مظاهرات إيران.. التخريب برعاية واشنطن!؟
كَتبَ المُحرّرفي كلّ دول العالم ينزل الشعب إلى الشارع وتعم المظاهرات أنحاء البلاد للمطالبة بإصلاحات اقتصادية وسياسية، أو لرفض قرارات حكومية وقضايا كبرى تمس جوهر الأمة، وهذا حق كلّ مواطن أن يعبّر عن رأيه. لكن عندما تتحّول الاحتجاجات إلى أعمال شغب تطال أرزاق الناس كما يحصل الآن في إيران، وتستخدم فيها الأسلحة البيضاء والنارية ويقتل على إثرها أكثر من 200 شرطي ومواطن بحجة انهيار قيمة الريال الإيراني، فهذا الأمر بات يثير الريبة من أن هناك مؤامرة داخلية تدار من الخارج من أجل زعزعة استقرار هذا البلد.
ليست الدول العريقة تلك التي لم تُحاصَر يومًا، بل تلك التي تحوّل الحصار إلى قوة، والمؤامرة إلى وعي، والضغط إلى ثبات. وهذا ما حصل مع إيران، إذ كتب شعبها بنزوله إلى شوارع مدنها الكبرى للتظاهر ردًا على المشاغبين، الفصل الأخير من الصمود والانتصار على أعدائه الذين خطّطوا لهذه المؤامرة الخبيثة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وبالفعل لم تصمد الرواية أمام الوقائع، فرغم كلّ محاولات التشويه والجهود الحثيثة التي افتعلها كلّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لدعم المحتجين ومثيري الشغب ومطلقي النار، لم تصمد الاحتجاجات أمام نزول مظاهرات مليونيه طالبت بمحاسبة القتلى ودعمت النظام الحاكم في إيران.
ومع اصطفاف الإدارة الأميركية كمدافع زائف عن "حقوق الشعوب" بدعمها للمحتجين ـ وهي التي لم تُبدِ يومًا أي اكتراث حقيقي لمعاناة الشعوب المظلومة، أعلنت عن التدخل العسكري ضدّ إيران في حال "قمعهم"، والهدف واضح هو ضرب مركز قوى المقاومة. ومن هنا، تقوم فكرة الهجوم الكبير على إيران على اعتبار أن جولة الأيام الـ 12 مع "إسرائيل" لم تكن كافية لدفعها إلى موقع سياسي مختلف، وأن بقاء قدر من العافية داخل إيران يوفّر لقوى المقاومة هامشًا أوسع للعمل والاستعداد لجولات المواجهة المقبلة. وعليه، يصل ترامب، منسجمًا مع القناعة "الإسرائيلية"، إلى خلاصة مفادها أن المطلوب هو "قطع الرأس"، أي ضرب النظام في إيران، ليصبح بعدها كلّ شيء أسهل في كلّ أنحاء المنطقة.
ورغم أن التظاهر حق مشروع، ولا يمكن مصادرته، لكن حين يُوظَّف لخدمة أجندات خارجية، ويتحوّل إلى أداة تخريب وتمسّ بالأمن القومي، فإننا نخرج من إطار الاحتجاج المشروع إلى دائرة العبث والخيانة. وهنا تتجلّى طبيعة الشعب الإيراني، شعب قومي وطني، شديد الانتماء، حتّى في معارضته. شعب يفاخر بتاريخه، ولا يقبل التقليل من شأنه أو من دولته.
لهذا السبب تحديدًا، شهدنا ذلك الالتفاف الواسع حول إيران الدولة، وإيران الوطن، وإيران القيادة، ليس لأن الخلافات الداخلية قد زالت، بل لأن أولوية الحياة، ووحدة البلاد، وردع العدوان، تتقدّم على كلّ اعتبار. لقد نجح الشعب الإيراني في اختبار الوعي سابقًا، ويبدو أنه ينجح فيه اليوم أيضًا، بدليل تراجع زخم الاحتجاجات في مدن كان يُعوَّل عليها لإشعال الفتنة.
وفي هذا السياق، أدانت وزارة الخارجية الروسية التدخل الخارجي التخريبي في العمليات السياسية الداخلية في إيران، مؤكدة أن التهديدات الصادرة من واشنطن بضرب إيران "غير مقبولة على الإطلاق".
خلاصة المشهد، إيران لا تُحارَب لأنها دولة إسلامية فقط، بل لأنها لا تقبل الهيمنة عليها من أحد، ولأنها تدعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان ضدّ الكيان الصهيوني المجرم. ولهذا قد تُحاصَر الدول وقد تُستهدف، لكن الشعوب الواعية وحدها هي التي تُفشل المؤامرات وتكتب الفصل الأخير من الصمود.