بين إجراء الانتخابات النيابية وتأجيلها من المستفيد؟
كَتب المُحرّربات تأجيل الانتخابات النيابيّة عن موعدها المقرّر في 10 أيّار المقبل أمرًا ممكنا، بعدما كشفت معطيات وتسريبات واتصالات أن ثمة ضغوطًا خارجية تمارس بقوة في هذا الشأن من قبل سفراء اللجنة الخماسية. وعليه يصير التساؤل عن الفترة الزمنية التي سيُمدّد فيها لمجلس النواب الحالي، والسيناريو الملائم الذي سيُعتمد ليكون المخرج لهذا التأجيل؟.
هل التأجيل حتمي؟
في الآونة الأخيرة حصلت معطيات وتطورات حفلت بها السّاحة اللبنانية، جعلت من مسألة تأجيل الانتخابات النيابية أمرًا حتميًا، أولها تقاعس المرشّحين وقلّة حماستهم في تقديم طلبات الترشّح الخاصّة بهم، إذ أنه وبعد إعلان وزير الداخلية فتح باب الترشّح في 10 شباط الحالي، لم يتقدّم بالترشّح إلا قلة قليلة لا تتجاوز 30 شخصًا، مع أنّ باب الترشّح يُقفل في 10 آذار المقبل.
المُعطى الثاني، وهو أن الكلام عن التمديد للمجلس النيابي لم يعد يدور همسًا في الأروقة والمجالس المغلقة، ولا على شكل تسريبات وعمليات جسّ نبض أو مجرد أمنيات كما كان يحصل في السابق، بل انتقل إلى مواقف علنية واضحة يقودها على وجه الخصوص سفراء اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة، السّعودية، فرنسا، مصر، قطر).
وسيناريو التأجيل تواصل، عندما لفتت جريدة "الأخبار" منذ أيام إلى أنّ رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والنوّاب نبيه برّي تلقّيا، للمرّة الأولى، طلبات مباشرة فرنسية- سعودية بالتمديد للمجلس النيابي وتأجيل الانتخابات سنة واحدة على الأقل، وأنّ مستوى الضغط ارتفع من جانب السّعودية بعد قرار الرئيس سعد الحريري خوض الانتخابات.
لماذا التأجيل؟
لم يعد خافياً أنّ من يطالبون بتأجيل إجراء الانتخابات، هم أميركا والسعودية وفرنسا ومن يمتثلون لأوامرهم في الدّاخل، يتعاملون مع الأمر على أنّه يصبّ في مصلحتهم. لأنّ إجراء الانتخابات في موعدها لن تُغيّر في المعادلة الدّاخلية شيئاً، خصوصاً بما يتعلّق بشعبية الثنائي الشّيعي، وتحديداً حزب الله، وهو أمر لا يتلاءم مع مصالح الدّاعين إلى التمديد، الذين يأملون أن يكون التأجيل فرصة لإضعاف شعبية الحزب وإحداث خرقٍ في صفوف قاعدته لمصلحة خصومه، وليس منحه مجددًا شرعية شعبية وسياسية، تكرس حضوره داخل مؤسسات الدولة.
كما إن نتائج المواجهة مع حزب الله لم تُترجم على المستوى السياسي والشعبي كما كان يُفترض. وبخلاف ذلك؛ في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعجز الدبلوماسية اللبنانية عن لجم "إسرائيل"، أصبحت بيئة المقاومة أكثر تمسكًا بمواقفها اتجاه مسألة مشروعية السلاح وأحقية الدفاع عن نفسها.
والمؤشر الأكبر للتأجيل، وفقًا للمعطيات، هو أن واشنطن والرياض، يريدان معالجة ملف سلاح حزب الله قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع ومحاولة إضعافه سياسيًا وشعبيًا تمهيدًا لتغيير المزاج داخل بيئته.
وفي الآونة الأخيرة برز مؤشر خطير أربك صفوف "أتباع الوصاية" الأميركية السعودية، و"خربط" حساباتهم على كلّ المستويات، وهو حدث إعلان الرئيس سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده في 14 شباط الجاري، نيّته وتيّار المستقبل خوض الانتخابات النيابيّة.
من المستفيد من التأجيل؟
يبدو أن حزبي "القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" من أكثر القوى الداعمة إلى خيار التمديد، وفقًأ لما تؤكده أوساطهم في الكواليس، مع أن هذا الموقف لا يظهر في خطابهم العلني الذي يحرص به مسؤوليهم على تقديم أنفسهم أنهم المدافعون عن احترام المهل الدستورية.
وفي هذا السياق، تتوقف "القوات" و"الكتائب" عند إشكاليتين عالقتين لديهما: مسألة المغتربين وحصر السلاح. حيث قال رئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل: "كي تكون الانتخابات النيابية حرة ونزيهة يجب أن ينتهي حصر السلاح قبلها". في حين تبدو "القوات" أكثر صرامة في "تعديل قانون الانتخاب فورًا للسماح لغير المقيمين بالاقتراع للنواب الـ128، بدلاً من 6 نواب"، كما صرّح رئيسها سمير جعجع.
ووفق المعلومات، فإن معظم نواب التغيير يميلون إلى خيار التأجيل. إذ يعتقدون أن إجراء الانتخابات في موعدها قد لا يضمن عودتهم إلى المجلس، خاصة بعد اعلان الرئيس سعد الحريري خوض حزبه تيار "المستقبل" الانتخابات في جميع المناطق.
على المقلب الآخر، قال الرئيس برّي، إنّ: "من يريد تأجيل الانتخابات عليه أنْ يتحمل مسؤولياته، ولا يرميها على الآخرين".
المفارقة بعد كل ذلك، أنّ جميع من كانوا يعلنون، حتى الأمس القريب، وعلى رأسهم سفراء اللجنة الخماسية وأعوانهم من اللبنانيين، أنّ الانتخابات خط أحمر، ذهبت معهم تلك الخطوط، وصارت السيادة الوطنية التي طالما نادوا بها، تُستحضر في البيانات وتغيب عند أول اختبار فعلي، وفق ما تقتضيه مصالحهم.