هل من السهل أن يسقط النظام في إيران؟!
30 كانون الثاني 2026

هل من السهل أن يسقط النظام في إيران؟!

كَتب المُحرّر

لا يُخفى على المتابع لتاريخ إيران الحديث، أنها تعرضت على مدى 47 عامًا للعديد من المؤامرات الخارجية، من أجل إخضاعها. لم يتقبّل الغرب يومًا، وعلى رأسه الولايات المتحدة، وجود نظام حدّد هويته الوطنية منذ اللحظة الأولى لقيام جمهوريته الإسلامية، وأصرّ على التحرر من قبضة الهيمنة الخارجية، ورفضه التدخل في شؤونه من أيّ جهة كانت، واتباعه نهجًا سياسيًا مستقلًا، وسحبه الاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب، ودعمه للقضية الفلسطينية، وحق شعوب المنطقة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الأمر، وضع النظام الإسلامي الإيراني وجهًا لوجه أمام الغرب وتحديدًا أميركا، التي لم تتقبّل يومًا وجود نظام "متمرّد" يرفض التبعية كهذا في غربي آسيا، حتّى لا تنتقل عدواه إلى دول في المنطقة تدور في فلكها، مما يؤثر على مصالحها الإستراتيجية. ومن أجل ذلك، ما تركت واشنطن وسيلة قذرة إلا واستعملتها في وجه إيران، تارة بإشعال الحروب والفتن ودعم المعارضين وتحريض المحتجين وتغذية النعرات الطائفة والإثنية واللعب على وتر القوميات وزرع شبكات تجسّسية، وتارة أخرى بمحاصرتها اقتصاديًا بفرض عقوبات مالية وتجارية عليها ومع من يتعامل معها. ورغم كلّ هذه الضغوطات الهائلة، ظلّت إيران صامدة ولم ترفع راية الاستسلام.

لكن أمام وصول تلك الحشود العسكرية الأميركية الضخمة إلى الشرق الأوسط، والتهديد بشن حرب مدمرة عليها، هل ستسقط إيران ومعها النظام لو نفذ الرئيس الاميركي دونالد ترامب تهديداته؟.

تركيبة النظام 

إن تركيبة النظام الإيراني معقّدة للغاية، إذ تتداخل فيها عدة عوامل داخلية، قومية ودينية ووطنية، تجعل منه مُحصّنًا وليس من السّهل على الأعداء تفكيكه، والتجارب الماضية أثبتت ذلك؛ فالشّعب الايراني معروف عنه، سواء أكان مؤيدًا للنظام أو معارضًا له، أنه في حال تعرّض لغزو خارجي، يتناسى كلّ مشاكله السياسية ويتكاتف مع بعضه البعض دفاعًا عن قوميته وسيادته الوطنية. والمُطّلع على الإرهاصات الأولى التي أشعلت فتيل الثورة الإسلامية في شباط 1979، يدرك أنّ أحد الأسباب الجوهريّة لسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي آنذاك كان مسألة استرداد السيادة الوطنية، التي تحوّلت إلى رهينة لتلبية المصالح الأميركية والبريطانية.

وبعد انتصار الثورة، سارع آية الله الخميني إلى رسم ملامح الدولة الجديدة، مرتكزًا إلى مبدأ سيلازم إيران في سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو أولوية الحفاظ على الجمهورية الإسلامية، بوصفها الإطار السياسي والعقائدي للثورة، وعلى المبادئ التي قامت عليها. ومن أجل حماية هذا الهدف، أسّس الإمام الخميني قوة خاصة لحراسة الثورة من أعدائها في الداخل والخارج عام 1979، أطلق عليها اسم "حرس الثورة الإسلامية"، ودعمها بقوة شعبية كبيرة أسسها في آواخر العام نفسه، أسماها "الباسيج" أي التعبئة أو الحشد، وهي قوات شعبية شبه عسكرية من المتطوعين (ذكورًا وإناثًا) تعمل كقوة أمنية داخلية، وتشارك في الأنشطة الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وهدفها الأول حماية النظام كـ "جيش من عشرين مليون"، وفي حال تعرّضت إيران لغزو خارجي تساند "الباسيج" الحرس والجيش في القتال.

وقد اشترط الإمام الخميني للانضمام إلى هاتين القوتين، الالتزام العقائدي بمبدأ ولاية الفقيه وهنا تكن قوّة النظام، في أنه لو تعرّضت البلاد لغزو أو حرب، يصبح من واجب كلّ مواطن أن يدافع عن النظام وعن البلاد كونه القائد الأعلى للسلطة السياسية والدينية. هذا من ناحية، أما ناحية ثانية لو لم يكن الشخص يتبع للولي ويعارضه في التوجّه، فإنه في وقت الشدائد يتناسى الشعب كلّ مشاكله ويصبح كالبنيان المرصوص في مواجهة الأعداء.

وبالفعل هذا ما حصل مؤخرًا حين بدأت الاحتجاجات بسبب هبوط سعر صرف الريال، والتي تحوّلت بسرعة إلى أعمال شغب وقتل وحرق للممتلكات، وتبيّن أن هناك عناصر مندسّة تعمل بتوجيهات من أميركا و"إسرائيل" هدفها تأجيج الوضع، اصطفت المعارضة مع الموالاة بسرعة، ونزل الشعب بكافة شرائحه في مظاهرات عمّت جميع المدن دفاعًا عن السيادة الوطنية أولًا، وعن النظام وقائدهم ثانيًا، خاصة بعدما هدّد ترامب باغتيال اية الله علي الخامنئي، ما أدى إلى نتائج عكسية أفشلت مخطّطات الأعداء. وحتّى لو بالفعل حصل الاغتيال فهو لا يزيدهم الا قوة وعزيمة، لأن العقيدة الدينية والانتماء الوطني هما من يحركانهم، والأمثلة كثيرة على ذلك، فوفاة الإمام الخميني والرئيس السيد إبراهيم رئيسي وقبلهما الرئيس الشهيد محمد علي رجائي، لم تؤثر في قناعاتهم.

وإلى جانب النفوذ الذي يتمتع به الحرس، نشأت مؤسسات أخرى، أوكلت إليها مهام متباينة في ظاهرها، لكنّها تتقاطع جميعًا عند وظيفة واحدة: حماية مكتسبات الثورة وضبط مسار النظام. ومن أبرز هذه المؤسسات: مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور. وهاتان المؤسّستان، إلى جانب القوات المسلحة والسلطة القضائية، تنتهي في نهاية المطاف، إلى مرجعية واحدة، هي شخص القائد الأعلى، الولي الفقيه. ومن خلال هذا البناء المؤسسي المتشابك، تشكّلت ما يمكن تسميته بـ"الدولة العميقة" في إيران، وهي الدولة التي لم تكن مجرد ظل للدولة الرسمية، بل عمودها الفقري، وحصنها المنيع، على امتداد ما يقرب من سبعة وأربعين عامًا.

العقوبات سلاح الترهيب الفاشل

شكّلت العقوبات الأميركية في كثير من مراحلها، جزءًا ثابتًا من معادلة الصراع بين طهران وواشنطن، وقد تعامل النظام الإيراني معها بوصفها هجمة شاملة، لا تستهدف اقتصاده فحسب، بل بنيته السياسية والثقافية والدينية أيضًا، فتداعى بجميع مؤسساته لمواجهتها، معتبرًا أن الهدف منها ليس تعديل سلوك النظام، بل إخضاعه بما يتناسب مع مصالح الإدارة الأميركية.

وبعد دخول ملفي النووي السلمي والصواريخ الباليستية على خط الصراع، تحولا إلى الذريعة المركزية لتوسيع نطاق العقوبات، ورفع سقوف الضغط، بهدف دفع طهران إلى التخلي عنهما. في المقابل، نظرت إيران إلى هذين الملفين بوصفهما مسألة سيادية تمس جوهر الكرامة الوطنية، على نحو يذكّر بتجربة تأميم النفط في عهد محمد مصدق، التي انتهت كما هو معروف بإطاحته عام 1953.

في المقابل، كلما تصاعد العداء الأميركي واشتد سلاح العقوبات، بذريعة هذين الملفين، كلما أبدت إيران مزيدًا من التصلب. لا لأنّ العائد الاقتصادي للتقنية النوويّة يبرر هذا الإصرار، بل لأن القيادة الإيرانية، ترى أنّ أي تراجع في هذا الملف لن يكون سوى بداية لمسار تنازليّ، سيفتح الباب أمام ضغوط جديدة تطال الملف الصاروخي، ثمّ النفوذ الإقليمي، ثمّ في نهاية المطاف طبيعة النظام نفسه. وهذا بالفعل ما يحصل اليوم.

في المحصلة، الإيرانيون منذ عام 1979 يدركون جيدًا بوعيهم وحسّهم وانتمائهم العميق لقوميتهم ودينيهم ووطنهم، ما تريده واشنطن و"تل أبيب" منهم. لذلك صمّموا على الدفاع عن بلدهم، وعدم الخضوع لأي قوة خارجية مهما علا شأنها، وهم رغم معاناتهم الشديدة من العقوبات، لم ييأسسوا، إذ إنّ تجاربهم المريرة مع أميركا، عزّزت في داخلهم إرادة التحدي، والصبر، والصمود حتّى النهاية، وإنْ حُشدت ضدّهم أكبر أساطيل العالم وشنّت أقوى الحروب، لا استسلام ولا رضوخ في قاموسهم حتى لو بقي منهم طفل واحد.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen