الأخبار _ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل (2/3): لماذا تكسب بعض الدول قبل أن تبدأ المفاوضات؟
جاد طعمهتقييم أي اتفاق لا ينبغي أن يقتصر على قراءة بنوده، وإنما يجب أن يبدأ بتحليل البيئة التي وُلد فيها. فالدولة التي تدخل التفاوض وهي تعاني انقساماً داخلياً حاداً تجد نفسها في موقع مختلف عن دولة نجحت في بناء حدّ أدنى من التوافق الداخلي
بولد: «هذه المقالة تعبّر عن رأي قانوني أكاديمي، ولا تتناول تقييم الخيارات السياسية، بل تحلّل الإشكاليات الدستورية والقانونية التي يثيرها اتفاق الإطار».
يُخطئ من يعتقد أن نجاح أي مفاوضات دولية يبدأ عند جلوس الوفود حول الطاولة. فالخبرة المتراكمة في العلاقات الدولية تؤكّد أن الجزء الأكبر من نتائج التفاوض يكون قد تحدّد قبل افتتاح الجلسة الأولى. فالمفاوض لا يحمل معه النصوص القانونية فحسب، بل يحمل أيضاً ميزان القوى، ووحدة الموقف الداخلي، ووضوح التفويض، وقدرة الدولة على الالتزام بما توقّعه.
لهذا السبب، فإن تقييم أي اتفاق لا ينبغي أن يقتصر على قراءة بنوده، وإنما يجب أن يبدأ بتحليل البيئة التي وُلد فيها. فالدولة التي تدخل التفاوض وهي تعاني انقساماً داخلياً حاداً، أو تضارباً في مراكز القرار، أو خلافاً حول أهداف التفاوض نفسها، تجد نفسها في موقع مختلف عن دولة نجحت، قبل بدء المفاوضات، في بناء حدّ أدنى من التوافق الداخلي حول مصالحها العليا.
ومن هنا، فإن السؤال القانوني والسياسي الأهم ليس: هل تفاوضت الدولة؟ بل: كيف فاوَضت؟ وبأيّ أوراق قوة؟
وحدة الجبهة الداخلية أول عناصر القوة القانونية
يُجمِع فقه القانون الدولي والعلاقات الدولية على أن السيادة ليست مجرد مفهوم قانوني يرد في الدساتير أو المواثيق الدولية، وإنما هي قدرة الدولة على التعبير عن إرادة وطنية موحّدة في مواجهة الخارج. لذلك، فإن وحدة الجبهة الداخلية ليست شعاراً سياسياً، بل هي عنصر جوهري في تكوين الشخصية القانونية للدولة أثناء التفاوض.
الشرعية الدولية تمنح الاتفاق إطاراً قانونياً خارجياً، أمّا الشرعية الداخلية فهي التي تمنحه القدرة على التنفيذ والاستمرار
فالدولة التي تنقسم مؤسساتها أو تتعارض فيها الرؤى الأساسية حول أهداف التفاوض تمنح الطرف المقابل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فرصة للاستفادة من هذا الانقسام، سواء عبر إطالة أمد التفاوض، أو عبر رفع سقف مطالبه، أو عبر التعويل على أن الخلافات الداخلية ستدفع الدولة الأخرى إلى تقديم تنازلات يصعب تحقيقها في ظروف أكثر تماسكاً.
لهذا، لا يمكن النظر إلى التوافق الوطني باعتباره ترفاً سياسياً، بل هو أحد أهم مقوّمات القوة التفاوضية. فالمفاوض الناجح لا يستمدّ قوته من مهاراته الشخصية فحسب، وإنما من يقينه بأن الدولة التي يمثّلها تقف خلفه برؤية موحّدة، وأن أي اتفاق سيحظى بغطاء دستوري وسياسي يضمن استمراره.
وهذا ما يفسّر أن كثيراً من الاتفاقات الدولية التي صيغت بإتقان قانوني أخفقت لاحقاً، ليس بسبب عيوب في النصوص، وإنما لأنها وُلدت في بيئة داخلية منقسمة، ففقدت منذ البداية أحد أهم شروط الاستقرار، وهو الشرعية الوطنية.
التجربة الإيرانية: قراءة في منهج التفاوض لا في الموقف السياسي
تُعدّ المقارنة بين المفاوضات الإيرانية – الأميركية، وما يشهده لبنان اليوم، مفيدة إذا أُجريت من زاوية إدارة التفاوض، لا من زاوية تقييم الخيارات السياسية لكل دولة.
فإيران، رغم ما واجهته من عقوبات وضغوط عسكرية واقتصادية، حرصت في مختلف جولات التفاوض على التمسّك بقاعدة تفاوضية واضحة، قوامها أن أي التزام تقدّمه يقابله التزام مماثل من الطرف الآخر، وأن أي تعديل في الواقع العملي أو القانوني يكون جزءاً من تنفيذ اتفاق نهائي، لا مقدّمة له.
كما أن طهران سعت، في خطابها التفاوضي، إلى إظهار أن قرارها السياسي، مهما تعدّدت مؤسساته، يصدر عن مركز قرار موحّد، وهو ما منح فريقها المفاوض هامشاً أوسع للمناورة، وأضعف قدرة الطرف المقابل على الرهان على الانقسامات الداخلية.
ولا يعني ذلك أن التجربة الإيرانية خلت من الخلافات أو التحدّيات، لكنها تعكس قاعدة تفاوضية معروفة، مفادها أن الدولة تدخل المفاوضات وهي تحاول تحويل عناصر قوتها إلى ضمانات قانونية، لا أن تحوّل عناصر خلافها الداخلي إلى أوراق تفاوض يستفيد منها الطرف الآخر.
من هنا، فإن العبرة ليست في هوية الدولة أو طبيعة نظامها السياسي، وإنما في المنهج الذي تعتمده في إدارة المفاوضات، وفي قدرتها على المحافظة على توازن دقيق بين مقتضيات التفاوض وصون وحدتها الداخلية، لأن هذه الوحدة تبقى، في نهاية المطاف، المصدر الأول لأي قوة تفاوضية مُستدامة.
بين الشرعية الداخلية والشرعية الدولية: أين تبدأ قوة الدولة؟
من الأخطاء الشائعة في تحليل المفاوضات الدولية الاعتقاد بأن الاعتراف الدولي وحده يكفي لإنجاح أي اتفاق. فالخبرة الدستورية المُقارنة تثبت أن الاتفاقات لا تعيش بقوة الوسطاء أو الضمانات الخارجية وحدها، وإنما بقوة الشرعية الداخلية التي تستند إليها.
فالشرعية الدولية تمنح الاتفاق إطاراً قانونياً خارجياً، أمّا الشرعية الداخلية فهي التي تمنحه القدرة على التنفيذ والاستمرار. وعندما يختل التوازن بين هاتين الشرعيتين، يصبح الاتفاق عرضة للاهتزاز، حتى لو حظي بدعم القوى الكبرى.
يُجمِع فقه القانون الدولي والعلاقات الدولية على أن السيادة هي قدرة الدولة على التعبير عن إرادة وطنية موحّدة في مواجهة الخارج
وهذا ما يفسّر أن كثيراً من الاتفاقات التي أُبرمت برعاية دولية واسعة انتهت إلى التعثّر، لأن النصوص لم تستطع أن تعوّض غياب التوافق الوطني. فالدستور، في نهاية المطاف، ليس مجرد وثيقة لتنظيم السلطات، بل هو التعبير القانوني عن الإرادة الجماعية للدولة، وأي اتفاق يمس السيادة أو الأمن الوطني ينبغي أن ينسجم مع هذه الإرادة، لا أن يصبح سبباً لانقسامها.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول أي اتفاق إطار لا ينبغي أن يقتصر على مدى نجاحه في إنهاء نزاع أو وقف أعمال عسكرية، وإنما يمتد إلى السؤال الأعمق: هل يعزّز هذا الاتفاق تماسك الدولة ومؤسساتها، أم أنه يضيف عنصراً جديداً إلى الانقسام الداخلي؟
التفاوض ليس ساحة لتصفية الانقسامات الداخلية
من المبادئ غير المكتوبة في إدارة المفاوضات الدولية أن الدولة لا تدخل إلى طاولة التفاوض وهي تحمل خلافاتها الداخلية إلى الطرف المقابل. فكل انقسام داخلي يتحوّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عنصر يقرأه الطرف الآخر ويعيد بناء استراتيجيته على أساسه.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة أثناء التفاوض ليس فقط اختلال ميزان القوى العسكري أو الاقتصادي، بل تحوّل الانقسام الداخلي إلى جزء من البيئة التفاوضية. فعندما تصبح الملفات الداخلية محل نقاش أو ضغط أو شرط في سياق التفاوض، يثور سؤال قانوني وسياسي بالغ الحساسية حول الحدود الفاصلة بين الالتزامات الدولية والاختصاصات الدستورية التي تبقى من صميم السيادة الوطنية.
لا يعني ذلك أن الاتفاقات الدولية لا يمكن أن تتناول مسائل داخلية، ولكنها، في الأنظمة الدستورية، لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات الوطنية المختصة في تنظيم هذه المسائل أو اتخاذ القرار بشأنها. فالدستور هو المرجع الأول في توزيع الاختصاصات، وأي معالجة لملفات داخلية يجب أن تتم، في نهاية المطاف، وفق الآليات التي يرسمها النظام الدستوري، لا باعتبارها نتيجة تلقائية لتفاهمات خارجية.
لهذا السبب، فإن الدول التي تحقّق أفضل النتائج التفاوضية هي تلك التي تفصل بين إدارة التفاوض الخارجي وإدارة الخلاف الداخلي. فالأول يهدف إلى حماية مصالح الدولة في مواجهة الخارج، بينما يبقى الثاني شأناً وطنياً يعالج عبر المؤسسات الدستورية والحوار السياسي الداخلي.
إن نجاح أي اتفاق لا يقاس فقط بما يحقّقه من مكاسب آنية، وإنما بقدرته على تعزيز مؤسسات الدولة، وصون سيادتها، والمحافظة على وحدة مجتمعها السياسي. أمّا إذا أصبح الاتفاق نفسه مصدراً لانقسام أعمق، فإن قيمته القانونية والسياسية تبقى موضع اختبار، لأن استقرار الاتفاقات يبدأ من استقرار الدول التي توقّعها.
ولهذا، فإن الدولة التي تدخل المفاوضات وهي متماسكة في رؤيتها الدستورية، وواضحة في توزيع اختصاصاتها، ومُحصّنة بوحدة مؤسساتها، تكون أقدر على حماية مصالحها من دولة تدخلها وهي تخوض، في الوقت ذاته، نزاعاً حول طبيعة قرارها الوطني أو حدود صلاحيات سلطاتها. وهذه ليست قاعدة سياسية فحسب، بل هي إحدى القواعد المستقرة في فقه التفاوض والعلاقات الدولية، التي أثبتها تاريخ الاتفاقات أكثر مما أثبتتها النصوص.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لهذه القواعد أن تُترجم في الإطار الدستوري اللبناني؟ وهو ما سنتناوله في المقالة الثالثة من هذه السلسلة.