الإنتخابات النيابية ومخاطر المُرشح المُفلس
01 تشرين الثاني 2025

الإنتخابات النيابية ومخاطر المُرشح المُفلس

كتبَ المُحرّر

اصنع لهم عدوًّا، وقدّم نفسك كمنقذ!
بحقيبةٍ تخلو من الإنجازات التشريعية والخدماتية، يتحضّر روّاد المعركة الانتخابية لخوض السباق نحو البرلمان، مثقلين بفشلهم في ملفات الودائع المصرفية، والكهرباء، والتنقيب عن الغاز، والحدّ الأدنى للأجور، وسائر الملفات الحياتية التي تعني المواطن.
وعلى المستوى السياسي، فشل الطاقم الحاكم في الحفاظ على المناعة السياسية والوطنية في وجه محاولات انتداب لبنان، فسقطت في عهدهم السيادة، واستُبيح البلد بأوامر لا مجال لمناقشتها، صادرةٍ عن السفارة الأمريكية. خضع أغلبهم متجاهلين دورهم السيادي والوطني، الذي يُفترض أن يحافظوا عليه بعد وصولهم إلى سُدّة البرلمان.
حضر العدوان الصهيوني على غزة ولبنان ليكون همًّا أساسيًا للبنانيين على مستوى المتابعة التفصيلية، ما أتاح لعددٍ كبير من البرلمانيين أن يختبروا حالة البطالة المقنّعة. فالسنة الأولى من عمرهم البرلماني مخصّصة للاستكشاف والاندماج، والثانية والثالثة أكلتهما الحرب، في حين تذهب الرابعة حُكمًا للاستعداد للسباق الانتخابي.
صناعة العدو ليست مجرّد تكتيكٍ انتخابيٍّ، بل انعكاسٌ لفراغٍ برامجيٍّ حقيقي. حين تخلو «حقيبة المنقذ» من إنجازٍ تشريعيٍّ أو خدمةٍ ملموسة، يتحوّل الخطاب إلى لعبة صور: يتم اختراع عدوٍّ خارجيٍّ أو داخليٍّ لتغطية الفراغ، وتحويل السؤال المركزي من "ماذا فعلتم؟" إلى "من يؤذينا؟". النتيجة أن المواطن يُحجب عن تقييم الأداء الموضوعي، وتُفرض عليه دوائر اهتمامٍ أمنيةٍ أو عاطفيةٍ تُشتّت النقاش عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدّد مستوى معيشته.
تأخذ عملية التعبئة الانتخابية السلبية أشكالًا متعدّدة، منها العامّ المتعلّق بالعمل السياسي العام، ومنها الضيّق بعناوينه العشائرية أو المناطقية أو المذهبية. وبحسب حالة المتلقّي، يتم انتقاء موضوع التحريض الأنسب.
وعليه، سيتنوّع خطاب المفلس الانتخابي بين تحريضٍ عشائري، وتحريضٍ سياسي، وتحريضٍ مذهبي.
يتّسم التحريض العشائري، عند الحاجة إلى استعماله، بمفهوم المنافسة مع سائر العائلات في البلدة نفسها، وهو عادةً ما يكون منتشرًا في البلدات التي ما زالت تحمل سمات الريف. ولا يكون التحريض موجّهًا فقط إلى عائلة المرشّح، بل يمتدّ إلى تخويف عائلاتٍ أخرى من سطوة عائلةٍ ما إذا ما وصل مرشّحها إلى سُدّة البرلمان. يستند الخطاب العشائري الانتخابي إلى استنفار الغرائز الأولية للانتماء العائلي والقرابة، فيستعيض المرشّح عن مشروعه السياسي بإحياء العصبية المحلية وتغذية شعور "الكرامة" الجماعية، وهو ما يمنحه التفافًا سريعًا في محيطه الصغير.
أما التحريض المذهبي، فهو الأخطر بين الأنواع الثلاثة، إذ يزرع الخوف ويستثمر في الهواجس الدينية والمذهبية لتثبيت الاصطفاف لا القناعة. يقدّم للمرشّح حصانةً عاطفيةً يصعب خرقها، لكنه يهدّ المجتمع من الداخل ويُغذّي انعدام الثقة بين أطياف الوطن الواحد. بذلك يفقد الخطاب الانتخابي حسّ المسؤولية الوطنية، ويتحوّل الناخب من صاحبِ حقٍّ ومُحاسِبٍ إلى تابعٍ خائفٍ يبحث عن حمايةٍ طائفية بدل أن يطالب بسياسةٍ عامةٍ تضمن حقوقه ومساءلةً مسؤولةً تكون ميزان العملية الانتخابية.
أما التحريض السياسي، فيعتمد على تقسيم القاعدة المقترعة بين موالاةٍ ومعارضة، فيُغذّي الانفعالات ضدّ الخصوم أكثر ممّا يقدّم حلولًا للناس، ويفرغ النقاش العام من مضمونه القائم على المحاسبة والتقييم الواقعي. فيعمد المرشّح إلى خلق جبهة "نحن مقابل هم". في النتيجة، تتراجع القضايا الوطنية أمام لعبة الاصطفافات.
إنّ النماذج الثلاثة تتّجه جميعها إلى خلق عدوٍّ وهميٍّ وغير حقيقي، بل تهدف إلى تحويل الشريك إلى عدوّ. ودائمًا هناك منقذٌ واحد: هو المرشّح الحالم بالكرسي البرلماني.
في ظلّ التحديات الوطنية الكبرى التي يمرّ بها لبنان، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، من العدوان الصهيوني المستمرّ إلى المحاولات الأمريكية لفرض هيمنةٍ مُطبقةٍ على البلد، وفي ظلّ حالة السقوط الحرّ الاقتصادي، تتكوّن المسؤولية الكبرى في عهدة المقترع عند الصندوق الانتخابي. ومن قبل عملية الاقتراع، على الناخب أن يُلزم المرشّح، بالمباشر أو غير المباشر، بعدم التفوّه بخطابٍ لا يتناسب مع الحقيقة ولا مع واقع المرحلة. فكلّما ساد الصمت في حضرة الخطاب التحريضي الفتنوي، تقدّم هذا الخطاب، ومع تقدّمه يخسر اللبناني فرصته مجدّدًا في بناء وطن سيّد وقويّ وتحقيق محاسبةٍ فعّالةٍ ومنتجة. على اللبناني أن يدرك أخيرًا أن لا عيب في أن يقول للمرشّح المفلس: "اخرس".

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen