بعد "طوفان الأقصى".. كيف ساعد الشعب اللبناني غزة
كتَبَ المُحرّرمنذ أن وطأت قدم الصهاينة أرض فلسطين، والشعب اللبناني حمل القضية الفلسطينية على كتفيه واعتبرها من صميم قضاياه الوطنية، دافع عن الفلسطينيين وحمل آلامهم، احتضن المهجّرين منهم في المُخيمات والمدن، ساعد الفدائيين وقاتل في صفوفهم والى جانبهم، وأخيرًا نظّم مقاومة من جميع الطوائف والأحزاب قدمت عشرات آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن فلسطين المحتلة وعن كل لبنان، وكان آخرها حرب الإسناد لأهل غزة بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023.
تنبّه اللبنانيون للخطر الصهيوني على بلدهم والمنطقة باكرًا، فدفعوا بالعديد من أبنائهم للقتال الى جانب إخوانهم في فلسطين المحتلة وسقط لهم شهداء ووقعوا في الأسر كسمير القنطار ويحيى سكاف وغيرهم، فيما خاض جيشهم مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في المالكية وقانا والعرقوب اعتى المعارك والمواجهات وقدم خيرة ضباطه وجنوده.
لكن المعركة الأكبر التي خاضها الشعب اللبناني من خلال مقاومته الباسلة دعمًا لفلسطين والقدس وغزة، جاءت مباشرة بعد عملية "طوفان الأقصى" في 8 تشرين الأول 2023 تحت اسم "حرب الإسناد" دعمًا لغزة، حيث استنفرت المقاومة اللبنانية ورفعت جهوزيتها على الحدود مع فلسطين المحتلة، ونفذت عدد من العمليات والضربات الصاروخية في مزارع شبعا المحتلة، لكن سرعان ما تطورت الأمور، واتسعت رقعة المواجهة مع جيش العدو لتشمل القرى اللبنانية الأمامية التي أخذت تتعرض لقصف مدفعي كثيف وغارات الطائرات الحربية والمسيّرة المعادية حيث تهجرّ سكانها بالكامل، كما تعرض الداخل اللبناني لعمليات اغتيال طالت قادة وعناصر من المقاومة، بالإضافة الى وقوع مجازر في صفوف المدنيين.
بالمقابل، أخذت المقاومة تستهدف المعدّات التجسسية وأجهزة الرادارات للعدو على الحدود، وتُمطر المستعمرات الصهيونية في الجليل بالصواريخ والقذائف وهجّرت مستوطنيها، كما بدأت تتعقب جنود الاحتلال وآلياتهم وتستهدفهم بصواريخ ضد الدروع والمُسيّرات الانقضاضية.
شيئًا فشيئًا بدأت الأمور تخرج عن السيطرة بعد 3 أشهر كاملة تقريبًا من الاشتباكات الروتينيّة، حيث اغتالت "إسرائيل" في 2 كانون الثاني 2024 القيادي البارز في حماس صالح العاروري في قلبِ الضاحية الجنوبية ببيروت، وأعقبها اغتيال لقادة بارزين في المقاومة، حتى أعلنت "إسرائيل" عدوانها على لبنان في 23 أيلول 2024 تحت اسم "سهام الشمال"، في حين ردّت قيادة المقاومة عليها بمعركة "أولي البأس".
شنت قوات العدو في اليوم الأول من العدوان أكثر من 1600 غارة جوية طالت البنية التحتية للمقاومة وارتكبت عدد من المجازر بحق المواطنين، وكان قد سبق الهجوم مذبحتي "البيجر" و"اللاسلكي" الشهيرتين حيث سقط بهما عشرات الشهداء وآلاف الجرحى بينهم مدنيون، بالإضافة الى اغتيال قادة فرقة الرضوان الهجومية، وأعقبها اغتيال الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله وغالبية قادة الصف الأول والثاني، وكل ذلك حصل قبل 4 تشرين الأول.
من يراقب مجريات الميدان، أيقن أن المقاومة تعرّضت لضربة مدويّة أفقدتها توازنها وقدرتها على المواجهة، وخيّل له أنها سترفع راية الاستسلام. لكن سرعان ما أطل نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليؤكد أن المقاومة لم ولن تتخلى عن دعمها للشعب الفلسطيني ونصرة أهلها في غزها، وأنها ستقاتل حتى الرمق الأخير.
وبالفعل ظلّ رجال المقاومة يشتبكون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي طيلة 66 يومًا على حافة القرى الأمامية في محاور المواجهة من الناقورة مرورًا بعيتا الشعب وعيترون وصولاً الى الخيام ، موقعين ضباطه وجنوده في كمائن قاتلة، وسط تعتيم إعلامي إسرائيلي عن حجم الخسائر التي تعرض لها.
انتهت الحرب مع وقف اطلاق النار في 26 تشرين الثاني 2024 الذي لم تلتزم به "إسرائيل"، وظلت تمارس الدمار والقتل والتهجير والمجازر اليومية بحق المدنيين والمقاومين، حتى تجاوز عدد الشهداء منذ بداية العدوان أكثر من 7 آلاف شهيد وأكثر من 20 ألف جريح، وهكذا سجل الشعب اللبناني ومقاومته شرف التضحية من أجل الشعب الفلسطيني المظلوم.
لكن تبقى العبرة في هذه الحرب أنها حملت الكثير من الخلاصات عن جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهت هيبته الى غير رجعة يوم "طوفان الأقصى"، ثم سقطت بصورة مدوّية عندما واجه المقاومة اللبنانية لأكثر من ستين يوماً على الحافة الأمامية في جنوب لبنان وعجز عن إحداث أي اختراق يُذكر، ثم تمرّغت سمعته بالوحل في حرب ممتدة لسنتين في مدن غزة ومخيماتها أمام مقدرات متواضعة لقوى المقاومة في غزة، وترتب على هذا الفشل تآكل الهيكلية البشرية للقوات البرية، ودمرت الروح القتالية له، مع تقارير تتحدث عن عشرات آلاف المصابين بصدمات تجعلهم زوارًا دائمين للعيادات النفسية وتخرجهم من الخدمة كجنود موثوقين.