هفوات رجّي تصيب الدبلوماسية اللبنانية بارتجاجات متتالية!
كَتب المٌحرّرمِن سخرية القدر أن يكون على رأس وزارة الخارجية في لبنان شخص لا يعرف الأصول والأعراف الدبلوماسية بين الدول ولا يلتزم بلياقات التعاطي السياسي داخل وطنه، وذلك كما يحصل اليوم مع وزير الخارجية يوسف رجّي، الذي ما ترك مناسبة إلا وكانت هفواته حاضرة، في بعض الأحيان عن جهل وقلة معرفة، وفي البعض الآخر عن كيد سياسي يمثل توجهات حزبه الضّيقة الذي ينتمي إليه.
مَن يراقب الاستنسابيّة التي يعتمدها الوزير رجّي في عمله الدبلوماسي يُدرك أنه يتصرف كقيادي في حزب "القوات اللبنانية" وليس كوزيرٍ في الحكومة اللبنانية، وفي ذلك تناقض صارخ مع المبادئ الدستورية التي تلزم الوزراء بالعمل ضمن الأطر والمصلحة الوطنية العليا، وليس وفق توجهات حزبية فئوية، وهذا الأمر بات يُحرج السلطة في لبنان ويضعها أمام مواجهة الرأي العام وانتقاد الدولة أو الجهة التي يُسيء اليها هذا الوزير.
ومجدّدًا، أثار الوزير "القواتي" الجدل، وأعاد فتح ملف العلاقات اللبنانية الإيرانية على مصراعيه، بعد موقفٍ أطلقه عبر مواقع التواصل، أعلن من خلاله رفضه تلبية دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران في الوقت الراهن، واقتراحه عقد لقاء في دولة ثالثة، وهو ما بدا "سابقة دبلوماسية" من نوعها، خصوصًا أنّ لبنان وإيران ليسا في حالة خصومة أو عداء، وثمّة زيارات رسمية متبادلة بين البلدين.
واقتراح رجي بنقل الزيارة إلى ما وصفها بـ"الأرض المحايدة"، وفق القراءة السياسية لا تستقيم، فالحكومة لا تملك ترف الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إيران في ظلّ وجود حزب الله لاعبًا داخليًا لا يمكن تجاوزه مطلقًا، وهو "الشريك" في الحكومة أيضًا. كما أن بيئة المقاومة التي تمثل أكثر من نصف الشعب اللبناني، وهذه البيئة لا ترى في إيران إلا الداعم لها ماديًا ومعنويًا وعسكريًا والشريك الأول في تحرير أرض الجنوب والبقاع الغربي من العدو الإسرائيلي.
وهذه ليست المرة الأولى التي تصدر عن رجي تصريحات تثير بلبلة في لبنان، مثل حديثه عن دوره كمقاتل إبان الحرب الأهلية في حزب "القوات"، إلى جانب تصريحات هاجم فيها المقاومة في المحافل الدولية واتهمها فيها بخرق اتفاق وقف اطلاق النار، وحمّلها سبب الحرب والدمار، متجاهلاً كل ما تفعله "إسرائيل" من قتل واحتلال وتدمير وتهجير بحق اللبنانيين، ما دفع حزب الله إلى الردّ عليه ومطالبة الحكومة بتصحيح هذه التصريحات التي "تشوه الحقائق وتضرّ بالمصلحة الوطنية".
هذا ناهيك عن عمله الدؤوب على الإساءات المتتالية التي تضر بمصلحة لبنان، وتنفيذ أجندة حزبه المتقاطعة مع مصلحة الكيان الصهيوني العليا المعادي للبنان وإيران معاً، كطلب استدعائه مثلاً للسفير الإيراني في بيروت مجتبى أماني، على خلفية تغريدة قال فيها "إن مشروع نزع السلاح هو مؤامرة واضحة ضد الدول"، ما اعتبره تدخلاً في شؤون لبنان الداخلية، علمًا أن الأخير لم يأتِ على ذكر لبنان.
لكن تدخل الولايات المتحدة والسعودية في كافة الشؤون اللبنانية، وفرض أجندتهما بالقوة على غالبية أركان السلطة في لبنان، لا يعتبر بنظر الوزير رجّي تدخلًا سافرًا، كما أنه "لا عين ترى ولا أذن تسمع" حين أهان المبعوث الأميركي توم برّاك الصحافيين ووصفهم بالحيوانات وطالب بضم لبنان الى سوريا، ولا حين صرّحت نائبته مورغان أورتاغوس من على منبر بعبدا بـ"أنها ممتنة لإسرائيل لأنها ضربت حزب الله" وغيرها من الاساءات بحق الشعب اللبناني.
لذلك، وبدلاً من تبني موقف وطني واضح يدافع عن سيادة لبنان وحقه المشروع في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل من الاعتداءات الإسرائيلية أولاً ومن الإملاءات الخارجية ثانيًا، نرى الوزير رجي يطلق خطاب لا يعكس موقف وزارة الخارجية اللبنانية، التي يُفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن مصالح البلاد في المحافل الدولية، بل يبدو وكأنه خطابه أشبه ببيان صُحُفي صادر عن حزب "القوات اللبنانية".
وبالطّبع من يتحمل هفوات رجّي بالدرجة الأولى رئيس الحكومة نواف سلام، كونه تلقى تحذيرات كثيرة خلال تشكيل حكومته من تسمية وزير محسوب على "القوات اللبنانية" لوزارة الخارجية والمغتربين، بسبب مواقف القوات العدائية من المقاومة وإيران وتبنيها وجهة النظر الإسرائيلية القائلة بأن "المقاومة هي التي ولّدت الاحتلال" وأنه لا بد من نزع سلاحها.
إذًا، هذا النهج الذي ينتهجه الوزير "القواتجي" يُفقد وزارة الخارجية دورها الفعلي في حماية مصالح الشعب اللبناني في المحافل الدولية، التي من المفترض أن تعمل على فضح الاعتداءات الإسرائيلية، وحشد الدعم الدولي لمصلحة لبنان، لا أن تتحول إلى أداة لترويج الفتن وتكريس الانقسام الداخلي والانبطاح أمام "إسرائيل" وأمريكا، ولا الى منصة لإطلاق مواقف سياسية تبرر العدوان الإسرائيلي، وتلقي اللوم على المقاومة التي تدافع عن كرامة البلاد.