة أو واقع السجون، إذ أغفل الاقتراح، بحسب زعيتر، مبدأ «مصلحة الطفل الفُضلى». فالمعايير الدولية، من «قواعد بانكوك» و«قواعد نيلسون مانديلا» إلى «اتفاقية حقوق الطفل»، لا تنطلق من افتراض وجوب بقاء الطفل مع أمّه داخل السجن، بل من أن أي قرار من هذا النوع يجب أن يستند أولاً إلى مصلحة الطفل. وتوضح أن هذه المعايير «لا تشير صراحة أو إلزاماً إلى وجود الطفل مع أمه، بل تشدّد على أن قرار بقائه معها يجب أن يستند إلى مصلحته الفُضلى، وألا يُعامل كأنه سجين».
لذلك، تشدّد على ضرورة إخضاع أوضاع الأطفال لمراجعة دورية، وفق المعايير الدولية، لتقييم ما إذا كان استمرار بقائهم مع أمّهاتهم يحقّق مصلحتهم.
وتلفت زعيتر أيضاً إلى أن اعتبارات أمنية، وأخرى ترتبط بطبيعة الجريمة المُرتكبة، قد تبرّر اللجوء إلى بدائل للعقوبات السالبة للحرية، ولا سيما عندما تكون المرأة حاملاً أو المُعيل الوحيد لطفل رضيع. وتقول: «انطلاقاً من تحقيق المصلحة الفُضلى، يجب ألّا يتضرّر الأطفال، وأن يعيشوا في بيئة أقرب ما تكون إلى الحياة خارج السجن، بما يتضمّنه ذلك من رعاية وتغذية ولعب ونمو وتواصل».
أمّا تجهيز السجون لاستقبال الأطفال، فيمثّل تحدّياً إضافياً يعيد النقاش إلى أزمة السجون وبنيتها التحتية غير الملائمة لنمو الطفل بصورة سليمة، سواء من حيث مساحة الغرف أو تهويتها أو توافر بيئة صحية وآمنة.
هذه الفجوة بين النص والواقع هي ما يدفع مديرة المشاريع في جمعية «دار الأمل»، سلام المغربي، إلى اعتبار أن المشكلة الأساسية «ليست في غياب النصوص القانونية، بل في غياب الإمكانات اللازمة لتطبيقها بصورة لائقة». وتوضح أن حق الأم السجينة في رعاية طفلها مُطبّق حالياً، إذ يسمح لها بالاحتفاظ بطفلها المولود داخل السجن حتى بلوغه سن الثانية. وينطبق الأمر نفسه على حق المشاهدة، إذ تستطيع الأم لقاء أطفالها دون الثانية عشرة خارج القضبان، لكن بعد الحصول على موافقة مُسبقة من المدعي العام التمييزي، «وهو إجراء يشكّل عائقاً عملياً أمام كثير من الأمهات ويحدّ من إمكانية ممارسة هذا الحق بصورة منتظمة».
لذلك، ترى المغربي أن الاقتراح يركّز على تعداد الحقوق أكثر من تركيزه على توفير آليات تنفيذها، ما قد يؤدّي إلى إقرار قانون يصعب تطبيقه في ظل واقع السجون الحالي. وتضيف أن «المشكلة الجوهرية ليست في غياب الحق، وإنما في غياب الإمكانات المادية والإدارية التي تكفل ممارسته». ومن هنا، تدعو إلى تضمين القانون نصوصاً تُلزِم الدولة بتأمين البنية التحتية والاعتمادات المالية اللازمة، وإلا سيبقى العبء مُلقى على عاتق الجمعيات، بما يهدّد بأن يبقى القانون حبراً على ورق. وتلفت إلى أن غالبية سجون النساء تفتقر إلى أماكن مُخصّصة للأمّهات وأطفالهن، فيما تغيب غرف المشاهدة في غالبية السجون، فتُجرى الزيارات داخل الإدارة، بما يحرم الأم وطفلها من الخصوصية ويؤثّر في طبيعة العلاقة بينهما.
ويفاقم الاكتظاظ هذه المشكلة، إذ يجعل استحداث مساحات جديدة أمراً بالغ الصعوبة من دون اعتمادات مالية خاصة. وبسبب غياب هذه الاعتمادات، «لا تؤمّن السلطات الاحتياجات الأساسية للأطفال المولودين داخل السجون، رغم محدودية أعدادهم، فيما تتحمّل الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجزء الأكبر من هذه المسؤولية».