التصعيد الإسرائيلي ومواقف السلطة: الى متى السكوت؟
23 كانون الثاني 2026

التصعيد الإسرائيلي ومواقف السلطة: الى متى السكوت؟

كَتَبَ المُحرّر

جاء التصعيد الإسرائيلي الأخير في الجنوب ليرسم مسارًا جديدًا، في أن العدو يسعى إلى تثبيت مكاسبه الميدانية والسياسية، مستفيدًا من التنازلات التي يُقدّمها لبنان الرسمي طوعاً عبر فرض مشروع جديد بقوة النار يستهدف لبنان كلّه، لا المقاومة وحدها. فبالنسبة إلى الكيان الصهيوني ما كُتب قد كُتب، ولا تُجدي معه تنازلاتٌ من هنا أو "ميكانيزمات" من هناك.
 
لذلك بات من الواضح، أنه كلّما رفعت السلطة الحاكمة في لبنان شعار "خيار التفاوض" لاحتواء موجات التصعيد الإسرائيلي المتتالية، وقدّمت تنازلات مجانية، كلّما استفحل طيران العدو بشن ضربات أكبر وأوسع، معظمها تستهدف بيوت المدنيين الآمنين. وكأن مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام الأخيرة، في التأكيد على المضي في "نزع السلاح غير الشرعي"، من دون المطالبة بأي مقابل من العدو الإسرائيلي، ولو بوقف الاعتداءات، تلقفتها "تل أبيب" على أنها مزيدًا من التراجع والاستسلام.

وما جرى مؤخرًا، من جولة التصعيد الإسرائيلية الواسعة، التي بدأت بإنذارات لإخلاء مبانٍ شمال الليطاني في بلدات قناريت، الكفور، جرجوع، الخرايب وأنصار، أعقبها غارات دمّرت عشرات المباني والمحال والممتلكات فيها وأصابت 19 مواطناً بجروح، وغارات أخرى طاولت في مساء اليوم نفسه معابر على الحدود اللبنانية - السورية في الهرمل، يحمل دلالاتٍ بالغة الأهمية.

أولاً، المباني المستهدفة في هذه البلدات لم تُبلّغ بها "إسرائيل" لجنة الإشراف على وقف اطلاق النار "الميكانيزم" مسبقاً، ولم تُدرج ضمن المواقع التي طُلب من الجيش اللبناني الكشف عليها، كما حصل في حالات سابقة. وهذا الأمر يحمل رسالة واضحة الى السلطة في لبنان في أن الأمور قد تغيّرت عن السابق. وكونها تركّزت في منطقة شمالي الليطاني، فهذا يعني أن كيان العدو بدأ بممارسة ضغط مباشر على الحكومة لإقرار خطة سحب السلاح في هذه المنطقة.

ثانيًا، التصعيد جاء بعد تعليقٍ مُريب لعمل لجنة "الميكانيزم"، من دون إطلاع بيروت على الأسباب الحقيقية، فضلاً عمّا سُرّب عن الممثل اللبناني بداخلها، السفير سيمون كرم، في أن "ما تطالب به إسرائيل بالغ القسوة ولا يمكن للبنان قبوله". وفي هذا السياق كشفت مصادر مطلعة من أن كيان الاحتلال يرمي من هذا التصعيد إلى إجبار لبنان على الموافقة على الانخراط في "ميكانيزم" ثلاثي جديد يضمّ لبنان و"إسرائيل" والولايات المتحدة، ويقوم على مفاوضات مباشرة بين لبنان والعدو برعاية أميركية.

وبهذا، تكون "إسرائيل" قد دشّنت مرحلة جديدة من التصعيد في منطقة شمال الليطاني، بعد نسف دور "الميكانيزم"، لتكريس واقعٍ مفاده أن القرار لها وحدها، وأن ما جرى، ليس سوى نموذجٍ عمّا يمكن أن تقدم عليه في حال فكّر الجيش اللبناني في الإحجام عن تنفيذ المهمات المطلوبة منه من جهة، ولتهيئة الأرضية لمسار سياسي واقتصادي تريد إدخاله على خطّ هذا الملف من جهة أخرى.

بعد كل ما يحصل، لا بُدّ من التوقف عند خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون يوم انتخبه الشعب اللبناني وأعطاه ثقته وحمّله أمانة حمايته من العدو، وأمانة تحرير أرضه وأسراه وإعمار بيوته المدمرة، حين قال: "ولأن الشعب واحد، ولأن هويتنا على تنوّع فئاتنا وطوائفنا هي لبنانية.. نتعلّق بأرضنا كمساحة أساسية للحرية، صفتنا الشجاعة، قوّتنا التأقلم، نصنع الأحلام ونعيشها، ومهما اختلفنا، عند الشدّة نحضن بعضنا لأنه إذا انكسر أحدنا انكسرنا جميعاً". فهل حقًا، الرئيس عون يسأل عن أرضنا المحتلة كمساحة للحرية، وأن نحضن بعضنا عند الاعتداء علينا؟.

أين أصبح قرار الرئيس عون بتكليف الجيش اللبناني التصدي للتوغلات البرية الإسرائيلية في أواخر تشرين الأول الماضي؟، حين تسللت قوة إسرائيلية الى مبنى بلدية بليدا الحدودية وقتلت أحد موظفيها أثناء نومه فيه.

هل مَنح الرئيس عون الجيش اللبناني الذي لديه عقيدة قتالية حماية شعبه ومنع الاعتداءات عنه؟، حين أقسم على أننا "دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود ويساهم في تثبيتها جنوباً .. ويمنع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، جيش لديه عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض الحروب". عن أي خوض للحروب يتحدّث؟، في منع الولايات المتحدة "وإسرائيل" تسليح الجيش بأبسط الأسلحة، هل العقيدة وحدها تقاتل؟.  

أين هي السياسة الدفاعية التي تحدّث عنها في قسمه: "عهدي أن أدعو الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة.. بما يمكّن الدولة اللبنانية من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية". هل هذه السياسية الدفاعية تناقش بعد أن يسلّم السلاح أو يصادر ومن ثم يُتلف كما أشترط الأميركي والإسرائيلي على الجيش؟، بدلاً من المحافظة عليه والاستفادة منه ضمن خطة دفاعية متكاملة.
 
أين أموال إعادة الإعمار وملف إعادة الأسرى التي وعد بهما: "عهدي أن نعيد إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي في الجنوب والبقاع والضاحية وجميع أنحاء لبنان بشفافية.. وأن أسرانا هم أمانة في أعناقنا،  فلا نفرّط بسيادة واستقلال لبنان". عن أي استقلال وسيادة يتكلم عون؟، في ظل استباحة العدو للوطن من قتل وتدمير وتهجير.

ماذا ينتظر الرئيسين عون وسلام بعد كل ذلك الصمت والتخاذل المُريب أمام عدوانية العدو؟ أن ينتفض أهل الجنوب من الوطن في وجههما، ممن تدمر بيوتهم في إنذارات مفاجئة، ويصبحون بلا مأوى يحميهم من برد الشتاء، وممن تقتل أولادهم يوميًا على الطرقات وتحرق أرزاقهم أمام أعينهم، وكأن السلطة في لبنان أصبح همّها الوحيد "سحب السلاح"، لا لجم الاعتداءات. ألم يعلما أن للصبر حدود، وأن الجنوبيين لا يقبلون بالظلم، وأن المقاومة هذه ولدت من رحم أمهاتهم بعدما أمعن العدو فيهم قتلاً وتهجيرًا ولم تكترث الدولة لنصرتهم كما يحصل الآن، فكانت النتيجة أن أرغموا الاحتلال على الانسحاب من أرضهم عام 2000، وهزموه شر هزيمة عام 2006، ومرّغوا أنف ضباطه وجنوده بالوحل على مدى 66 يومًا عند القرى الحدودية عام 2024.

ألم يعلم عون وسلام أن ظلم الأهل والأقارب من أهل الوطن الواحد أصعب بكثير من ظلم الأعداء، وأن جرح الأقربين أشد إيلامًا من جرح الأعداء. من هنا جاء قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد: "وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً  عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ".

على الرئيس عون ومعه الرئيس سلام أن يتحمّلا مسؤولياتهما الوطنية أمام أبناء وطنهم المظلومين. فمشاهد المئات من المحتجين الذين نزلوا بشكل عفوي إلى طريق سليم سلام في ​بيروت وطريق المطار وساحة المشرفية في الضاحية الجنوبية، تضامناً مع أهالي الجنوب، احتجاجاً على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وصمت الدولة إزاء ما يجري، هو ردة فعل طبيعية على سلطة لا تتخذ اي موقف حقيقي يشعر هؤلاء المواطنين بأنها حاضرة لحمايتهم وحماية سيادة بلدهم

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen