كتاب حزب الله المفتوح ردع سياسي بعناية فائقة
كتب المُحرّرجاء "الكتاب المفتوح" الذي وجّهه حزب الله إلى الرؤساء الثلاثة والشعب اللبناني في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية. داخليًا سبق اجتماع الحكومة المخصّص لعرض تقرير الجيش بشأن خطته في تسلّمه أسلحة الحزب وانتشاره جنوب الليطاني، في خطوة تُعتبر تمهيدًا عمليًا لنزع السلاح أو على الأقل وضعه تحت وصاية الدولة، وبعد عرض رئيس الجمهورية التفاوض غير المباشر مع العدو. أما خارجيًا أتى بعد اجتماع المجلس الوزاري "الإسرائيلي" المصغّر، الذي ناقش سيناريوهات التصعيد العسكري على ما تعتبره "إسرائيل" التهديد المتعاظم الذي يشكّله الحزب، بعد أن أعاد بناء قدراته العسكرية، بحسب ما روجت وسائل إعلام العدوّ له على مدى أسابيع.
إذًا، أختار حزب الله لحظة توجيه كتابه إلى المعنيين بعناية فائقة؛ إذ استبق المداولات الحكومية بخطاب علني، ليقول عمليًا، أن أي خطوة رسمية في ملف السلاح خارج الإجماع الوطني هي خيانة للسيادة، ولن تُمرّر بلا موقف، وأي محاولة لبنانية داخلية لتقديم "عربون حسن نية" تجاه الولايات المتحدة و"إسرائيل" مرفوضة. وبذلك يكون الحزب قد نقل نقاش تسليم سلاحه من ساحة الحكومة إلى ساحة الرأي العام، واضعًا الرؤساء الثلاث تحت مجهر الشارع والمجتمع السياسي.
استعمل الحزب في كتابه لغة حازمة أعادت وضع ملف السلاح في مركز الاهتمام الوطني، مؤكدًا رفض التفاوض المباشر مع "إسرائيل" حول هذا الملف، مع إبراز فكرة أن حق المقاومة مشروع ولا يمكن اعتباره سلعة تُفصَل عن الواقع السياسي والأمني. هذه الصياغة اختزلت رسالة مزدوجة: طمأنة بشأن الحرص على السلم الأهلي، وتحذير من أن أي محاولة لتقييد السلاح أو التفاوض عليه خارج إطار توافق وطني ستُقابل بردّ فعل عملي.
ومن الواضح أن حزب الله أدرك جيدًا أن المرحلة الراهنة تتطلب منه خطابًا يتماشى مع تحولاتها، فهو بعد أن استعمل لغة القوّة ومنطق التهديد طيلة العقود الماضية انتقل إلى لغة الدولة ومنطق الشرعية، وذلك من أجل أن يرمي الكرة في ملعب من يطالبونه بتسليم سلاحه، ذلك السلاح الذي وقف في وجه العدوّ عندما عجزت الدولة عن تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن سيادة لبنان وأرضه. واليوم عاد الحزب مُطالبًا الحكومة اللبنانية التي أقرّت حصرية السلاح بواجبها في التدخل لوقف الاعتداءات "الإسرائيلية" اليومية من قتل وتدمير.
حزب الله يُعيد الشرعية إلى نصابها
الكتاب استعمل لغة الشرعية بعيدًا عن لغة التهديد أو الانفعال، مذكّرًا بالقرارات والاتفاقات الدولية، التي من المفترض أن تُحترم من قبل أطرافها وأن يحاسب من لم يلتزم بها، فقد استند إلى القرار 1701 واتفاق وقف النار الأخير في 27 تشرين الثاني 2024، مقدّمًا تفسيره الخاص للنصوص الدولية التي حدّدت منطقة العمليات جنوب الليطاني، مؤكدًا التزامه الميداني بالاتفاق، وخرق "إسرائيل" اليومي له.
إنه قلب ذكي للمعادلة، أعاد الحزب صياغة صورته في المشهد الدولي من فاعل عسكري إلى فاعل شرعي ملتزم بالقانون الدولي حين يُحترم. فالمقاومة لا تنتهك القانون، بل تدافع عن لبنان في وجه كيان محتل خارق للقانون، الدولة اللبنانية ليست خصم المقاومة، بل شريكها في حفظ السيادة، السلاح ليس عبئًا بل ضرورة مؤقتة في ظلّ استمرار العدوان.
الكتاب كُتب ليُقرأ أيضًا في الخارج
الرسالة التي وجهها الحزب إلى الداخل بأنه ليس الطرف الذي يهدّد وحدة الدولة، بل الطرف الذي يمنع سقوطها أمام الابتزاز الأميركي وال"إسرائيلي"، في ما الرسالة إلى الخارج أشد وضوحًا أنه "لن تُنزع سلاحنا بالضغوط أو التهديدات، لأن ما لم يُنتزع في الحرب لن يُنتزع في السلم".
وبهذه الصيغة يقدّم الحزب مفهومه الخاص لـ"الشرعية الدفاعية" التي تتجاوز قرارات الحكومات إلى مواثيق وقرارات الشرعية الدولية، من منطق الحق الوطني في مقاومة الاحتلال.
احتواء "الخطأ الحكومي" والجيش لا يمكن أن يكون أداة للخارج
وصف الكتاب قرار "حصرية السلاح" بأنه "خطيئة حكومية"، قدّمت للعدو مادة ابتزاز مجانية. فالحزب يدرك أن الجيش اللبناني رغم كفاءته ومهنيته لا يملك القدرة لحماية الجنوب وردع "إسرائيل"، وأن أي خطوة رمزية في ملف السلاح دون خطة دفاعية وطنية شاملة، ستُقرأ في الخارج كتنازل مجاني.
فهو يؤكد الوقوف إلى جانب الجيش والعمل المشترك لحماية السيادة، لكنّه في الوقت نفسه يذكّر بأن الجيش لا يمكن أن يكون أداة لتنفيذ رغبات الخارج.
مخاطبة الرأي العام
للمرة الأولى منذ سنوات، يخاطب الحزب الشعب اللبناني مباشرة بهذه النبرة المفتوحة، فهو يتحدث عن "وقفة وطنية موحّدة.. حق مشروع في الدفاع.. تقدير صبر الشعب المقاوم والأبي"، وفي ذلك محاولة لإعادة تعبئة الرأي العام حول مفهوم جديد للسيادة، يتجاوز الاصطفاف الطائفي أو الحزبي.
فالمطلوب، من وجهة نظر الحزب، أن يتحول النقاش حول السلاح من قضية حزبية إلى قضية وطنية سيادية، وأن يُعاد تعريف العلاقة بين الجيش والمقاومة على قاعدة التكامل لا التنازع. وبذلك، يكون الكتاب قد وجّه بوصلة الخطاب الشعبي نحو خطر خارجي، في محاولة لتفريغ التوّتر الداخلي.
في المحصلة، يعتبر حزب الله أن الحكومة اللبنانية وقعت في الفخ الأميركي، إذا تجاوبت مع المطالب تفقد شرعيتها الداخلية، وإذا رفضت تُتّهم بتعطيل الحلول وتحمل مسؤولية التصعيد من قبل "إسرائيل"، لذلك هي اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن تتعامل مع خطاب المقاومة كتحذير وطني وتعيد صياغة موقفها بما يراعي التوازن الداخلي، وإما أن تواصل السير في مسار "حصرية السلاح" دون غطاء وطني جامع وتصبح بيد الخارج لا بيد الوطن الذي قد لا يرحمها.