"جـدلـيـة الـعـيـش الـمـشــتــرك والـســلام فـي لـبـنـــان" الـتعــدديـة إحــدى الـثـوابــت اللـبـنــانـيــة
"لـنـجـعــل مـن الـتــربـيـة مـسؤولية مشتركة، ومن المدرسة الوطنية ركيزة لعقد اجتماعي جديد". جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن"جـدلـيـة الـعـيـش الـمـشــتــرك والـســلام فـي لـبـنـــان" عـنــوان المؤتــمــر الــذي إنعـقـد نهـار الجمـعـه 26 أيــلــول 2025 ، فـي بيـروت. .
يُعـتـبـر الـعـيـش المشـتـرك والـسـلام فـي لـبنـان مـسـألـة مـركـبـة تتـطــلـب إصـلاحـات سـيـاسـيـة وإقتصـاديــة وإجتـمـاعـيـة وثـقـافـيـة عـمـيـقـة، حـيـث يعـتـمـد إستـمــرار الـعـيــش المشـتـرك عـلـى تجـاوز الإنقسـامـات الطـائفـيـة والمـذهـبية مـن خـلال تـرسـيـخ مـبـدأ الـمـواطـنـة الـمتسـاويـة فـي الحقـوق والـواجـبات. تـواجـه هـذه الفكـرة تحـديـات كبـيـرة، لكـنـهـا تـظـلّ أسـاسـيـة لتحـقـيـق دولـة قـويـة ومجـتـمـع مسـتـقــر وإقـتـصــاد مـزدهـر، وذلـك عـبـر تـغيـيـر المفـاهـيـم السـائـدة والـعـمـل عـلـى تعـزيـز الـتـسامـح والأخـلاق.
عـلـى الـرغـم مـن التحـديـّات، هنـاك عـوامــل إيـجـابـيـة تعــزز مفـهـوم الـعـيــش المشـتــرك فـي لـبـنـان، مـنـهـا المبـادرات الثـقافـية، الفعـالـيـات الإجتـمـاعـيـة، وتـعـلـيــم الـتسـامـح والـتـفـاهــم بـيـن الأجـيـال الجـديـدة.
نـظـمـت الجمعـية اللبنـانـية للتـاريـخ المـؤتـمـر السـنـوي الأول الـذي تـحـت عـنـوان “جـدلـيـة الـعـيـش المشـتــرك والـســلام فـي لـبـنـان: مـقـاربــات فـي السـيـاسة والإقتـصـاد والتـربـيـة والثـقـافـة والإعــلام” عُـقـد المـؤتـمـر في فنـدق روتـانـا جيفـيـنـور – الحـمـرا مـن السـاعـة التـاسـعـة صبـاحًـا حـتـى الخـامـسـة والنـصـف مسـاء، بتـمـويل مـن سـفـارة سـويـسـرا فـي لـبـنــان وسـوريـا.
يـأتـي تنـظـبـم هـذا المـؤتـمـر فـي سـيـاق التفـكـير فـي الهـوية والـدولة، مـؤكـدًا أن العـيـش المـشـتــرك لـيـس خـيـارا بـل ضـرورة، هــو يـشـبـه قـرار الـزواج بيـن شخصـيـن أحـبـا بعـضـهـمـا البعـض، فالهـويـتـان والـدولة يـجـب أن تـكونـا فـي خـدمـة هـذا العـيـش المـشـتــرك لـبـنــاء مستقبل خالٍ من النزاعات قائم على السلام وهي الإشكالية التي يتناولها المؤتمر.
كـمــا تـعــاونــت مجموعة أكـاديـمـيـات وأكاديـمـيـون فــي تنظـيــم فـعــالــيــات هــذا المـؤتـمـر السـنـوي الأول. مـجـمـوعـة “أكـاديمـات وأكـاديميـون” تـضـم نـحـو 17 أسـتاذة واسـتـاذا جـامعـيـا مـن مختــلـف الجـامعـات اللبنـانـيـة، متخصصـيـن فـي مـجـالات متـعـددة. إجـتمعــــوا حـول هـدف مــشـتـرك يتـمـثـل فـي مقـاربـة المـرحـلـة المعـاصـرة مـن تـاريـخ لـبـنـان، لافـتـاً د. سـيـمـون عـبـد المـسـيح إلـى أن عـمـل هـذه المجمـوعـة إنـطـلـق فـي شـبـاط المـاضي بعـد لـقـاء دعـت إلـيـه الـهيـئـة اللبنـانـيـة للـتـاريــخ بـالشـراكة مـع السـفـارة السويسرية وهـو إمـتـدد لـمـشـروع بـدأ مـنـذ أربـع سـنـوات. وأضـاف خـلال هـذه الفـتـرة بـدأ الأعـضـاء بتـبـادل مخـزونـهـم الـفـكري مـؤمـنـيـن بـأن الإخـتـلاف لا يـعـيـق الـوحــدة بـل يـغـنـيـهـا، فـالـتــعــدد حيتن ينـبـع مـن الـثـقـة والإنـفـتـاح والـتـواضـع الـعـلـمي يــشـكــّل مـصـدرا للـغـنى ولـقـاء الآخـر هــو قـيـمـة مضـافــة ولـيـس الـعـكــس.
تضـمــن المـؤتـمـر السـنـوي الأول الـذي تـحـت عـنـوان “جـدلـيـة الـعـيـش المشـتــرك والـســلام فـي لـبـنـان إفتـتـاحـيـة ثـم نـدوة مـركـزيـة ثـم نـدوات متـوازيـة خمـسـة قـبـل الظـهـر وخمـســة بعـد الظـهــر، مـن ثـم فـي جـلـسـة أخـيـرة عـرض نتـائـج وتـوصـيـات الـنـدوات الـمـتـوازيـة أو الـمـتـزامـنـة .
حـضـر جـلـسـة الإفتـتـاح وزيـرة التـربـيـة والتعـلـيم الـعـالـي الـدكـتـورة ريـمـا كـرامـي وسفـيـرة سـويـسـرا فـي لـبـنـان وسـوريـا مـاريـون وشـلـيـت. تـمـحـورت كـلمـة وزيـرة التـربـيـة ، حـول الـتـحديـات الـتـي تـواجـهـهـا فـي الــوزارة. حـيــث قـالـت: "نـجـاحـنـا كـتـربـويـيـن فـي الـمسـاهـمـة فـي نهـضـة الـوطـن مـن كـبـوتـه لا يـقـوم فـقـط عـلـى الإرادة الـسـياسيـة، بـل عـلـى الـقـيـم المـهـنـيـة، عـلـى الإعـتـماد عـلـى الـعـلـم والـبـيـانــات الـمـوثــوقـة، وعـلـى البـحــث الإجـرائــي والـمـعــرفة الـتـربـويـة الـتـي تـصـنـع الـقـرار وتـوجّـه الـسيـاسـات". أضـافت الـوزيـرة كــرامــي: "فـلـنـجـعــل مـن الـتـربـيــة مـسـؤولـيـة مـشتــركـة، ومـن الـمـدرسـة الـوطـنـية ركـيـزة لـعـقـد إجـتـمـاعــي جـديـد".
أمــا من جـهـتـهـا، أشـارت السفـيـرة السـويـسريـة وشـلــيــت إلـى أن "مـهـمـة بـنـاء الـسـلام تـتـمـثـل فـي الإعـتـراف بـهـذه الـطبـيـعـة المـزدوجـة والإستـثـمــار بـشكـل مــدروس فـي الـجـانـب الـتـحـويـلـي لكـل مجـال مـن مـجـالات السـيـاستة والإقـتصـاد والـتـعـلـيـم والـثـقــافــة والإعــلام". كـمـا تحـدثـت عـن تجـربة بـلـدها "الـصـغــير الـذي تتـعــدد فـيـه اللـغـات والأديـان والـمـناطــق، حـيـث لا يـمكـن إعـتـبار التـعـايـش فـيـه أمـرا مـفـروغـاً مـنـه، بـل إن الـســلام هــو ممـارسـة يـومـيـة لجـعـل الـتـعــايــش ذا مـغــزى ومـسـتــدامــاً".
ألــقــى الدكتور سـيـمــون عـبـد الـمـسـيـح كـلـمـة بإسـم "مـجـموعـة أكـاديمـيـات وأكـاديـميـون مـن أجـل لـبـنـان". شــرح خلالها د. عـبـد الـمـسـيـح مـســار الـمـجمـوعـة قـائـلا: " نـطـلـق المـؤتـمـر مـن فـكـرة أن كـلا مـنـا "فـيـلـســوف" وفـلسفـتـه تـنـبـع مـن أسـئـلـتـه الـتي يـطرحـها بـشـكل يـومـي فـي حـياتـه، ومـن تجـربـتـه". أضـاف: "المـؤتـمـر يـسـمـح بـالـمـشاركـة والـتـدخـل وإبـداء الـرأي، وتـجـمـيـع وجـهـات نـظـر متـعـددة، والـقـدرة عـلـى الإنـزيـاح عـن معـتـقـداتـنـا لـفـهـم الآخـر ومعتـقـداتـه وسلـوكـياتـه، أي التـدرب عـلـى الـمـواطـنـيـة الـمـتـنــورة والـفـاعـلــة".
ذا عـمـل جـبـّار يـشـكـر عـلـيـه أعـضـاء أكاديميات وأكـاديـميـون. أي إصـلاح حـقيـقـي فـي لـبـنـان لا يـمـكـن أن يـبـدأ إلا مـن خـلال تـرسـيـخ مفـهـوم الـعـيـش الـمـشـتـرك؛ لأنـه الـمـدخـل لـبـنـاء دولـة قـويّة ومـجـتمـع مـسـتـقـر وإقتـصـاد مـتـوازن وإنـمـاء يعــمـل بــــتــوازن وإســتــدامــي فــي أرجــاء الــوطــن.
إعـتمـد المـؤتـمـر السـنـوي الأول “جـدلـيـة الـعـيـش المشـتــرك والـســلام فـي لـبـنـان“ مقـاربـة الـتـواصـل والـمـشاركـة مـن قـبـل الحـاضـريـن. نظــراً لأهمـيـة المــوضــوع ســوف نخـصـص مــقــال آخــر يتـضـمـن مـحـتـوى المــؤتـمـر.
إن تحـقـيـق الـعـيـش الـمشـتـرك لـيـس مـجـرد شـعــار، بل هو خـطـة عـمـل تتـطـلّـب إرادة سـيـاسـيـة حـقـيـقـيـة، وتـعــاوناً بيـن مختـلـف الفـئـات وتغـيـيـراً جـذريـاً فـي بعـض المـفـاهـيـم الـسـائـدة.
الـعـيـش الـمشـتـرك صـفـة تـقـوم عـلـى الـتعـايـش، الإحـتــرام المـــبــادل، قــبــول الآخــر. هـي تتـضـمــن قــيــم الـتـآنــس، الـمحـبة، الأنـسجـام، الـتـعـاون، والـمـشـاركـة فـي الـقـيـم الإنـسـانـيـة الـمشتــركـة. إنـه لـيس مـجــرد شـعـــار، بــل هــو فـعــل يــتـطــلب وعــيــاً عـمـيـقــاً وخـطــوات عـمـلـيـة لـبـنــاء مـجـتـمــع مـستــقــر.
مــــا أحـــوجــــنــــا ... .
جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن
أخصـائـيـة فـي عـلـم النـفـس الـعـيـادي والـدعـم الإجتماعي
أخصـائـيـة فـي عــلـم تـعـلــيم الكــبــار (الانـدراغـوجـي - Andragogie)






