الديار _ إعادة هيكلة وزارة المالية شرط أساسي للتعافي المالي
27 تشرين الأول 2025

الديار _ إعادة هيكلة وزارة المالية شرط أساسي للتعافي المالي

جاسم عجاقة

أظهرت الأزمة الأخيرة التي عصفت بلبنان منذ العام 2019، أن الإصلاح في لبنان لا يعتمد فقط على مسألة الموازنة العامة، وإعادة هيكلة الدين العام، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي ضمن اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل يجب أن يذهب هذا الإصلاح أبعد من ذلك ليُعالج أزمة مؤسسية عميقة الجذور من خلال إصلاحات تتناول الهيكل البنيوي لوزارة المال. فالنموذج الهيكلي المُتّبع حاليًا في الوزارة أصبح قديمًا ولا يمكنه مواكبة التحدّيات ولا يصلح كنموذج لدولة حديثة متطورة قادرة على تحصل إيراداتها بشكلٍ فعّال وتحمل مسؤولية الإنفاق العام وتُصدر تقارير شهرية دقيقة عن وضع المالية العامة.

الإيرادات- نظام غير مؤاتٍ

لعل أكثر الأقسام حاجة إلى إعادة هيكلة هي المديريات التي تدرّ مداخيل على الخزينة العامة – مديرية الإيرادات، مديرية الضريبة على القيمة المضافة، وإدارة الجمارك. فالتقارير تُشير إلى أن الإيرادات الضريبية انخفضت إلى مستوى كارثي (نسبة إلى ما قبل الأزمة) يُعقّد مسألة توازن الإيرادات مع النفقات. والسبب هيكلي – تنظيمي أكثر منه إقتصادي حيث أن النموذج الهيكلي الجغرافي البيروقراطي أصبح على مرّ السنين عرضة بشكل كارثي للفساد وللانحياز المنهجي لقوانين الضرائب. الجدير ذكره أن وزير المالية ياسين جابر حسّن إيرادات موازنة 2026 من خلال تنويع القاعدة الضريبية وزيادة كفاءة التحصيل، وهو ما يمكن قراءته على أنه اعتراف بأن الضعف البنيوي هو جوهر الأزمة الحقيقية.
 

التحوّل الهيكلي يجب أن يعتمد على نموذج معاصر وظيفي يركّز على المخاطر، والذي لطالما طالب به كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال مجموعة إصلاحات تسمح بالانتقال التدريجي نحو إدارة وظيفية يمكن تحقيقها من خلال:

أولًا – إنشاء وحدة (فعّالة) لكبار دافعي الضرائب تكون مُهمّتها الأساسية مراقبة وتدقيق حسابات المؤسسات الكبرى (القطاع الخاص) وكبار الأغنياء في لبنان؛

ثانيًا – تطبيق لامركزية الخدمات لدافعي الضرائب حيث يجب الفصل بين دافع الضرائب عبر الإمتثال الطوعي وبين دافع الضرائب عبر التنفيذ الجبري وذلك بهدف تحسين تجربة المواطن وتشجيع الامتثال الطوعي وجعله فخرًا للمواطن.

ثالثًا – إنشاء هيئة شبه مستقلة مكوّنة من موظفين مؤهلين مهمّتها عزل عملية تحصيل الإيرادات عن تدخّلات أصحاب النفوذ وذلك من خلال منحها استقلالية يتمّ تحديد مداها مسبقًا.

رابعًا – إنشاء قاعدة بيانات مشتركة مخصّصة للاستيراد تجمع بين بيانات وزارة المال، وزارة الاقتصاد والتجارة، الجمارك، ومصرف لبنان. هذه القاعدة معطوفة على اعتماد الذكاء الاصطناعي لملاحقة التلاعب ستكون حاسمة في ملف التهرّب الضريبي.

كل هذا يفرض وضع سياسات وإجراءات مفصّلة لمواكبة الهيكلة الجديدة.

النفقات – أزمة سيطرة

مما لا شكّ فيه أن وجود ضغط دولي على الدولة اللبنانية سيساعد في وضع إطار واضح وشفّاف لإدارة المالية العامة، إذ إن الهيكل التقليدي الحالي سمح بهدر المال العام وانعدام المساءلة في ما يخصّ الإنفاق. وخلال السنين الماضية عجزت وزارة المال عن تقديم مشروع موازنة في المُهل الدستورية، (المعروف أن الموازنة هي الأداة الأساسية التي من خلالها تستطيع الحكومات تنفيذ سياستها المالية)، ولما كانت تنجح في تقديم مشروع موازنة، كان التعطيل يتمّ على صعيد المجلس النيابي حتى إن الدولة أنفقت من العام 2006 إلى العام 2016 على أساس القاعدة الاثني عشرية واعتمادات من خارج الموازنة، بالإضافة إلى فرض إعطاء سلف بطريقة غير قانونية بتخطٍ واضح للسلطة الدستورية للمجلس النيابي في الموافقة على الإنفاق. وهو ما تسبّب بتراكم العجز وتحوّله إلى دين عام.
 

أضف إلى ذلك أن وزارة المالية، المركز الحيوي للدولة، عانت من نقصٍ كبير في الموظفين (كمًا ونوعًا). وزادت الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان من هذه المشكلة عبر ضرب أجور الموظفين الذين لم يتمكّنوا حتى من الوصول إلى أماكن أعمالهم وهو ما شكّل تهديدا جدّيا لهيكل الدولة ككل، مع ما لذلك من تداعيات على الرقابة في الإنفاق.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ إن النقص التكنولوجي في تحضير الموازنة يجعل من أي مشروع موازنة عملية معزولة في حين أن المطلوب هو تكامل أفقي (البعد الزمني) وعمودي (البعد الوظيفي). وبالتالي كان هناك مشروع لترقية نظام المعلوماتية (ممول من البنك الدولي) يهدف إلى رفع قدرات وزارة المال في إعداد وملاحقة تنفيذ الموازنات وإصدار تقارير تعكس صورة دقيقة وفورية لواقع المالية العامة.

الحوكمة الرشيدة: ضرورة لاكتمال الإصلاح

إضافة إلى ما تقدّم من إصلاحات هيكلية، يجب تحديث إدارة المال العام من خلال اعتماد الحوكمة الرشيدة التي قد تتطلّب تعديلات في القوانين:

أولًا – إعطاء صلاحيات أوسع لمجلس الخدمة المدنية الذي يختار على أساس الجدارة والكفاءة وليس على أساس المحسوبية. وبالتالي هذا الأمر يمنع التسييس والمحسوبيات في تولي المناصب ويُعطي دفعًا كبيرًا للإدارة العامة إن على صعيد الكفاءة أو على صعيد المشروعية.

ثانيًا – تعزيز الرقابة من باب تعزيز دور الأجهزة الرقابية (موارد مالية وسلطة قانونية) وإعطائها الضوء الأخضر للدخول إلى كل المؤسسات والإدارات والوزارات بدون إستثناء دون أي غطاء سياسي.

ثالثًا – تعزيز دور معهد باسل فليحان من خلال إعطاءه الموارد المالية الكافية لرفع كفاءة كوادر وموظفي الدولة اللبنانية، وخصوصًا في مجال المالية العامة.
في المحصلة، إنّ خطة الإنقاذ مرهونة بإصلاح هيكلي يُظهر تغييرًا حقيقيًا في الاتجاه الصحيح الذي سيُخرج لبنان من واقعه المالي الحالي. وبالتالي فإنّ قرار السلطة بإعادة هيكلة تنظيمية لوزارة المال ليس خيارًا سياسيًا، بل هو شرط سيادي وضرورة لبقاء الكيان المالي والاقتصادي للدوّلة اللبنانية. لن يتمكّن لبنان من الخروج من أزمته التي يقبع فيها إلا بعد إعادة بناء نظامه المالي على مبادئ الشفافية والجدارة والإدارة الفاعلة.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen