الأخبار _ فرصة لإعادة صياغة الموقف اللبناني
ابراهيم الأمينإعلان رئيس الجمهورية جوزيف عون أنه لا يرى الوقت مناسباً للاجتماع برئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، لا يعني بالضرورة معالجة الخلل القائم في مقاربة السلطة لملف الحرب مع إسرائيل. فعون لم يلغِ عملياً فكرة اللقاء، بل اكتفى بالقول إن الوقت غير مناسب، ما يوحي بأن السلام مع إسرائيل لا يزال حاضراً في حساباته السياسية. وهو يدافع عن موقفه هذا، متسلّحاً بنقص حادّ في فهمه السياسي والتاريخي، إذ لا يعقل أنه لا يجد من يشرح له ظروف هذه البلاد وعلاقتها بالصراع مع العدو، إلا إذا كان هو شخصياً لا يجد عيباً في الاعتراف بإسرائيل.
وإلى ذلك، يعود قرار الرئيس «تجميد» اللقاء إلى عوامل عدّة، من بينها:
أولاً، ما سمعه بشكل مباشر من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، أو عبر قنوات أميركية أخرى، بعدم وجود أيّ ضمانات بأن يحصل على وقف نهائي للحرب على لبنان، أو لبدء انسحاب قوات الاحتلال. وكلّ ما طُرح عملياً اقتصر على تسهيلات تتعلّق بالسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارة الأسرى اللبنانيين في سجون العدو، مع وعود أميركية بالسعي للإفراج عن بعضهم.
ثانياً، ما سمعه أيضاً بأن اللقاء يهدف إلى وضع آلية للعمل والتزامه مُسبقاً بتنفيذها، وتقوم على أن تتولّى الحكومة اللبنانية، بقدراتها الذاتية أو بالتنسيق مع إسرائيل، العمل على «إزالة التهديد» الذي تمثّله المقاومة بالنسبة إلى إسرائيل، مع محاولة تقديم المقاومة أيضاً بوصفها تهديداً للبنان نفسه، خصوصاً بعد قرار مجلس الوزراء حظرَ نشاطها.
ثالثاً، إدراك عون، بعد اتصالات من جهات لبنانية وعربية، وحتى دولية، بأن هذا «الانفحاط» بفكرة التفاوض مع إسرائيل لن يحقّق له المكاسب التي يتصوّرها لتسويق فكرته عن السلام. بل سمع تحذيرات من أن هذه الخطوة قد تنعكس أزمة داخلية كبيرة تعطّل حكمه، وتُسقِط الحكومة، وتفتح الباب أمام انهيارات متتالية في المؤسسات الرسمية، ولا سيما الأمنية والعسكرية.
رابعاً، تبلّغه موقفاً واضحاً وموحّداً ليس من الثنائي أمل وحزب الله فقط، بل حتى من النائب السابق وليد جنبلاط، بأن إقدامه على هذه الخطوة من دون توافق داخلي سيؤدّي إلى خلق مشكلة كبيرة في لبنان، تعيده إلى الأجواء التي رافقت عهد الرئيس أمين الجميل في 1982 - 1983.
غير أن المشكلة الأكبر في طريقة تفكير رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام هي أنهما يغفلان، طوعاً أو غصباً، عن حقيقة ما تريده إسرائيل من المفاوضات، وعن طبيعة الموقف الأميركي أيضاً. ويبدو أن الرجلين لا يختلفان في هذه المرحلة أبداً عن العقل المُتحجِّر لليمين اللبناني الذي لا يزال يحلم بسلام مع إسرائيل يخلّصه من عبء العروبة والقضية الفلسطينية.
وهؤلاء، لا يريدون أن يفهموا أن إسرائيل لا تعمل عندهم، ولا تهتمّ أساساً لكل ما يقومون به، إلا في حالة انخراطهم في برنامج عملها في مواجهة أعدائها في لبنان. ولذلك يصبح النقاش صعباً مع هذه الفئة من الناس، خصوصاً أن بينهم من لا يزال أسير أحقاد المرحلة الماضية، وأسير عقلية عنصرية متخلّفة تجاه بقية اللبنانيين، وهو ما يجعلهم ينادون ليلَ نهارَ بالتقسيم، ظناً بأن هذا الحل يُسهِّل لهم الحصول على مكاسب من نوع خاص.
إذا تمسّك عون وسلام بعدائهما للمقاومة، فلن يكون بمقدورهما تحقيق أيّ شيء، لا مع أميركا
ولا مع إسرائيل
واذا كانت القوى السياسية اللبنانية تتجاهل واقعاً لبنانياً قائماً، يفترض بعون كونه رئيساً للجمهورية وقائداً سابقاً للجيش، وبرئيس الحكومة المسؤول عن وزارات تخصّ كل لبنان، أن يدركا جيداً أن فكرة بناء دولة لا رأي لها في الصراع مع إسرائيل، هي ضرب من الغباء وليس من الخيال.
كما أن من يفكّر منهما بدولة «طاردة لكل جسم بشري يريد مقاتلة إسرائيل»، لا يعرف أن المُقترَح طردُهم يشكّلون اليوم الغالبية الفعّالة في هذه البلاد، بشرياً وسياسياً واقتصادياً، والأكثر تنظيماً على مستوى إدارة الجانب الاجتماعي في المجتمعات الطائفية في لبنان. وطبعاً، ليس هدف هذا الكلام إبداء الإعجاب بما يقوم به القائمون على أمور الطوائف في لبنان، ومنهم الثنائي أمل وحزب الله، لكنّه محاولة للتفسير وليس للتبرير. وبالتالي كان يُفترض بعون وسلام، قبل غيرهما، السير بحذر شديد على الطريق المتعلّق بالصراع مع إسرائيل. ويكفي تذكيرهما، بواقعيّة موجودة اليوم - للأسف - عند الأميركيين والإسرائيلين والوسطاء العرب، وغائبة عنهم، وخلاصتها أن أيّ مفاوضات جدّية تستهدف الوصول إلى اتفاق لفضّ المعركة القائمة، تحتاج إلى بحث مباشر مع المقاومة، كما تحتاج إلى توقيعها وإلى ضمانتها أيضاً.
جاءت عملية الاغتيال في قلب الضاحية الجنوبية مساء الأربعاء لتفتح الباب من جديد حول مسألة الضمانات الأميركية، وحول جدوى الرهان على الدور الأميركي. وإذا كان كثيرون، يتصرّفون وفق منطق أن أميركا هي قائدة العالم، فعليهم أن يفكّروا بواقعية، والتعامل مع أميركا بوصفها قائدة إسرائيل.
وإذا ما تمّ فهم معنى ذلك، فيكون النقاش مع الأميركيين، ليس باعتبارهم الوسيط، بل كالطرف المعنيّ مباشرة بسلوك إسرائيل في لبنان. وبالتالي، من الأجدى أن يذهب لبنان إلى تفاوض حصري مع الولايات المتحدة، وأن يتّفق معها على ملف كامل، وتكون هي مسؤولة عن إلزام إسرائيل بتنفيذه. وعندها، سيعثر لبنان في طريقه على الكثير من العناصر المساعِدة، خصوصاً لجهة المساعدة من الدول العربية والإقليمية وحتى الغربية.
اليوم، مرة جديدة، تُفتح نافذة الفرص لإعادة ترتيب البيت اللبناني بطريقة منطقية. وما يحصل فرصة ليفهم عون وسلام قبل غيرهما أنه يجب عليهما إعادة النظر في كل منظومة تفكيرهما حيال ملف الصراع مع إسرائيل. وإن بقيا مُتمسِّكيْنِ بموقفهما المعادي للمقاومة، والساعي إلى التخلّص منها، فهذا يعني أنه لن يكون بمقدورهما تحقيق أيّ نتيجة، حتى ولو ذهب الاثنان معاً إلى تل أبيب للاجتماع بقادة العدو، وليس زيارة أميركا لالتقاط الصورة مع رجل باتت غالبية قادة العالم تتجنّب مجرّد مصافحته.