عام على اتفاق وقف إطلاق النار.. والمقاومة صامدة
28 تشرين الثاني 2025

عام على اتفاق وقف إطلاق النار.. والمقاومة صامدة

كتب المُحرّر

بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"، يبدو أن المشهد الأمني بات معقدًا للغاية في ظل تمادي كيان العدو في اعتداءاته اليومية على كافة الأراضي اللبنانية من قتل وتدمير وتهجير واحتلال، ما ينذر بعودة شبح الحرب مجدّدًا، رغم كل المساعي الدبلوماسية التي تبذل لإلزام العدو بتنفيذ الاتفاق، في وقت ما زالت المقاومة تمارس أعلى درجات ضبط النفس.

التصعيد الإسرائيلي هدفه إخضاع لبنان بالقوة

باتت أهداف العدو من التّدرج في التصعيد واضحة، وهي إخضاع لبنان بالقوة لدفعه الى مفاوضات مباشرة معه تؤدي الى التطبيع وتلغي هذا الاتفاق، لمصلحة اتفاق إذعان يقضي بتشريع الاحتلال وإقامة المنطقة العازلة على الحدود الجنوبية وربطها بجنوب سوريا وصولاً الى الحدود مع العراق، بدعم واضح من الولايات المتحدة الأميركية التي مارست خديعة بحق اللبنانيين وأعطت لـ"إسرائيل" ما لم تستطع تحقيقه في الحرب على صعيد التوغل والاحتلال.

ومنذ اعلان اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 والسماح لأهل القرى الحدودية بالعودة الى ديارهم بعد 60 يومًا، مارس العدو أبشع أنواع التدمير والقتل بحقهم، نَسفَ قرى بأكملها واقتلع أشجارها المثمرة وبخاصة الزيتون، أَطلق النار على المواطنين ومنعهم من العودة الى أرضهم وما تبقى من بيوتهم. كما مَارس الاغتيالات في جميع انحاء لبنان وخاصة بالأماكن المكتظة لترويع السكان، ففي الضاحية الجنوبية لبيروت دمرت طائرات الاحتلال الحربية بنايات بأكملها وارتكبت المجازر، بهدف زيادة الضغط على بيئة المقاومة التي تزداد صلابة وتمسكًا بنهجها.

وهكذا تكون "إسرائيل" قد ختمت عامها الأول بعد الاتفاق بأكثر من 10 الاف خرقًا بريًا وجويًا وبحريًا، وبـ 336 شهيدًا، وبأكثر من 950 جريحًا. وكل ذلك حصل، وحكومة نواف سلام العتيدة "لا أذن سمعت ولا عين بكت"، ولم تبذل الجهد المطلوب أو أن ترصد الأموال أقله لإنجاز أعمال الترميم لإعادة عشرات آلاف العائلات الى مناطقها. 

الدبلوماسية تعجز عن احتواء التصعيد

تسعى عدة أطراف دولية وإقليمية لاحتواء التصعيد الإسرائيلي على الساحة اللبنانية قبل تدهور الأمور الى حرب طاحنة بين الجانبين، وليس آخرها الحراك المصري الذي عبّر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي بـ"الانزلاق الى مواجهة شاملة من خلال حرب مفتوحة".

أما داخليًا، سعى لبنان الى سحب كل الذرائع من العدو، فأصدرت الحكومة قرار حصرية السلاح، وكلفت الجيش إعداد خطة متكاملة لذلك مع الانتشار في جنوب الليطاني، وبالفعل أنجز منها ما يقارب 85%، كما قدم لبنان كل الإيجابيات الممكنة التي كرسها رئيس الجمهورية جوزف عون في رسالة الاستقلال لجهة جهوزية الدولة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني، وجهوزية الجيش للانتشار واستكمال حصر السلاح، والالتزام بالقرارات الدولية وخصوصًا القرار 1701، وقيام لجنة "الميكانيزم" بالإشراف التام، ومن ثم التفاوض بعد الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات.

كل هذه الإيجابيات ضربتها "إسرائيل" بعرض الحائط، فلم ترد جوابًا حول التفاوض، ولم تتقدم بأي خطوة تجاه لبنان رغم كل الوساطات الدولية، بل على العكس، فهي تكثّف من الغارات والاغتيالات والتوسّع والتدمير، فضلاً عن التهديدات اليومية على لسان مسؤوليها.

المقاومة بين الرّد وممارسة الصّبر الاستراتيجي

ليس حزب الله في وضع العاجز عن الرّد كما تصوّر بعض وسائل الإعلام المعادية، فمن راقب مجريات الميدان خلال الأسبوع الأخير من العدوان الإسرائيلي على لبنان، أيقن أن العدو هو من طلب وقف اطلاق النار عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، وذلك بعد أن أمسكت المقاومة بخيوط المواجهة، إذ شنّت يوم الأحد في 24 تشرين الثاني 51 عملية على 34 هدفًا عند الحدود وداخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، طالت صواريخها أهدافًا بعمق 150 كلم، أهمها قواعد أشدود البحرية وغليلوت للاستخبارات وبلمخاميم الجوية، ودمرت 6 آليات عسكرية بصواريخ موجّهة، وقصفت 9 قواعد و5 ثكنات ومواقع عسكرية و14 مستوطنة و18 تجمعًا للعدو، وأسقطت طائرة مسيرة من نوع هرمز 450، ونفذت 4 عمليات بمسيرات انقضاضيه، كما أصابت 4 صواريخ نوعية "تل أبيب"، ما جعل الاحتلال في حالة صدمة، حيث وصفت تقارير إسرائيلية ذلك اليوم بـ"الأحد الأسود"، فيما أطلق عليه إعلام المقاومة "يوم من أيام الله".

ولا ننسى حادثة استهداف منزل رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ومحاولة اغتياله في بلدة قيسارية بهجوم بطائرة مسيرة خلال الحرب في 19 تشرين الأول، وقبلها في 13 تشرين الأول حيث كانت مجموعة من لواء غولاني تتناول وجبة العشاء بقاعدة للتدريب في بنيامينا جنوبي حيفا واثناء قيام ضابط منهم يخطب فيهم ويحدّثهم عن بطولاتهم ويحفزهم على مواجهة رجال حزب الله وإذ بمسيرة انتحارية تنفجر بين طاولاتهم وتقتل 4 جنود وتصيب 67 حسب اعترافاتهم، وغيرها من الأحداث التي مارس الاحتلال تعمية إعلامية مطلقة عليها.

ورغم محاولة تشويه الإعلام المعادي لصورة المقاومة أنها احتضرت وأن بيئتها انفضت من حولها ويئست من عدم ردّها على الاعتداءات، الا أن العدو نفسه يعرف قدراتها التسليحية وعزم رجالها في الميدان عندما مرّغوا وجه جنوده وضباطه بوحول القرى الأمامية على مدى 66 يومًا.
 
فالمقاومة ما زالت تمارس الصّبر الاستراتيجي، أولاً نزولاً عند رغبة رئيسي الجمهورية ومجلس النواب نبيه بري في التهدئة وافساح المجال للدبلوماسية، وثانيًا لعدم تحميلها مسؤولية فتح حرب ثانية كما اتهمها خصومها في الداخل في أنها السبب بالدمار والقتل والتهجير الذي حلّ بلبنان، وطبعًا هؤلاء هم "أدوات المشروع الأميركي" الداعم للكيان الصهيوني الذين أعطوه الذريعة بكل ما يفعل والذين يعملون ليل نهار على منع إعادة إعمار الجنوب، تاركين أهله يواجهون قدرهم بأنفسهم وكأنهم ليس من أهل الوطن الذين دافعوا عنه لأكثر من أربعة عقود.

في المحصلة، عام مرّ على اتفاق وقف إطلاق النار، والنتيجة: التزام لبنان بكامل بنوده، مقابل مزيد من الغطرسة الصهيونية، وفشل الدبلوماسية اللبنانية في لجمها أو الوصول الى أية حلول، اعتماد رئيس الحكومة ووزير خارجيته على شعارات فارغة لا تسمن ولا تغني من أمن واستقرار وسيادة واعمار، وأخيرًا صمود  المقاومة الذي يربك مخططات العدو سيكون وقعه مؤلمًا في أية مواجهة قادمة.
 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen