بين اتفاقية سايكس بيكو وكلام بارّاك.. العرب لا يستفيقون
كَتَب المُحرّرلم يكن اتفاق سايكس بيكو الموقّع في 16 أيار 1916 قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى بعامين وما رافقه من ظهور لملامح سقوط الدولة العثمانية، مجرّد تقاسم استعماري للنفوذ بين بريطانيا وفرنسا بالتنسيق مع روسيا القيصرية على أنقاض تركة إسطنبول، بل كان بمثابة تحول جيو_سياسي أعاد تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الغرب. وبعد 109 أعوام استفاق الغربيون على أن على هذا الاتفاق لا يصلح لبناء "الشرق الأوسط الجديد"، وأن وضع المنطقة الحالي هو نتيجة لشروره. هذا ما أوحى به المبعوث الأميركي الأخير لسورية ولبنان توم برّاك، الذي رأى أن تقسيم سايكس بيكو كان بأهداف إمبريالية وليس من أجل السلام، معتبرًا أنه خطأ كلّف أجيالًا.
سايكس بيكو بين التاريخ والجغرافيا
خُطّت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، على طاولة الديبلوماسيّين الفرنسي جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وبخطٍ واحد على ورقة أشار سايكس إلى الخريطة قائلًا "نرسم خطًا من عكا إلى كركوك"، كما يروي المؤرخ جيمس بار. نالت فرنسا غرب سورية ولبنان وأضنة، في ما وضعت بريطانيا يدها على جنوب العراق ووسطه، من البصرة إلى بغداد، مرورًا بحيفا وعكا. أما روسيا، فاختارت لها شمال كردستان والولايات الأرمنية، واحتفظت بحق حماية الأرثوذكس في فلسطين.
أما البقية، فقُسمت إلى مناطق نفوذ غير مرئية على الورق ولكنها كانت حاسمة على الأرض. ففلسطين، التي لم تُمنح لأي طرف بشكل مباشر، خُطط لها أن تكون تحت إدارة دولية، قبل أن تتحول إلى أرضٍ موهوبة للحركة الصهيونية لاحقًا.
وفي مملكة الهاشميين التي كانت تسيطر على منطقة الخليج والعراق، قاد الأمير فيصل ابن الملك حسين الهاشمي ثورة مجبولة بخديعة البريطانيين للعرب، بعد أن أوهموهم بوعد الانسحاب الفوري عقب انتهاء المعركة. وفي كانون الأول 1917، سيطر العرب على القدس وانهارت الإمبراطورية العثمانية بالكامل، وهنا بدأ سريان السم الحقيقي في المنطقة مع بداية تطبيق فعلي لاتفاقية سايكس بيكو.
بقي الاتفاق سريًا حتّى كشفت روسيا البلشفية عنه عام 1917، فاشتعل الغضب العربي الشعبي، وجاء وعد بلفور عام 1917 ليُعبّر عن نوايا بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، في تجاهلٍ واضح لتعهداتها السابقة للعرب خلال الثورة ضدّ العثمانيين. وهنا بدأت شعوب المنطقة العربية تدرك أن سايكس بيكو ووعد بلفور لم يكونا سوى وجهين لعملة واحدة. هذا الواقع فجّر عددًا من الثورات، أبرزها ثورة 1936 في فلسطين، ولكن القوى الكبرى كانت قد أحكمت قبضتها وجعلت من الكيانات العربية الناشئة كيانات وظيفية، تخدم المصالح الغربية لا العربية.
"طوفان الأقصى" يكشف الوجه الحقيقي للغرب
شكّل "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023 صدمة كبيرة للعدو ال"إسرائيلي"، وأربك الحسابات الصهيونية والغربية. ولكن سرعان ما حولت "إسرائيل" الحدث إلى فرصة لا تعوّض، فلم تكتفِ بردٍّ عاديّ، بل اختارت أن تستغل الأمور لتنفيذ حرب إبادة على قطاع غزّة بغطاء غربي، محاولة تفريغه ديموغرافيًا، والتلويح بخريطة تطبيع جديدة تشمل سورية ولبنان. وفي ظل هذه اللهجة الصهيونية، بدأ الخطاب الأميركي يأخذ منحى أكثر وضوحًا حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث جاء تصريح المبعوث الأميركي لسورية ولبنان توم بارّاك مثيرًا للانتباه، حين طرح فكرة ضمّ لبنان إلى سورية ضمن تصور جديد للمنطقة.
باراك اعتبر أن "المشكلة بين لبنان و"إسرائيل" تكمن في أنهما لا يتحاوران"، مهدّدًا الشرق الأوسط بعملية ضم وفرز جديدة، مؤكدًا أنه "لا يعترف به منطقة سياسية شرعية"، واصفًا إياها "بمجموعة من القبائل والقرى التي جرى تقسيمها على أيدي بريطانيا وفرنسا". إذ حاول ضرب عصفورين بحجر لمصلحة "إسرائيل"، أولًا في الترويج لـ"الشرق الأوسط الجديد" الذي يريده رئيس وزراء العدوّ "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو بدعم أميركي، منطقة تضم دويلات طائفية مذهبية متناحرة لا سيادة لها ولا كرامة وطنية يكون "الإسرائيلي" فيها الشرطي الذي يستطيع أن يضرب في أي مكان من دون حسيب أو رقيب، وثانيًا في دعم توجه نتنياهو الذي يعتبر أنه في مهمّة ربانية وتاريخيّة من أجل تحقيق "إسرائيل" الكبرى التي تتضمن خارطتها الزرقاء أجزاءً عدة من أراضي الدول العربية.
كلام باراك يناقض بشكل كامل قرارات القمة العربية الإسلامية التي عقدت استثنائيًا في قطر تضامنًا معها بعد العدوان "الإسرائيلي" عليها في أيلول الحالي، كما يناقض كلّ ما قاله العرب سواء في مؤتمر حل الدولتين أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يفترض بهؤلاء مساءلة الإدارة الأميركية عن هذه التصريحات التي تتضمن تهديدًا مباشرًا لسيادة دولهم، وعما إذا كانت بتوجيه منها دعمًا لمخطّطات نتنياهو.
بالمحصلة، وبما أن الشرق الأوسط ظلّ يمر منذ تلك النقطة التاريخية بمراحل متتابعة من الصياغة والتعديل والتحوّل، يبقى أنه وفي قراءة للمخاطر والفرص التي ستواجه بعد عام 2025، تتطلب فهمًا تركيبيًّا لمراحل إعادة التشكيل الممتدة من سايكس بيكو وصولًا إلى ما يُعرف اليوم بـ"الشرق الأوسط الجديد"، والذي لا يزال مشروعًا متنازعًا بين من يراه مدخلًا للاستقرار القائم على توازنات جديدة، ومن يراه مرحلة انتقالية لصراعات أكثر تعقيدًا وتشظيًّا.