الأخبار _ لحكومة توافق على سلّة تلزيمات بالتراضي والتجزئة بذريعة «الضرورة»: باب الاستنساب مفتوح لوزير الأشغال
29 نيسان 2026

الأخبار _ لحكومة توافق على سلّة تلزيمات بالتراضي والتجزئة بذريعة «الضرورة»: باب الاستنساب مفتوح لوزير الأشغال

زينب بزي

وافق مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل الموافقة على خطّة عمل طارئة وشاملة لتأهيل وفتح وصيانة الطرقات المتضرّرة جراء العدوان وإعادة إنشاء الجسور المُهدّمة. وأُقرّ هذا البند تحت طائلة «الاستعجال» و«الضرورة» و«الاستثناء»، كما يظهر من محضر القرار، ليفتح الباب أمام الشمول والاستنسابية في توسيع إطار المشاريع لتشمل إزالة الردم وردم الجور وتزفيت الطرقات وفتح طرقات وممرات بديلة وصولاً إلى إعادة إنشاء الجسور، على أن تُنفّذ التلزيمات بأدوات مفتوحة على مصراعيها ويختار منها الوزير ما يناسبه، وتبدأ بعروض الأسعار وصولاً إلى التجزئة والتراضي. لا قيود ولا ضوابط، إنما لائحة كاملة متروك لوزير الأشغال انتقاء ما يناسبه... ويناسب متعهّدي الوزارة الذائعي الصيت.

يتضمّن القرار ثلاثة محاور: إزاحة الردميات والأنقاض وفتح الطرقات وردم الجسور، تأمين مسارات مؤقّتة وتسليك الطرقات وتأهيلها وإعادة إنشاء الجسور. لا ترتبط هذه المحاور بعضُها ببعض، ولا يمكن أن تحظى كل المشاريع التي ستُدرج فيها بالصفة الطارئة والمُستعجلة، خلافاً لما ورد في القرار الذي لم يكتف بهذه الشمولية في تحديد المشاريع، إنما بشمولية موازية في آليات التلزيم والتنفيذ. صحيح أنّ وزارة الأشغال ومجلس الوزراء اعتمدا تسميتها بأنها «خطة»، لكنها بمثابة عناوين لا تُحدّد فيها الأولويات، ولا تُصنّف الأعمال وفق معيار العجلة والتأجيل، خصوصاً في ظل عدم توقّف العدوان الإسرائيلي على لبنان واستمراره بقصف الطرقات والجسور والمنشآت المدنية، فلماذا صفة الاستعجال؟ فبرغم أن تقسيم العناوين إلى محاور، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فهل يمكن إزالة الردم تحت القصف؟

وهل تشبه عمليات إزالة الردم، مع ردم الجور والتزفيت؟ إذا كانت الدولة ترغب في فتح مسالك مؤقّتّة، فلِمَ العجلة في إنشاء الممرات الأساسية؟ في الواقع، أن بعض الأعمال قد تندرج في إطار «الطوارئ» وهي وحدها التي تستدعي سرعة التنفيذ، إلا أنّه في كثير من الحالات تتولّى أعمالاً مثل هذه، جهات محلية من بلديات، جمعيات وهيئات تابعة للبلدات ولا تنتظر أي فرق من وزارة الأشغال، وهذا ما شهدناه في الحرب السابقة والحرب الحالية أيضاً. في المقابل، تأهيل الطرق أو إنشاء مسارات بديلة يحتاج إلى دراسات هندسية ولو مبسّطة، وإلى مقاربة مختلفة في التلزيم. أمّا إعادة إنشاء الجسور، فهي مشاريع إنشائية ثقيلة، يُفترض أن تخضع لمعايير تقنية صارمة، ومناقصات شفافة وتمويل واضح. لذلك، فإنّ جعل القرار مفتوحاً وشاملاً بهذه الطريقة سيؤدّي حكماً إلى نتيجة معروفة مُسبقاً: هدر وسرقة وتدنّي جودة التنفيذ. بمعنى آخر، كل نقطة من هذه النقاط تستدعي خطة مستقلة بحدّ ذاتها، وآليات تنفيذ مختلفة وأدوات رقابة خاصة بها.

الحكومة منحت وزير الأشغال صلاحية تلزيم سلّة كبيرة من المشاريع «على ذوقه»


كما أنّ القرار يلجأ بشكل صريح إلى تبنّي العقود الرضائية، تحت عنوان الضرورة والاستعجال والاستثناء. فالقرار يجيز، في أكثر من محور، اعتماد عروض أسعار أو عقود رضائية بدلاً من المناقصات، بحجّة تسريع التنفيذ وضرورة الإنجاز. غير أنّ هذا التوسّع في الاستثناء يضع التنفيذ في مواجهة مباشرة مع قانون الشراء العام، الذي حدّدت المادة 46 منه الشروط الحصرية للجوء إلى هذا النوع من التعاقد.

فالاتفاق الرضائي، ليس أداة مفتوحة، بل استثناء مضبوط بحالات محدّدة على سبيل الحصر: احتكار المورد، الطوارئ الناتجة من حدث كارثي غير متوقّع، ضرورات تقنية مرتبطة بعقد قائم، مقتضيات الأمن والدفاع، أو التعاقد مع جهات عامة. لكن حتى في الحالة الأكثر استخداماً هنا، أي «الطوارئ»، يضع القانون قيدين أساسيين: أن تكون الحالة ناتجة من حدث كارثي وغير متوقّع، وأن يكون اللجوء إلى أي وسيلة شراء أخرى غير عملي لمواجهة الوضع. أي إن الاستثناء مرتبط بضرورة آنية ومحدودة، لا بخطة واسعة أو برنامج أشغال متعدّد المحاور. في المقابل، يأتي القرار ليُسقِط هذا الشرط الجوهري، عبر تعميم صفة «الاستعجال» على أغلبية الخطة، من دون أي تمييز. وهذا التعميم يتناقض مع فلسفة القانون، التي تفرض حصر التعاقد الرضائي في أضيق نطاق ممكن، لا تحويله إلى القاعدة.

ولا يتوقّف الالتفاف عند توسيع العقود الرضائية، بل يتعزّز عبر آلية تمويل التنفيذ نفسها، أي سلف الخزينة التي اعتاد وزير المال على الاعتراض عليها والتعامل معها كأنها أداة «مكروهة»، بما تتيحه عملياً من تجزئة للأعمال. فالقرار يلحظ صراحة تنفيذ جزء من الأشغال عبر سلف خزينة تُعطى للوزارة لتأمين التدخّل العاجل، وهي أداة استثنائية في الأصل، يُفترض استخدامها ضمن نطاق ضيّق ومحدّد لتغطية نفقات عاجلة لا تحتمل التأخير.

غير أنّ خطورة هذه الآلية لا تكمن في السلفة بحدّ ذاتها، بل في كيفية استخدامها، إذ يتيح القرار عملياً تفكيك المشاريع إلى أجزاء صغيرة، يُموّل كل منها بسلفة منفصلة أو بقرارات متلاحقة، ما يحوّل المشروع الواحد إلى سلسلة من الأعمال المجتزأة.

و«تجزئة السلف» ليست تفصيلاً إدارياً، بل مدخل أساسي للالتفاف على قواعد الشراء العام، إذ تنصّ المادة 123 من قانون المحاسبة العمومية (المرسوم الرقم 14969/1963) على منع تجزئة النفقة بهدف تفادي إخضاعها لأصول المناقصة العمومية، باعتبار أن التجزئة، في هذه الحالة، تُعدّ وسيلة للالتفاف على قواعد الشفافية والمنافسة. الأخطر أن هذا المسار يطيح بمبدأ وحدة المشروع، الذي يشكّل أحد الأسس في إدارة الإنفاق العام. فبدلاً من مقاربة الطريق أو الجسر كمشروع متكامل من حيث التصميم والكلفة والتنفيذ، يجري التعامل معه كسلسلة مقاطع أو مراحل منفصلة، ما يصعّب الرقابة، ويُضعِف القدرة على ضبط الكلفة الإجمالية.

وبذلك، تتكامل آليتان في الاتجاه نفسه: توسيع العقود الرضائية من جهة، وتجزئة التمويل عبر السلف من جهة أخرى. النتيجة ليست فقط تسريع التنفيذ كما يُقال، بل إعادة تشكيل الإنفاق العام خارج منطق المنافسة والشفافية، وتحويل مشاريع البنية التحتية إلى مجموعة تعاقدات مجزّأة، يسهل توزيعها وإدارتها بشكل استنسابي.

إذاً هذه الخطة «السريعة» لا يمكن أن تُعتبر استجابة طارئة بقدر ما هي إطار مفتوح للهدر بحجّة الطوارئ. فحين تُترك المشاريع بلا تحديد، وتُجزّأ الأعمال إلى سلف متفرّقة، وتُوسّع العقود الرضائية على حساب المناقصات، يصبح «الإعمار» عنواناً وهمياً لآليات تعيد إنتاج اختلالات الماضي. هذا كلّه هيّن أمام حقيقة أنّ «الحرب لم تنته بعد»، فعن أي تأهيل وإعمار يتحدّثون؟

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen