ما هي الملفات التي يواجهها لبنان في العام 2026؟
كَتب المُحرّريودّع لبنان العام 2025 مثقلًا بالعديد من الأزمات الاقتصادية والأمنية التي سيحملها معه الى العام القادم، ما يجعل اللبنانيين غارقين في همومهم وهواجسهم خوفًا من عدم القدرة على مواجهة مستقبلهم أو دفع أثمان باهظة للتغلب عليها.
صحيح أن الدولة عادت لتشغل موقعها الشكلي، مع انتخاب رئيس الجمهورية جوزف عون وتشكيل حكومة نواف سلام، وقد بدأت بمعالجة عدد من الملفات، إلا أن هذا الموقع ما يزال محكومًا بقيود وتوازنات داخلية وبضغوط خارجية أميركية وفرنسية وسعودية لم يشهد لبنان مثيلًا لها من قبل، ما يجعل كل خطوة قابلة للتحوّل إلى أزمة جديدة.
إذًا ما يميّز المرحلة القادمة ليس حجم التحديات بحد ذاتها، إنما تزامنها وترابطها وضيق هامش المناورة أمام المؤسسات لمعالجتها.
السنة الأولى، من العهد الرئاسي والحكومي، لم تفشل الى حدٍ ما بمعايير الأداء الإداري. لكنها اصطدمت مبكرًا بحقيقة بنيوية تتعلق بطبيعة التوازنات وآليات الحكم وإدارة السلطة. في مقدّمها ملفات: حصر السلاح، الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، مهام الجيش، إعادة الإعمار والأسرى، ترسيم الحدود، العلاقة مع سوريا الجديدة، الفجوة المالية، قانون الانتخابات النيابية وموقع لبنان في منظومة الصراعات الإقليمية.
جميع هذه الملفات لا تُدار بإرادة داخلية صافية، بل تُسحب باستمرار إلى ساحات تفاوض وضغط خارجية.
بالإضافة الى ذلك، واجه لبنان تحديات كبيرة فرضها الواقع المعيشي المرير الذي مرّ به، بدءًا من أزمة السيولة في شهر آب في العام 2019، وما تلاها من أزمة كورونا في شباط العام 2020، وصولًا إلى العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 8 تشرين الأول في العام 2023. هذا كله؛ يجعل من العام 2026 عامًا انتقاليًا بالغ الحساسية، حين تُختبر قدرة الدولة في فرض حلول لمعالجات هذه الملفات، لكن قبلها منع الانزلاق وضبط الإيقاع والحفاظ على حدّ أدنى من التماسك المؤسساتي في ظل اشتباك ملفاتها الكبرى.
ملف سلاح المقاومة في شمال الليطاني
يعدّ "ملف حصرية السلاح" بيد الدولة من أخطر الملفات الأمنية التي ستواجه السلطة في لبنان، في العام 2026، كونها التزمت به رسميًا أولًا، ولأن واشنطن وربيبتها "إسرائيل" تضغط بقوة لإنجازه ثانيًا. على الرغم من أن الجيش اللبناني حقق تقدّمًا فعليًا في منطقة جنوب نهر الليطاني. إلا أن مسألة سحب السلاح من شمالي النهر ستصطدم بسلّة شروط؛ تشمل الساحة الفلسطينية والحدود الشرقية والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ما يعني عمليًا أن قرار السلاح مُرحّل إلى لحظة تسوية إقليمية غير واضحة المعالم والتوقيت.
كما أن الدولة لا تملك الأدوات ولا الإجماع السياسي الذي يسمح لها فرض التنفيذ بالقوة أو بالضغط الداخلي. كما أن أي اندفاع غير محسوب؛ قد يفتح الباب أمام توترات داخلية يصعب ضبطها. لذلك؛ ستعمل الحكومة الحالية على تثبيت ما تحقق، وتفادي الذهاب إلى صدام شامل مع حزب الله وبيئته التي ترفض تسليم السلاح، قبل تنفيذ تلك الشروط ومناقشتها ضمن استراتيجية دفاعية تحمي لبنان.
تحوّل في مهام لجنة "الميكانيزم"
في موازاة ملف السلاح، تحوّل الجنوب اللبناني، خلال النصف الثاني من العام 2025، إلى مساحة ضغط متعددة المستويات. آلية المتابعة والمراقبة "الميكانيزم"، والتي أُنشئت لضبط وقف إطلاق النار ومنع التّصعيد، لم تعد تُستخدم لذلك، لقد جرى توسيع دورها تدريجيًا لتصبح منصة إدارة استقرار مشروط، وربما مدخلًا لترتيبات طويلة الأمد مع التغييرات التي طرأت في رفع مستوى التمثيل داخلها، ما يعكس تحويلها من مراقبة تقنية إلى عملية تفاوض غير معلنة حيال مستقبل جنوب الليطاني، وشروط الحركة والانتشار فيه. هذا ما يفرض وقائع تدريجية؛ يصعب التراجع عنها لاحقًا. كما أن القبول الكامل بدورها يصيب السيادة الوطنية في صميمها، وله تبعات سياسية كبيرة.
الجيش اللبناني بين الضغط والاحتواء
بات الجيش اللبناني، في المرحلة الراهنة، في قلب مقاربة دولية متحركة لملف الاستقرار في لبنان، تتجاوز الدعم التقليدي له إلى تحميله أعباء سياسية وأمنية إضافية، في ظل ضغوط أميركية وإسرائيلية متزايدة. وهي تهدف إلى ربط أدائه مباشرة بمسار حسم ملف السلاح، ولاسيما في شمال الليطاني، بما يتجاوز قدرته العملانية وحدود الغطاء السياسي المتوافر له داخليًا.
في المقابل؛ جاءت زيارة قائد الجيش أدولف هيكل إلى باريس لتشكّل محطة إعادة توازن في التعاطي الدولي معه، والدفع نحو مقاربة أكثر تدرجًا تقوم على الاحتواء لا الصدام، وعلى دعم الجيش في تنفيذ مهامه بدل استخدامه أداةَ ضغط، لاسيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولات تحميل الدولة والجيش مسؤولية أي تعثّر في تطبيق ترتيبات وقف إطلاق النار.
العلاقة مع سوريا الجديدة.. قلق أمني متبادل
يُعدّ ملف العلاقة اللبنانية - السورية أحد أكثر التحديات بنيوية، مع حلول العام 2026، بحكم الجغرافيا المشتركة والتداخل التاريخي والسياسي والأمني بين البلدين. هذه العلاقة لم تكن يومًا علاقة خارجية تقليدية، لقد شكّلت على الدوام عاملًا مباشرًا في الاستقرار اللبناني.
الملفات المطروحة بين البلدين ثقيلة، ولا تحتمل المعالجة البطيئة. أهمها ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، والذي يُشكّل بالنسبة إلى دمشق مدخلًا إلزاميًا لأي تطور في العلاقات، فيما يجد لبنان نفسه عاجزًا عن التعامل معه بمعزل عن معايير قانونية وسياسية داخلية.
إعادة الإعمار
أطلقت الحكومة اللبنانية رسميًا، في كانون الأول 2025، جهود ملف إعادة الإعمار برصد مخصصات مالية ضمن موازنة العام 2026 إلى مجلسي الجنوب والإنماء والإعمار، مع أن المبالغ المرصودة لا تغطي سوى جزء بسيط من الدمار، والذي قدّره البنك الدولي بنحو 11 مليار دولار. على الرغم من ذلك، يواجه الملف عددًا من العقبات تحول دون البدء بتنفيذه؛ وأبرزها الاحتلال الإسرائيلي لجزء من أرض الجنوب مع العدوان المتواصل، لاسيما الغارات التي تستهدف المعدات الأساسية في إعادة الإعمار (جرافات، حفارات، شاحنات..)، هذا فضلًا عن الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن لعرقلة هذا الملف.
الانتخابات بين التأجيل وتعديل القانون
الثابت، في الحسابات السياسية، أن غالبية القوى السياسية لا تبدي أي تحفّظ على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري وضمن القانون الحالي. إذ يرى الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) أن إجراءها في ظل ميزان القوة القائم يخدم موقعه السياسي، ويكرّس قدرته التمثيلية داخل البيئة الشيعية وخارجها، لاسيما في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وقناعة بيئته بأحقية الاحتفاظ بسلاحه.
في المقابل؛ تراهن قوى سياسية أخرى، مثل: حزبا الكتائب والقوات اللبنانية، على خيار التأجيل خوفًا من إجرائها في موعدها، ما قد ينتج مجلسًا نيابيًا يعكس ميزان القوة الحالي. هذا بالإضافة إلى مراهنتها بتعديل قانون الانتخاب للمغتربين للتصويت لـ 128 نائبًا بدل من 6 نواب فقط، فيخدم مصالحها.
الفجوة المالية
يعدّ قانون الفجوة المالية، والمختص بإعادة 85% من مدخرات المودعين على دفعات، أبرز الملفات التي تواجه الحكومة، لاسيما بعدما أكد رئيس مجلس النواب نبيه برّي أنه لن يستقبل القانون في مجلس النواب للتصويت عليه، في حين أن جلّ ما يستطيعه هو إحالته إلى اللجان المختلفة تباعًا، لتأجيله وإقراره معدلًا بعد أشهر.
الخلاصة، العام 2026 سيكون عام إدارة المخاطر لا عام الحلول. نجاح الدولة لن يُقاس بقدرتها على الحسم، بل بقدرتها على منع تلاقي الأزمات في لحظة واحدة، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك المؤسساتي في بيئة داخلية وإقليمية شديدة الهشاشة.