"وشاة واشنطن" يثرثرون.. وينقضون على العهد
كتب المُحرّرامتهن فريق من اللبنانيين ممن يطلقون على أنفسهم "السياديون"، بث الفتن واختلاق التلفيقات داخل الوطن، بغية تحقيق مكاسب سياسية، غير آبيهن بالسلم الأهلي. وقد زادت وتيرة أكاذيبهم ودسائسهم بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، تارة يحاولون تضليل الرأي العام بأن المقاومة هُزمت وبيئتها انفضت من حولها، وتارة يتهجمون على العهد الجديد من رئيس الجمهورية وقائد الجيش باتهامهما في التلكؤ في مسألة "حصرية السلاح".
هذا الفريق بات معروفًا لجميع اللبنانيين، ألا وهم جماعة ما يسمى بـ"المجتمع المدني" أو بـ"ثورة 17 تشرين" 2019، الذين انتفضوا يومها على غلاء المعيشة مطالبين بالإصلاحات ومحاربة الفساد، لكن في الواقع ليس هم إلا زمرة من الفاسدين والمفسدين سواء كانوا في السلطة أو خارجها. ففي الآونة الأخيرة تصّدر هؤلاء لتنفيذ أجندات الخارج بكل وقاحة، حتى أصبح يطلق عليهم "أدوات المشروع الأميركي" أو "أتباع الوصاية" في لبنان.
رأس حربة هذا الفريق، حزب "القوات اللبنانية"، الذي استفاد من السلطة في السيطرة على غالبية حصة المسيحيين في الحكومة بعد عزوف "التيار الوطني الحر" عن المشاركة بها، وأخذ يتصرف كأنه الممثل الأوحد للشارع المسيحي، بل كمن يمثل لبنان في سياسته الخارجية عبر وزيره يوسف رجّي الذي ما ترك مناسبة للتفرقة إلا واستغلها.
من يراقب مجريات الأمور، يلاحظ أن حزب "القوات" يمتهن توزيع الأدوار على مسؤوليه من وزراء وسياسيين للتركيز على مواضيع حساسة ليفتعل منها أزمة وطنية تطال المجتمع برمته ويعكر معها صفوة العيش المشترك، وهذه السياسة المتّبعة تسعى جاهدة لتنفيذ المشروع الأميركي ـ السعودي في محاصرة المقاومة ماليًا واقتصاديًا وعسكريًا، من خلال مؤسسة "القرض الحسن" ومنع إعادة الإعمار وسحب سلاح المقاومة من شمال نهر الليطاني، والترويج لفكرة أن هذه الأخيرة هي من أعطت الذريعة لـ"إسرائيل" بالاعتداءات اليومية على لبنان من قتل وتدمير، متناسية أن هناك اتفاق لوقف اطلاق النار جرى في 27 تشرين الثاني 2024، وكيان العدو لم يلتزم به.
وما الكلام الأخير لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون عن "امتهان فئة من اللبنانيين بخّ السمّ في الولايات المتّحدة"، إلا خير دليل على خطورة ما وصلت إليه الأمور مع هذا الفريق الذي استفاد في السنوات الماضية من التحاقه بمراكز الأبحاث والدوائر السياسية في واشنطن، وقدّم نفسه كقوّة ضغط لمحاصرة حزب الله واستجداء المساعدة للقضاء عليه.
ورغم أن النشاط التحريضي لهذه الفئة لم يؤثر على موازين القوى في الداخل، لكنّه يثير ضجيجًا في الخارج، كما حصل في السعودية حين حُرّض على سعد الحريري وأجبر على تقديم استقالته، وكما يحصل اليوم في بيروت حيث يتوافدون الى السفارة الأميركية في عوكر ليقدّموا أوراق اعتمادهم بـ"التّنطح" للوقوف في وجه بيئة المقاومة واستهداف موقعي رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
وهكذا، لم يفوتوا فرصة للتحريض إلا واستغلوها، فما حصل في حادثة إضاءة صخرة الروشة كاد أن يأخذ البلد الى المجهول بعدما أن اختار رئيس الحكومة نواف سلام المواجهة، لكنّ ما أعاد الأمور الى نصابها هو الرئيس عون ومعه قادة الجيش والأجهزة الأمنية، الذين تعاملوا مع الحدث بكل حكمة رافضين الانجرار إلى مواجهة داخلية تُستخدم فيها مؤسسات الدولة. وهذا خطّ لا يروق لمن يفضّلون تحويل السلطة إلى منصة صدام، لذلك أطلقوا عملية تشويه هدفت إلى ضرب صورة الرئاسة والجيش معاً، ومطالبات بإقالة وزير الدفاع وقادة الأجهزة الأمنية، وقائد الجيش رودولف هيكل.
إذًا، "وشاة واشنطن" أصبح في مفهومهم أن حجب الدم "خطيئة"، والحفاظ على الاستقرار "مهادنة" مع حزب الله، وكأنّ الدولة مطلوب منها أن توظّف كل أجهزتها وإمكاناتها للوقوف بوجه المقاومة، وتحقيق ما عجز عنه جيش الاحتلال الإسرائيلي في أصعب حرب خاضها منذ تأسيسه.
والأنكى من ذلك، أن "السياديين" باتوا يتصرفون وكأن لبنان محمية أميركية وهم حُماتها، تارة يهاجمون العهد الجديد ويسوّقون لسردية أنّ الدولة عاجزة عن احتكار القرار السيادي وأنّ الجيش أضعف من تنفيذ حصر السلاح، وغايتهم طبعًا باتت واضحة وهي تشويه موقع الرئاسة الذي لا يُضعِف شخص عون، بل قدرة لبنان على إدارة علاقاته في المرحلة المقبلة الأكثر حساسية، كما يحاولون إقناع الخارج بأن الجيش لا يستحق الثقة ولا التمويل ولا الدعم إذا لم يدخل في مواجهة دموية مع حزب الله وبيئته.
وتارة أخرى يتطاولون على مقام رئاسة مجلس النواب، لأن الرئيس نبيه بري يرفض التطوّع في مشروعهم، سواء بمعاداة حزب الله، أو بتمرير قانون انتخاب المغتربين المقيمين في الخارج لجميع النواب.
وبهذا، يتحوّل "السياديون" إلى خصم مباشر للدولة، لذلك لم يعد الصراع القائم اليوم بينهم وبين حزب الله فقط، بل بين جوزيف عون ومشروعهم الذي يريد دولة تُدار من الخارج ولو أدّى ذلك إلى إسقاط العهد برمته.