عامٌ على شهادة السيد نصر الله.. المقاومة مستمرة
26 أيلول 2025

عامٌ على شهادة السيد نصر الله.. المقاومة مستمرة

كتَب المُحرّر

تحلّ الذكرى الأولى لاستشهاد الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، فيقف المرء حائرًا أمام ذلك الحدث الأليم الجلل، والذي حصل مع غروب شمس يوم الجمعة، في 27 أيلول في العام 2024. لم يكن إعلان نبأ الشهادة، في اليوم التالي، خبرًا مألوفًا عند العدوّ قبل الصديق، إذ إنه خلال لحظات أصاب جمهور المقاومة ومحبيها على امتداد لبنان والعالم حالٌ من الارباك والفوضى والهلع، كثيرَ منهم انهارت معنوياتهم، ولم يصدقوا الخبر، وقلقوا على مستقبلهم بعد شهادة قائدهم.
بالفعل، نزل خبر شهادة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله على جمهور المقاومة، في لبنان وفلسطين والعالم كله، كالصاعقة على رؤوس الأشهاد، إذ لم يتخيل أحد أن ذلك القائد الوطني والأممي الكبير الذي قارع العدوّ "الإسرائيلي" وأرعبه طوال ثلاثة عقود، وخاض معه أعتى المواجهات، وحقق عليه انتصارات عجزت عنها دول عربية، أن يُغتال بهذه البساطة، وبعد أربعة أيام على بدء العدوان. لقد أجبر العدو على الانسحاب من أرض جنوب لبنان، في أيار في العام 2000، وهزمه في عدوان تموز في العام 2006، وخاص معه معركة الإسناد دعمًا لقطاع غزة طوال عام .. وفي لحظة الشهادة؛ أصبحت أمة المقاومة بلا قائد يدير الجبهة، ميدانيًا وإعلاميًا ونفسيًا.
إذًا، الحدث ليس بالسهل أبدًا، حيث ظنّ أعداء المقاومة وكثيرون من حلفائه ومناصريه، أن المقاومة مع خبر الاستشهاد ستحتضر، وسرعان ما ستنتهي وترفع راية الاستسلام. وما عزّز هذا التفكير لاحقًا، عند بيئة المقاومة نفسها، عاملان اثنان: الأول، موجة الاغتيالات التي سبقت اغتيال السيد نصر الله، بدءًا من قادة الوحدات الجهادية في الجنوب، خلال حرب الإسناد، مرورًا بالقيادي الكبير في المقاومة فؤاد شكر وصولًا إلى فريق قوة الرضوان وقائدها إبراهيم عقيل ومجزرة "البيجر" واللاسلكي، وما أعقبها من اغتيال قادة ميدانيين كبار في الأيام الأولى لبدء الحرب أمثال المسؤول في القوّة الصاروخية الحاج إبراهيم قبيسي، في 25 أيلول، ومسؤول القوّة الجوية محمد سرور في 26 أيلول وغيرهم. 
أما العامل الثاني هو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه وقائد أركان جيشه هدّدوا مباشرة، بعد قصف مقر قيادة الحزب وارتقاء السيد نصر الله ومن معه من فريق إدارة الحرب، بتصفية قادة المقاومة وعلى رأسهم رئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين.. وبالفعل ارتقى الأخير بعد أقل من أسبوع، في 4 تشرين الأول، مع عدد من القادة ممن كانوا سيتولون إدارة المعركة.
هذه المجريات التي حصلت سلبت من جمهور المقاومة التفكير في المواجهة، حتى صار العدو يعتقد باستحالة قدرة المقاومة على مواجهة جيشه أو أن تصمد في وجهه أمام تلك الضربات التي تعرضت لها: القائد وفريق إدارة الحرب قضوا في الأيام الأولى، وحزب الله أصبح مكشوفًا أمنيًا وعسكريًا، وتلقى ضربات موجعة من سلاح الجو "الإسرائيلي"  تجاوزت 1600 غارة في يوم الاثنين في 23 أيلول، يوم بدء الحرب، غالبيتها استهدفت مخازن السلاح ومنصات الصواريخ وراجماتها.
كل ما حدث حتّى تلك الساعة، وأمة المقاومة تحبس أنفاسها وفي حيرة من أمرها، حتّى أطل الأمين العام الجديد لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، بعد أن أعلن العدوّ بدء هجومه البري، ليعطي الناس الأمل في أن المقاومة ستصمد وتقاتل حتّى الرمق الأخير. وقال إن: "حزب الله جاهز للتصدي لأي توغل بري "إسرائيلي" في جنوب لبنان.. ولن نتزحزح عن مواقفنا في مواجهة "إسرائيل".. سنواصل مسيرة السيد نصر الله وحزب الله مستمر في أهدافه.. والشهادة تعطينا القوّة، لذلك لا تراجع أمام ما يمكن عدّه خسارة في القاموس السياسي".
سرعان ما بدأ كلام الشيخ نعيم قاسم يُترجم عمليًا في الميدان، حيث تمكّن مقاتلو حزب الله من التكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، واستخدموا أشكال مختلفة من التكتيكات العسكرية. لقد كانت شهادة قائدهم الحافز الأكبر في ثباتهم وصمودهم الأسطوري، حيث نقلت القناة 12 العبرية: "مقتل 8 ضباط وجنود من وحدة الكوماندوز "الإسرائيلية" (إيغوز)، خلال المعارك الدائرة في جنوب لبنان"، وذلك في اليوم الأول من الهجوم البري.
يومًا بعد آخر، بدأت تتكشف مجريات المعارك، حيث ظلت قوات الاحتلال عالقة على تخوم القرى الأمامية الحدودية طوال 66 يومًا، تتعرض للكمائن والضربات القاتلة في الأودية والتلال من رجال المقاومة، من دون أن تحرز أي تقدم يذكر على الأرض.. وبات الوصول إلى نهر الليطاني، كما أعلنت، حلمٌ بعيد المنال. وفي غضون ذلك؛ فرضت قيادة العدوّ تعمية إعلامية على أخبار جبهة الجنوب بعد الخسائر التي منيت بها، وبعدما أيقنت أن المقاومة ما تزال في أوج قوتها، وهي من تسيطر على الأرض.
في هذا السياق، يروي قائد محور الخيام في المقاومة، ويقول: "مع بدء الهجوم البري بعثت القيادة رسالة تطلب مني أن أترك المدينة وأقاتل ومن معي على تخومها. لكن بعد التشاور مع مسؤولي الفصائل والمجموعات المنتشرة على الأرض، رفضوا الفكرة مطلقًا وأبوا الانسحاب، فبعثت إلى غرفة العمليات: "ليس منا من يتراجع إما الشهادة وإما النصر". وبالفعل خاض المقاومون في ذلك المحور، كما كلّ محاور الجنوب، أعتى الملاحم البطولية، حيث وُجد شبانٌ كثيرون شهداء في حُفرهم والرصاص نافذُ من بنادقهم.
هكذا أعطت شهادة السيد نصر الله العزيمة والثبات والإصرار للمقاومين كلهم، على امتداد الجبهة في المواجهة حتّى الرمق الأخير.. والعدو الذي ظنّ أنه باغتيال قائد المقاومة سيسهل عليه التغلب عليها، لم يكن يعلم أن العقيدة هي من تقاتل، وتعطي رجال حزب الله الصبر والإرادة.
اليوم بعد سنة على تلك الحرب الشرسة.. تقف المقاومة على سلاحها متأهبة لمواجهة العدو.. للدفاع عن كرامة الوطن، ومستلهمة من روح قائدها ورفاقه الشهداء ما يحفزها على الوقوف كالجبال في وجه جبروت العدو.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen