لبنان يرفض التفاوض المباشر مع العدو.. لا لاتفاق 17 أيار جديد
كتَبَ المُحرّرفي لحظة سياسية مشحونة بالضغوط الخارجية والتجاذبات الداخلية، جاء المقترح الأميركي بتفاوض لبنان المباشر مع الكيان الصهيوني ليشكّل فصلًا جديدًا من التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية اللبنانية، خاصة بعد التهديدات التي أطلقها المبعوث الأميركي توم برّاك بشن "إسرائيل" عدوانًا جديدًا على لبنان في حال رفض المقترح.
الرّد اللبناني الرسمي على هذا المقترح أتى سريعًا من الرئاسات الثلاث الذين عبروا عن رفضهم له، إذ دعا رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى الزام العدوّ وقف اعتداءاته اليومية على الأهالي والبنى التحتية ومن ثمّ إطلاق مفاوضات غير مباشرة معه، في ما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أهمية تجاوب الإدارة الأميركية مع مبادرة الرئيس عون "لفتح ثغرة يمكن التأسيس عليها لتطبيق القرار الدولي 1701".
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فقد نعى المسار التفاوضي بين لبنان و"إسرائيل"، بعد رفض العدوّ الصهيوني مقترحًا أميركيًا يبدأ بوقف الاعتداءات "الإسرائيلية" لمدة شهرين وينتهي بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وبإطلاق مباحثات لترسيم الحدود مع ترتيبات أمنية محدّدة.
هذا الرفض "الإسرائيلي" دفع الرئيس بري إلى الإعلان عن تراجع لبنان عن أيّ مسار للتفاوض مع "إسرائيل"، والإبقاء فقط على الآلية المتّبعة حاليًّا عبر لجنة الإشراف على تنفيذ قرار وقف إطلاق النّار الذي تمّ التوصل إليه في شهر تشرين الثاني العام الماضي، والمسماة اختصارًا بـ"الميكانيزم".
بناءً على ذلك، بات واضحًا أن التناغم الحاصل في هذا الإطار بين الرئيسين عون وبري، حول التزام لبنان بالقرار 1701 وباتفاق وقف إطلاق النار، الذي يتضمن الانسحاب "الإسرائيلي" ووقف الاعتداءات والاغتيالات وإطلاق الأسرى، ومن ثمّ الذهاب إلى تفاوض غير مباشر حول النقاط العالقة، بدأ يُزعج العدوّ "الإسرائيلي" الذي لم يتوان عن توجيه رسائل نارية إلى الرئيسين، بقصفه في مصيلح والعيشية.
واللافت في الأمر، أن تمرد "إسرائيل" على المقترح الأميركي، لم يثر غضب إدارة الرئيس دونالد ترامب، بل على العكس، فقد تطوع توم برّاك بإطلاق التهديدات في حال لم يصر إلى تسليم سلاح المقاومة، في أنّ "إسرائيل قد تتصرف من جانبها، وأنّ العواقب ستكون وخيمة"، ترافق مع مواقف غير لائقة تجاه الحكومة والجيش اللبناني تعكس النظرة الأميركية المتعالية تجاه الآخرين، خصوصًا الذين لا يرضخون لمطالبها، لمّا وصف برّاك الحكومة بأنّها "بلا سيطرة" والجيش بأنّه "بلا سلطة"، ومتوعدًا لبنان "بالغرق في الشلل والتدهور إذا لم يحسم خياره".
لكن لبنان لم يهتم كثيرًا لكلام برّاك الذي لا ينم عن رجل دبلوماسي والمنحاز لكيان العدو، وظلّ مُصرًا على رفضه التفاوض المباشر، إدراكًا منه أن "إسرائيل" تريد جرّه إلى مفاوضات أمنية غايتها الوصول إلى مفاوضات سياسية لحين الوصول إلى التطبيع معه لاحقًا على غرار ما يرتّب لسورية والسعودية حاليًا، وهذا الأمر حسمه لبنان على المستويين الشعبي والرسمي.
كما إن غالبية اللبنانيين اليوم ترفض فكرة التطبيع مع العدو، كونهم لا يرون فيها إلا نوع من الخضوع والهيمنة والهزيمة، إذ أظهر استطلاع جديد للرأي أجرته مديرية الإحصاء واستطلاعات الرأي في "المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق" أن خيار المقاومة لا يزال يحظى بتأييد عابر للطوائف في لبنان، حيث عبر أكثر من 60% من اللبنانيين عن رفضهم المس بسلاح حزب الله من دون وجود إستراتيجية دفاعية واضحة، وأكد حوالي 72% أن الجيش اللبناني غير قادر وحده على التصدي لأي عدوان "إسرائيلي"، في ما رأى نحو 76% أن الدبلوماسية وحدها غير كافية لردع مثل هذا العدوان.
"إسرائيل" بدورها، ترجّمت رفض لبنان للمفاوضات معها، بتسخين الأجواء اللبنانية بتكثيف الغارات والاغتيالات واستهداف المنشآت المدنية مع تزايد حضور الطائرات المسيّرة فوق الجنوب وبيروت وتحديدًا فوق القصر الجمهوري، في ما دعا رئيس الأركان "الإسرائيلي" إيال زامير إلى عودة جنود الاحتلال إلى معاودة اجراء مناورة برية على الحدود مع لبنان.
ورغم كلّ هذه المحاولات البائسة من قبل العدوّ من أجل اخضاع الشعب اللبناني لإملاءاته عبر مواصلة اعتداءاته عليه تارة، وتارة من خلال التهديد بشن عدوان جديد في حال لم تسلم المقاومة سلاحها، يبدو أنه لم يتعلم بعد من الماضي حين انتفض هذا الشعب العظيم بكافة شرائحه وأسقط اتفاق 17 أيار 1983 المُذل، وواصل مقاومته حتّى حرّر أرضه عام 2000، وهزمه في تموز 2006، ومنعه من احتلال قراه الحدودية في أيلول 2024.
في المحصلة، لبنان حسم أمره، ورفض أن يكون بين نارين، نار الابتزاز "الإسرائيلي" ونار الدعم الأميركي المطلق لـ"إسرائيل". ولبنان حاضر أن يسقط أي اتفاق مع العدوّ هدفه التطبيع. فأهل الوطن من أبناء المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، والشيخ الراحل عبد الحفيظ قاسم رئيس اتحاد العلماء المسلمين، والشيخ ماهر حمود، والنائب الشهيد مصطفى سعد، والرئيس الراحل تقي الدين الصلح، والسيد محمد حسين فضل الله، والرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط وغيرهم ما زال حاضرًا اليوم أن يسقط أي اتفاق على شاكلة اتفاق 17 أيار المشؤوم.