الأخبار _ مَن طلب مِن كريم سعيد رهن مليارات «المركزي» لدى أميركا؟
15 أيار 2026

الأخبار _ مَن طلب مِن كريم سعيد رهن مليارات «المركزي» لدى أميركا؟

محمد وهبة


قالت مصادر مطّلعة إن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل حضور سلسلة من الاجتماعات أبرزها مع مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية للطلب منهم قرضاً، أو تسهيلات مضمونة بسندات أميركية يملكها مصرف لبنان في محفظته للتوظيفات الخارجية.

التوصيف التقني لهذه العملية هو «سواب لاين»، أمّا الهدف منها في العادة فيكون دعم العملة الوطنية من خلال «شراء» ثقة الفدرالي الأميركي، إلا أن الشروط الأساسية للاستحصال على موافقة رسمية أميركية على هذا المستوى، تكون ذات طابع سياسي. أي لا يمكن تفسير هذه الخطوة خارج الإطار السياسي، ولا سيما أن الحاكم ليس وحده في هذه الزيارة بل يشاركه فيها صديقه وشريكه ومستشار رئيس الجمهورية، المصرفي فاروج ناركيزيان.

وبالتالي لا يمكن أن تكون الصدفة وحدها هي التي تجعل من موعد الزيارة متزامناً مع مفاوضات مباشرة ينفّذها رئيس الجمهورية مع الكيان الصهيوني، وأن يكون اللقاء مع وزارة الخزانة الأميركية أمس، مجرّد صدفة مع توقيت جلسة التفاوض.

اللافت في المعطيات المُستقاة من أكثر من مصدر، أن رئيس الجمهورية هو الجهة الوحيدة التي على علم بهذه الزيارة وأهدافها خلافاً للمسؤولين الآخرين، ولا سيما منهم المعنيون مباشرة بالوضع المالي والنقدي، وأبرزهم وزير المال ياسين جابر، الذي يُعدّ الشريك الأول والأساسي لعمليات التنسيق بين السياستين المالية والنقدية.

فهذا التنسيق هو المسؤول اليوم عن استقرار سعر الصرف، وكما بات معروفاً، أن الدولارات التي تجمعها الخزينة مباشرة أو من خلال الضرائب، يشتريها مصرف لبنان ويستعملها لتغطية نفقات التعميمين 158 و166 وليسدّد الرواتب والأجور وسائر مستحقات الدولة بالعملة الأجنبية. لذا، لا يستبعد أن يكون سبب إخفاء أهداف الزيارة هو مسألة سياسية بحتة، وخصوصاً أن ما سيطلبه الحاكم كريم سعيد من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، هو أمر لا يُمنح إلا مقابل شروط سياسية.

ولا يجب أن نغفل أن للحاكم مشروعاً ذا أهداف تقنية وسياسية قائمة على تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. ويجب الانتباه أيضاً إلى أن هذه العملية ستؤدّي في نهاية المطاف، وبمعزل عن شكلها التقني وأهدافها المتعلّقة بسعر الصرف، إلى رهن سندات في محفظة مصرف لبنان بقيمة 5.2 مليارات دولار، بيد الإدارة الأميركية. فالسندات التي يملكها المصرف والتي جمعها اعتباراً من النصف الثاني من السنة الماضية، هي ليست ملكاً لمصرف لبنان، بل هي مملوكة للمودعين، أو للخزينة العامة.

بل الواقع، إن مصرف لبنان واقع في عجز هائل وخسائر ضخمة، إذ تشير ميزانيته إلى أن قيمة ودائع المصارف لديه تبلغ 81.3 مليار دولار لا يملك منها كسيولة إلا جزءاً يسيراً لا يتجاوز 9 مليارات دولار.

أمّا بالنسبة إلى ملاءته، أو إلى قدرته على تغطية هذه الالتزامات، فهو يضع إلى جانب موجودات الذهب بقيمة 42.7 مليار دولار، بنداً عن ديون للدولة بقيمة 16.6 مليار دولار، وديناً بقيمة عمليات إعادة تقييم (هي خسائر أصلاً) بقيمة 13.1 مليار دولار، أي إن هذه الملاءة عرضة للانهيار عند أول دعوى تقام في الخارج ضدّ مصرف لبنان من مودعين يطالبون بودائعهم ويطالبون بالحجز على الذهب الموجود أصلاً لدى الولايات المتحدة الأميركية والذي أودعناه هناك بحجّة الأمان ليصبح رهينة. فهل ينوي سعيد أن يرهن المزيد من الأموال لدى الولايات المتحدة؟

شحن مصرف لبنان
2.2 مليار دولار نقداً إلى
الخارج للاستفادة من الفوائد


يمكن أيضاً قراءة هذه الخطوة من زاوية نوبة الهلع التي يعاني منها الحاكم ومن خلفه رئيس الجمهورية في ما يخصّ الوضع النقدي، ولا سيما في ضوء تراجع السيولة بالعملة الأجنبية بقيمة تتجاوز 440 مليون دولار من 11.87 مليار دولار في 28 شباط 2026 إلى 11.43 مليار دولار في 30 أيار 2026.

وهذا التراجع يعبّر عن مفاعيل الحرب على توافر العملات الأجنبية في السوق المحلية. بحسب المعلومات، فإن النقص في الدولارات التي كان يجمعها مصرف لبنان من السوق يزيد عن 200 مليون دولار شهرياً، وبالتالي عليه أن يغطّي من سيولته الخاصة أي استحقاقات مترتّبة عليه في إطار معادلة التنسيق بين السياستين النقدية والمالية.

لكنّ هذا الوضع ليس مُقلِقاً بالدرجة التي تجعله أمراً داهماً. فبإمكان المصرف المركزي وبالتعاون مع الخزينة أن يواظب على التنسيق والتعاون لحماية استقرار سعر الليرة لفترة أشهر إضافية تزيد عن 10 أشهر بالحدّ الأدنى، فضلاً عن أن عجز ميزان المدفوعات الذي سيظهر في نهاية هذه السنة، هو أصلاً عجز بنيوي لا يمكن معالجته من خلال التخلّي (رهن) عن سندات ذات تصنيف عالٍ وقابلة للتسييل في أي لحظة. فهذه السندات هي ذخيرة يملكها مصرف لبنان ولا يجب عليه التخلّي عنها بهذه السهولة، أو على الأقلّ قبل عرض الموضوع للنقاش في المجلس المركزي لمصرف لبنان.

طبعاً، لا يجب فتح الطريق أمام مصرف لبنان من أجل القيام بما يحلو له، إذ سبق أن جُرّبت هذه الطريقة مع الحاكم السابق (رياض سلامة) الذي أدار السياسة النقدية وكان مهيمناً على السياسة المالية في العقود الماضية بـ«شطارة استثنائية»، تفوق ما يملكه كريم سعيد من معرفة وخبرة، لكنه وقع في الفخّ عندما راهن على أن الخارج سيضخّ المزيد من الأموال لإمداد لبنان بحاجته من العملات الأجنبية، وكان الرهان على أن مليارات مؤتمر «سيدر» آتية، لأن الخارج «لا يريد الفوضى» في لبنان. في الواقع، عندما حانت اللحظة، تخلّى معظم الخارج عن لبنان، ووقع مصرف لبنان في شرّ أعماله وتكشّف أن النموذج الاقتصادي القائم على الاستهلاك المُستورد المُموّل بإيرادات المهاجرين لا يمكنه الاستمرار.

والواقع أن الخارج لا يحدّد أهدافه من خلال التنظير أو الآمال والرغبات، بل من خلال إدارة الوقائع والمصالح، وهو بالتالي كان يعلم أن الإفلاس آتٍ عاجلاً أم آجلاً. لا يهتم الخارج، مهما كان قريباً أو بعيداً، ببعض من الفوضى، بل يتأقلم في إدارة أهدافه ضمنها.

والمشكلة هي في الإدارة المحلية، وإليكم نموذجاً منها: ففي الفترة الماضية واظب مصرف لبنان على «الجشع» وشحن خارج البلاد مبلغاً من الكاش النقدي بقيمة 2.2 مليار دولار للاستفادة منه وتوظيفه في الخارج مقابل الفوائد، وهو ما أضرّ بالسيولة الجاهزة للاستعمال لديه، وها هو اليوم يسعى لوضع المزيد من الأموال في الخارج. فهل هناك خطّة واضحة لديه يجب أن يعلنها في إطار سياسة نقدية ومالية واضحة، أم أنه يتصرّف فقط بردّ الفعل وبناءً على أفكار عشوائية؟

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen