اختطاف مادورو يكشف هشاشة السياسة الأميركية
كَتب المُحرّرليست عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد حادثة أمنية أو سياسية خطيرة تهز العلاقات الدولية وتصيب القانون الدولي في شرعيته والنظام الدولي في انتظامه، بل هي محطة كاشفة لطبيعة القوّة الأميركية اليوم التي أخذ يثار التساؤل حولها، في ما إذا كانت تعبير عن فائض هيمنة، أم عن مأزق إستراتيجي عميق في إدارة الصراعات؟.
القوّة في العلاقات الدولية لا تُقاس بجرأة الفعل ولا بقدرة الدولة على تنفيذ عملية صادمة في لحظة توتر، بل تُقاس بقدرتها على إدارة النظام الدولي الذي تعمل داخله عبر الزمن، مع المحافظة على التوازنات وضبط الصراعات وتوجيه سلوك الآخرين بحيث يصبح متوافقًا مع مصالحها دون الحاجة إلى كسر القواعد التي يقوم عليها النظام نفسه.
وفي حالة فنزويلا، حاولت الولايات المتحدة لسنوات طويلة إدارة الملف الفنزويلي عبر أدوات الهيمنة التقليدية: حصار وعقوبات اقتصادية، عزل دبلوماسي، ضغوط سياسية، دعم المعارضة من الداخل، ومحاولات إعادة هندسة الداخل الفنزويلي سياسيًا واقتصاديًا. لكن هذه الأدوات استُنفدت دون أن تُنتج الهدف المركزي، أي إخضاع الدولة ضمن قواعد النظام الدولي القائم بما يتفق مع مصالحها.
ومن المنظور العام، عندما تفشل أدوات الإدارة في تحقيق الأهداف التي تكون في الغالب غير معلنة، تنتقل القوّة المهيمنة إلى الإكراه المباشر الذي يأخذ اشكالًا متعددة: كشن الحرب على الدولة، إسقاط النظام بدعم الانقلاب أو بدعم التظاهرات فيها، اغتيال رأس الهرم وغيرها. وهذه النقلة ليست دليل حسم، بل اعتراف ضمني بالانسداد والعجز. فعملية اختطاف الرئيس مادورو ليست سياسة بالمعنى الإستراتيجي، بل هي إعلان عن فشل السياسة وعن العجز في تحقيق الأهداف عبر المسارات الدبلوماسية المعتادة التي ترسم قواعد القانون الدولي.
مونرو في السياسة الأميركية المعاصرة
عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب اختطاف الرئيس الفنزويلي عن إعادة تفعيل "عقيدة مونرو"، وهذه العقيدة صِيغت عام 1823 لمنع القوى الأوروبية من التدخل في شؤون الأميركيتين، وكان ترامب قد شدد عليها في الإستراتيجية الوطنية الأخيرة، معتبرًا أن أميركا قوة راسخة ومتدخّلة للإشراف على الأمن والنظام في نصف الكرة الغربي، خصوصًا عند تهديد مصالحها السياسية أو الاقتصادية، بما في ذلك في فنزويلا.
ومن أجل إعطاء مشروعية للهجوم على فنزويلا، استشهد ترامب بهذا التفسير لإضفاء بعد تاريخي على التدخّل الأميركي، ظاهريًا كوسيلة لمنع ما يُعد تهديدًا لأمن الولايات المتحدة من خلال "نظام فاسد" يُنتج المخدرات ويدير عائدات غير مشروعة، حسب ادعائه. لكن يجب التأكيد هنا، أن النص الأصلي لعقيدة مونرو لم يمنح تفويضًا قانونيًا لمثل هذه التدخلات أو الاعتقالات القسرية داخل أراضي دول ذات سيادة، وظيفتها كانت في الأصل تحذيرية ودبلوماسية لا تفويضًا للتدخّل المسلح.
القانون الدولي ومبدأ عدم التدخّل
الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة يؤكد على حظر استخدام القوّة في العلاقات الدولية إلا في حالات الشرعية الدفاعية أو تفويض من مجلس الأمن، مع احترام سيادة الدول واستقلالها الإقليمي، وحظّر التدخّل في شؤونها الداخلية، لكن إدارة ترامب برّرت عملية الاعتقال بأنها عملية تنفيذ قانون جنائي بموجب تهم فيدرالية أميركية متعلّقة بالمخدرات.
لكن وفق تحليل المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، كانت العملية استخدامًا للقوة داخل دولة ذات سيادة دون تفويض من مجلس الأمن، ما يشكّل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة، كما أن مبدأ عدم التدخّل يُعد انتهاكًا أيضًا لأن إجراء اعتقال رئيس دولة، بغضّ النظر عن التهم، هو تدخل مباشر في شؤونها السياسية الداخلية. وعليه وصفت العديد من دول العالم، ومنظمات دولية، هذه العملية بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، وأكدوا جميعهم أن أي "مبرر جنائي" لا يبرّر هذا التدخّل العسكري عبر الحدود.
وهكذا يصبح كسر القواعد في القانون الدولي أسهل من الناحية السياسية، لكنّه أكثر كلفة على المدى الإستراتيجي. والتاريخ الإمبراطوري مليء بالدروس في هذا الشأن: بريطانيا في أزمة السويس امتلكت القدرة على الضرب لكنّها فقدت الشرعية، فانكشف تراجعها العالمي سريعًا. فرنسا في الجزائر استخدمت عنفًا واسعًا، لكنّها خرجت مهزومة سياسيًا وأخلاقيًا رغم تفوقها العسكري. الولايات المتحدة نفسها في فيتنام وأفغانستان ثمّ العراق امتلكت قوة كاسحة، لكنّها فشلت في تحويل هذا التفوق إلى نظام مستدام. الكيان الصهيوني استفحل في استخدام القوّة في لبنان وغزّة وإيران وارتكب افظع المجازر، لكنّه تعرّى دوليًا وخرج منبوذًا عالمًيا. في كلّ هذه الحالات، لم تكن المشكلة نقصًا في القوّة، بل العجز عن إدارة النتائج حين تتآكل الشرعية وتتصدع السردية التي تبرر الهيمنة.
في المحصلة، إن الأخطر في كسر القواعد ليس الفعل بحد ذاته، بل السابقة التي يخلقها، وما يُكسَر مرة يصبح قابلًا للتكرار، وما تكشفه أزمة فنزويلا ليس فائض قوة أميركية، بل حدودها البنيوية: قدرة على الفعل، وعجز عن الإدارة؛ تفوق عسكري، وفشل إستراتيجي؛ قوة بلا سردية أخلاقية جامعة، ونفوذ بلا شرعية مستقرة. وفي منطق التاريخ، هذا هو التعريف الدقيق للضعف. وما جرى في فنزويلا سيفاقم بالطبع أزمة الثقة ويُسرّع تفكك النظام الدولي الذي قامت عليه الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة.