الأخبار _ الأمم المتحدة أيضاً تُسيِّس ملف النزوح: انتقاد الحكومة ممنوع!
ندى أيوبالأمم المتحدة تعطي توجيهات لموظفيها بتجنّب انتقاد استجابة الحكومة اللبنانية لأزمة النزوح، في تسييس واضح لقضية إنسانية
يبدو أن تسييس أزمة النزوح لا يقف عند بعض القوى السياسية في لبنان، بل يتخطّاه إلى الأمم المتحدة نفسها. فوفقاً لمعلومات «الأخبار»، أعطت أعلى سلطة أممية معنية بمجال الاستجابة في لبنان «توجيهات وإرشادات» للموظفين الأمميّين العاملين في مجال إغاثة النازحين «بتجنّب انتقاد استجابة الحكومة اللبنانية، على مستوى الخطط والقرارات، كما على مستوى مسار الأمور على الأرض».
والحجة أن «حكومة نواف سلام تواجه انتقادات شعبية فعلية على خلفية اتهامها بتنفيذ أجندات أجنبية، وأي انتقادٍ لها من قبلنا (أي هيئات الأمم المتحدة المعنية بالإغاثة والموظفين فيها) سيظهر وكأننا نقف مع الشعب ضد حكومته». كما في كل مرّة، تختبئ الأمم المتحدة خلف ستار «الحياد» كي يسهل عليها تسييس القضايا، والانحياز إلى طرفٍ دون آخر، وخرق ما ترفعه هي من مبادئ، ولا سيما الشفافية والمراقبة والمساءلة، وحفظ حقّ الإنسان، خصوصاً في الأزمات، بالوصول إلى المساعدات بطريقة عادلة.
خطورة التوجيهات هذه تكمن في أكثر من مستوى. فهي تحاول إلزام الموظفين الأمميين بعدم إظهار التجاوزات والأخطاء المُرتكبة من قبل الحكومة ووزاراتها وأجهزتها المعنية بالاستجابة، حتى ضمن الأطر الداخلية التي يرفعون عبرها تقاريرهم بالملاحظات والتحدّيات والصعوبات على صعيد الأداء والتنفيذ من قبل الجهات الرسمية اللبنانية. وهي ملاحظات يصل إليها الموظفون إمّا نتيجة التفاعل مع الوزارات، وإمّا عبر الجمعيات الشريكة في التنفيذ على الأرض، وإمّا من مستندات يحصلون عليها ومعطيات موثّقة لديهم حول كل ما يجري تحت عنوان الاستجابة للنزوح.
يعني ذلك خسارة آلية المتابعة والمراقبة ولاحقاً المُساءلة، كون تلك العمليات ترتكز بجزء أساسي منها على تقارير الموظفين المنفّذين لبرامج الاستجابة. وهو الأمر الذي سيضرب مصداقية أي تقييم للأداء الحكومي سيحصل بعد انتهاء عمليات الاستجابة، إذ إن جميع الاستجابات المنسّقة عبر الأمم المتحدة يتم تقييمها واستخلاص الدروس المستفادة منها، كما حصل بعد عدوانَيْ 2024 و2006.
أساساً، الشكوك حول دقّة ما سيصدر من تقييم بدأت من اليوم، مع تعمّد إسكات الموظفين، وتغييب وثائق يمكن الركون إليها في عمليات التقييم، من قبل الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية بصفتها المنسّقة لخطة الطوارئ.
الحماية السياسية الأممية لحكومة نواف سلام والوزيرة حنين السيّد، سبقتها حمايات إعلامية، من جسمٍ إعلامي لبناني بغالبيته لم يُقارب ملف النزوح من زاوية استجابة الحكومة، وعندما تطرّق إليها في مرات نادرة، تطرّق إيجاباً بصفته جزءاً من ماكينة الدعاية للحكومة، التي تأخذ خيارات سياسية لطالما روّجت لها غالبية الإعلام اللبناني.
توجيهات الأمم المتحدة لموظفيها ستضرب مصداقية أي تقييم للأداء الحكومي
هذا الجسم الذي عرّته الحرب، يُعرّيه مجدّداً تنازله عن دوره الرقابي والنقدي حيال إدارة الحكومة لملف النزوح. في الوقت نفسه، يُردُّ على أي نقدٍ للحكومة، رغم اقترانه ببيانات وأرقام تؤكد التقصير وتُشرّع الشكوك، بأن خلفيته سياسية، للتشكيك فيه. والآن، تأتي توجيهات الأمم المتحدة لتُثبِت شُبهةَ تسييس ملف إنساني كالنزوح، والسبب تماهي سياسة الحكومة مع أجندات كبار المانحين من دول واتحادات وحكومات غربية.
بالانتقال إلى واقع الأرض، فإن بعض المعطيات تُظهِر العلاقة القائمة على المصالح المتبادلة بين جمعيات بهوى سياسي محدّد ومسؤولين عن ملف النزوح، إذ حصلت جمعيات أصحابها من المدافعين عن خطة استجابة الحكومة، وهم أساساً من الجو السياسي الداعم لرئيس الحكومة، على حصص غذائية وصلت إلى لبنان في إطار المساعدات الدولية، وتمّ توزيعها باسم جمعياتهم إلى عائلات نازحة في البيوت. في المقابل، لا تزال السيّد تطلب من الجمعيات الراغبة بالعمل مع النازحين في البيوت، انتظار آلية تعمل على وضعها، إضافةً إلى الانتهاء من التدقيق في ملفات العائلات التي سجّلت بياناتها، ونجاح مساعيها في تأمين التمويل لمساهمات مالية لهذه العائلات.
فهل للرأي العام (النازحون جزء منه) أن يعرف ما هو الأساس الذي تمّ عليه اختيار جمعيات دون أخرى لمنحها حصصاً غذائية توزّعها باسمها على الناس؟ كم عددها؟ لماذا لم تنشر الوزارة بشكل رسمي أسماء الجمعيات التي سلّمتها حصصاً غذائية وغيرها من المساعدات، مع ذكر النوع والعدد المُعطى لكل جمعية وتاريخ التسليم؟ وهل دقّقت الوزارة في العائلات التي استهدفها توزيع الجمعيات، طالما أن السيّد حريصة جداً على التدقيق في ملفات العائلات قبل إعطائها دولاراً واحداً أو حصة غذائية؟
هذه المعلومات وغيرها، هي حق اللبنانيين على الوزيرة حنين السيّد احترامه، ونشر كل تفصيل يرتبط بتوزيع المساعدات، ما يخوّلنا - وهو حقّ في إطار الرقابة على عمل السلطة - تحليل ومعرفة ما إذا كانت هناك جمعيات محظية كما يُحكى، وما إذا كان هناك تعويم لجمعيات ذات هوى سياسي أو تربطها علاقات بالسيّد أو سلام أو غيرهما من المسؤولين عن خطة الاستجابة.
مساهمات مالية من السيستاني إلى النازحين
بتوجيه من المرجعية الدينية في النجف السيد علي السيستاني، بدأ إرسال مساهمات مالية إلى العائلات النازحة، بقيمة 200 دولار للعائلة المكوّنة من أربعة أشخاص فما دون، و300 دولار للعائلة المُكوّنة من خمسة أشخاص فما فوق. وبحسب التقديرات المبنية على عملية الجرد والتدقيق والفرز، فإن المساهمة ستشمل حوالى 70 ألف عائلة. ومن المُفترض وصول المساهمة على شكل دفعات لعدة آلاف من النازحين يومياً، وسط توقّع أن تنتهي كلياً في عشرين يوماً. كما أن وصول المساهمة إلى مستحقيها سيستمر حتى نهايتها بغضّ النظر عن استمرار حالة النزوح أو انتهائها. وكان مكتب السيستاني قد أطلق استمارة إلكترونية لقبول الطلبات، وبعد فرزها وتدقيقها، بدأ إرسال المساهمات إلى مستحقيها تباعاً عبر رسالة إلى هواتف مقدّمي الطلبات من شركة تحويل مالي، على أن يتسلّمها المستفيد نقداً من وكيل تابع للشركة.