الأخبار _ العدو ارتكب إبادة بيئية مُمنهجة في الجنوب
راجانا حميةتقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية يؤكّد استخدام إسرائيل الغليفوسات في الجنوب، ما سبّب تلوّثاً واسعاً للتربة والنباتات، مع مخاطر بيئية وصحية طويلة الأمد
بعد ثلاثة أشهر على قيام طائرات تابعة للعدو الإسرائيلي برشّ مبيدات فوق الأراضي الجنوبية الحدودية، جاء تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية ليؤكّد ما بات شبه محسوم: أنّ ما جرى لم يكن مجرّد استهداف عابر، بل عملية تدمير بيئي مُمنهجة للبيئة والتربة وكل أشكال الحياة. فنتائج تحليل عينات التربة كشفت وجود مادة الغليفوسات التي صنّفتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان عام 2015 كمادة «يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر».
في مطلع شباط الماضي، رشّت مروحيتان للعدو على الأراضي الحرجية والزراعية الحدودية، موادَّ سائلة يُرجَّح أنها مبيدات عشبية سامّة، وفق ما أعلنت وزارة الزراعة آنذاك، قبل أن تتجه الترجيحات العلمية لاحقاً نحو الغليفوسات. وتأخّرت السلطة خمسة أيام قبل تكليف المجلس الوطني للبحوث العلمية بالكشف على «الآثار البيئية» للاعتداءات الإسرائيلية.
ونفّذ فريق متخصّص من الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية، بالتعاون مع الجيش اللبناني، مسحاً ميدانياً شمل القرى المُستهدفة، تبيّن فيه أن قرى عيتا الشعب ورأس الناقورة والضهيرة أكثر المناطق تضرراً، إضافة إلى قرى أخرى تأثّرت بشكل غير مباشر. وقد جُمعت 36 عيّنة من التربة والأعشاب، خُصّصت لتحليل وجود الغليفوسات وناتجه الأساسي حمض الأمينوميثيل فوسفونيك (AMPA)، وهو المُركّب الأبطأ تحلّلاً والأكثر ثباتاً في البيئة. وبناءً على ذلك، أعدّت الهيئة تقريراً فنياً سُلّم إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 21 أيار الماضي.
وأظهرت النتائج وجود تراكيز متفاوتة من هذه المادة في جميع المناطق المُستهدفة، بما يؤكّد حصول «عمليات رشّ مُمنهجة طاولت نحو 2200 هكتار من الأراضي الزراعية والحرجية، شملت بساتين الزيتون والأشجار المثمرة والمحاصيل الحقلية، إضافة إلى الغطاء النباتي الطبيعي.
ورغم استخدام المزارعين لهذا المبيد في الأحوال العادية، إلا أن تراكيزه تختلف جذرياً عن التراكيز التي ظهرت في التقرير. فقد أظهرت التحاليل أن تراكيز الغليفوسات في التربة بلغت ما بين 5.840 و22.750 ميكروغرام/غرام، مقارنة بمستويات طبيعية لا تتجاوز 0.5 إلى 2 ميكروغرام/غرام في الاستخدام الزراعي العادي. كما راوحت في العينات العشبية ما بين 12.500 و13.861 ميكروغرام/غرام. وسجّلت أعلى التراكيز في منطقة عيتا الشعب، ما يجعلها «المنطقة الأكثر تضرّراً».
مخاطر أبعد من الطبقات السطحية
ورصد التقرير مؤشّرات سريعة على تدهور الغطاء النباتي، تمثّلت في «اصفرار النباتات وتراجع الكثافة النباتية في عدد من المواقع، إلى جانب تضرّر واضح في الأعشاب البرية والغطاء الطبيعي».
ولا تقف خطورة الغليفوسات عند هذه المرحلة، إذ تشير الدراسة إلى قدرته على التحلّل سريعاً في التربة إلى مركبات أكثر ثباتاً، أبرزها حمض الأمينوميثيل فوسفونيك (AMPA)، الذي يمكن أن يبقى لفترات طويلة ويتسلّل تدريجياً إلى طبقات أعمق من التربة، مع احتمال وصوله إلى المياه الجوفية. كما يمكن للمادة أن تنتقل عبر الهواء، ما يوسّع نطاق التلوّث إلى مناطق لم تتعرض مباشرة للرذاذ. وهذا ما يستوجب، بحسب التقرير، «متابعة علمية وتقنية مستمرة لتقييم الأثر البيئي والزراعي والصحي المُحتمل على المديين المتوسط والطويل».
أمّا على المستوى الصحي، فتشير دراسات علمية متعدّدة إلى أن الغليفوسات قد يسبّب إجهاداً تأكسدياً والتهابات في الخلايا البشرية، وهو ما دفع الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى تصنيفه ضمن المجموعة 2A كمادة يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر، في ظل مخاوف متزايدة من آثاره الطويلة الأمد على الصحة والبيئة.