لبنان القيادة الوطنية والهوية الجامعة
15 شباط 2026

لبنان القيادة الوطنية والهوية الجامعة

كَتب المُحرّر

جهاد وتضحية ووفاء؛ صفات غالبًا ما تطلق على قادة يصنعون التغيير في كل أمة وجماعة، فليس كلُّ شهيدٍ مؤسسًا، ولا كل دمٍ يملك القدرة على التحوّل إلى طريقٍ تاريخيّ يتبعه الأجيال من بعده.
في بلد، مثل لبنان، والذي تتقاذفه الأقدار يمنيًا وشمالاً، وما يزال يعاني لتحديد أطر هويته الخاصة واتجاه ثقافته العامة، تقف قامات شامخة حفرت عميقًا في أرضه أطرًا واضحة لتأسيس هوية جامعة مانعة، لو أن "الإرادات" اللبنانية اتحدت في رؤية المسار والمصير..
في يوم القادة الشهداء، السادس عشر من شباط، لا اعتقد بحصريته في فئة واحدة من اللبنانيين، أراه يوما يجسد معاني القيادة الحقيقية المؤثرة في كل فئة من النسيج اللبناني المعقد والفريد في آن.

شهد لبنان، منذ تأسيسه في العام 1920 عندما سمي بــ"لبنان الكبير"، عددًا من القيادات الفذة من مختلف الطوائف، والتي أسهمت في بلورة ثقافة المواجهة أمام هيمنة الاستعمار الغربي - الفرنسي، والذي راح يؤسس لثقافة ما بعد كونيالية- فرنكوفونية في لبنان، يضمن معها بقائه وجدانًا ولغةً قبل رحيله العسكري النهائي وتسلطه المباشر في قيادة "لبنان الكبير".

وعت تلك القيادات خطورة استمرار المشروع الغربي في بلدنا؛ لا سيما في ظل إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة المجاورة للبنان من جهته الجنوبية؛ حيث يختلط المسيحيون مع المسلمين الذين نالوا نصيبهم من أذى الكيان الاستيطاني المسمى "إسرائيل".
بعض تلك القيادات المتصدية، والتي يمكن أن نسميها اليوم "المقاومة"، أيضًا، كانت تشكل دعامة أساسية أمام قيادات أخرى حملت نهجًا مغايرًا مواليًا لهذا الغرب الاستعماري- الكونيالي.
بعض قيادات هذا النهج مارست دورًا أدبيًا وثقافيًا- فكريًا؛ لتزيح منظومة القيم العربية والإسلامية المؤسسة لهوية المنطقة عمومًا، في المشرق العربي تحديدًا، حتى قبل انهيار السلطنة العثمانية.

بعد انهيار السلطنة العثمانية؛ تفككت البنى السياسية في العالم الإسلامي وتقزمت هوية العالم العربي، بفعل التناقضات الداخلية؛ مثل العزلة والجمود الفكري والصراعات الطبقية ذات الصراع العامودي في كل دولة، وبفعل التحديات الخارجية، مثل الغزو الغربي وعمليات الأوربة تحت هدف الهيمنة للمركزية الأوروبية. 

اعتمد المستكبرون، من ضمن ما اعتمدوا عليه، على قوة أساسية. هي الحركات الأدبية المرتبطة بالأقليات، والتي أثرت في مستوى النتاج الأدبي والفكري مع بعض الأدباء اللبنانيين، لا سيما الذين ترعرعوا في الغرب في الولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية، والذين بدل أن يستنهضوا مجتمعاتهم لبناء أوطانهم في سياسة عملية مستقلة ذات سيادة حضورية؛ كانوا أدوات حركية في التعصبات الطائفية والمذهبية.
لا أدل على ذلك من الحركات الأدبية والسياسية المرتبطة بالحركة الفرنكوفونية الفرنسية ذات الهدف الرئيس نحو اتجاهات قومية برؤى غربية تعزز حضور خصوصيات الأقليات مع استبعاد الخصوصيات الجامعة، ومنها اللغة العربية، ثم تحولت إلى حركات مسلحة إلى جانب المشروع الصهيوني.

تحول عدد من هذه الجمعيات الأدبية إلى حركات سياسية بدأت تهاجم وتحارب السلطنة العثمانية؛ حتى تمكّن الغرب بعد الحرب العالمية الأولى من تجزئتها إلى دويلات.

لنعود إلى تلك القيادات، والتي بعدما استقر الوضع السياسي في لبنان برزت في مواجهة التحدي للمشروع الإسرائيلي. لقد كان لحضور هذا الاحتلال شأن مهم، في "مؤتمر بال" في سويسرا، في العام 1897، تحت عنوان "مشكلة لبنان الجنوبي"، حين نص في المؤتمر على أنه- أي الكيان الصهيوني- سيواجه بعد احتلال فلسطين معضلة خطرة أسموها "لبنان الجنوبي"؛ حيث رسم له أن يكون جزءًا من "دولة عبرية" تشكل المطرقة للتخلص من القيادات، والمنظمة تحديدًا، والتي تناهض وجود هذه "الدولة" الهجينة.
من هنا؛ كان المعيار الحاسم في الحركات الوطنية اللبنانية للاتجاه نحو المواجهة المسلحة.

هذا، بالطبع، لا يقلل من شأن القيادات اللبنانية الأخرى غير المنظمة- تعرف في علم الاجتماع بالقيادات غير المباشرة- والتي أسهمت بالفعل في تأسيس حركة وعي رائد في بلورة المواجهة المسلحة خيارًا لا بد منه إزاء هذا الاستيطان السرطاني في جنوب لبنان. ما يبرهن على ذلك هو التوحد السريع لحركات وأحزاب الجبهة الوطنية عندما بدأت ملامح الاجتياح الإسرائيلي باتجاه احتلال بيروت العاصمة.
وجود هذه القيادات كان نعمة إلهية خصّ الله بها لبنان؛ إذ إن القيادة ضرورية في كل جماعة صاحبة أصيلة لأرضها تريد أن يكون لها كيان له مشروعيته وسيادته الخاصة. لتحقيق هذا الكيان لا بدّ من تنظيم وتوجيه جهود الجماعة.
هذا لا يتأتى إلا بالقيادة التي تعمل على تكتل الجهود وتضامن أفراد الجماعة ووحدة شعورهم لتحقيق أهدافها. 

قبل مرحلة الاستيطان الصهيوني الفعلي في فلسطين المحتلة واحتلال الجنوب اللبناني، برزت قيادات وقامات لبنانية ذات اهتمامات متنوعة؛ من أدبية وفكرية وسياسية.
نستذكر في هذا المجال علمين بارزين؛ هما: انطوان سعادة مؤسس الحزب القومي الاجتماعي ورئيسه، والمفكر شارل مالك. الأول حفر بتضحيته حين استشهاده وعيًا جديدًا ومائزًا نصّب نفسه حاميًا لمقدرات الأمة؛ لا سيما أن "سعادة" من الأوائل الذين كشفوا خطورة المشروع الصهيوني في منطقتنا، وتداعيات احتلال فلسطين؛ فنبه مبكراّ قبل فصل جبل لبنان عن سوريا الكبرى إلى: "إن إنقاذ فلسـطين هو أمرٌ لبنانيّ في الصميم، كما هو أمرٌ شاميّ في الصميم، كما هو أمرٌ فلسطيني في الصميم.

إنّ الخــطر اليهودي على فلسـطين هو خـطرٌ على سورية كلّها، هو خطـر على جميع هذه الكيانات". الثاني هو الدبلوماسي والسياسي، والذي كان لديه النظرة النقدية العميقة للصهيونية والاستعمار؛ محذرا برؤية استشرافية، في العام 1949، بأنّ إسرائيل ستستعطف الغرب، وتصبح حجر الزاوية في اقتصاده وثقافته في الشرق الأدنى، منتقدًا اعتماد الغرب على القوة الحاسمة بدلاً من المبادئ.

آمن مالك بـالقاعدة اليونانية اللاتينية في الغرب، وعمل على تعزيز الثقافة الكلاسيكية وحرية الفكر والضمير، وهو ما تجلى في صياغته للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
كما دعا إلى أن يكون لبنان جسرًا ثقافيًا مع الغرب من دون التفريط في استقلاله، فبرأيه النهضة العربية يجب أن تستفيد من التطور الغربي في الفكر والتكنولوجيا، لا أن تكون مملوكة لها أو تابعًا.

 كما برز رجال وطنيون آخرون؛ أمثال عبد الحميد كرامي في طرابلس، وبطرس البستاني في بيروت الذي شدد على الوحدة السورية، وندد بالإقليمية الانفصالية والعصبية الطائفية وغير ذلك من العقبات التي تعترض تحقيق هذه الوحدة؛ لتتأسس بعد ذلك الجبهة الوطنية.
يمكن بعجالة تعداد بعض الحركات الوطنية التي مارست دورًا مؤثرًا في لبنان المتحدي للاحتلال: الحزب الشيوعي اللبناني، منظمة العمل الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حركة الناصريين المستقلين والتنظيم الشعبي الناصري.

تبلورت، في مرحلة لاحقة، أحزاب لبنانية عملت انطلاقًا من منظور عملاني، في عملية المقاومة للاحتلال، بقيادة الإمام المغيب السيد موسى الصدر، والتي انبثق عنها حركة أمل وأفواج المقاومة اللبنانية، ثم حزب الله؛ لاقته أيَضًا قيادات وطنية، منظمة وفردية، إذ يمثل الرئيس الراحل سليم الحص البيروتي العريق والمخضرم والمقاوم، والذي تولى منصب رئيس الحكومة خمس مرات في حياته، النموذج الأبرز في التصدي للسياسات المرتهنة للخارج الهادفة الى تحويل لبنان تابعًا للعصر الإسرائيلي.

كما لا ننسى الرئيس إميل لحود المسيحي العريق والمخضرم والمقاوم، والذي تولى منصب رئيس الجمهورية مرتين، كيف كان يُغضب الأميركيين والموالين لهم في سياساته وإدارته للبلد.
قويَ ظهر المقاومة الإسلامية، والتي يمثلها حاليًا حزب الله، بمواقف هذين الرجلين الكبيرين اللذين لن ينسى تاريخ لبنان دورهما ومواقفهما المشرّفة.

هو ما يزال؛ ينتهج الخيار المسلح مستفيدًا من رؤى تلك القيادات السابقة كلها، المنظمة والفردية، متعلمًا من تجاربهم التاريخية، ليقدم بدوره على مذبح الوطن قادة شهداء، أمثال الشهيد عماد مغنية: "التي تقاتل فينا هي الروح"، وقبله الشيخ راغب حرب وموقفه الشهير:"الموقف سلاح والمصافحة اعتراف"، وبعده السيد عباس الموسوي؛ حين قال "سقطت إسرائيل"، ليتوج هذه التضحيات مع شهادة القائد الأسمى السيد حسن نصرالله ورفيق دربه السيد هاشم صفي الدين..

لن تنتهي سلسلة القادة الشهداء، ونحن نحتفل اليوم، بذكرى استشهاد بعض من مرّوا في تاريخ لبنان..هذا الوطن الصغير، والذي ما يزال يحيّر العالم في قدرته على مناهضة المشروع الاستعماري الإمبريالي الأكبر في منطقتنا، متحديًا الصعاب كلها، واقفًا شامخًا وإن قلً النصير، في زمن يتكالب فيه العالم كله على حركات المقاومة، وما تمثله من ثقافة حرة متحررة من الاستعباد للاستكبار العالمي.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen