أيــن نحــن مــن الّــرفــاه النفّــســي فــي بــدايـة الـعــام الــدراســي 2025- 2026؟  أم لــنــا رفــاه المــوت!
25 أيلول 2025

أيــن نحــن مــن الّــرفــاه النفّــســي فــي بــدايـة الـعــام الــدراســي 2025- 2026؟ أم لــنــا رفــاه المــوت!

جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن 

لا يغـفـل علـى أحـد الأزمـات الكـبرى التــي حـصلــت فـي لبنــان منـذ عـام 2016 حتــى يــومـنــا هــذا.  بـدءا مـن الأزمـة السـورية  وتدعــيــاتهــا (آذار 2011)، الإنهـيـار الإقتصـادي (17 تشـريـن الثـاين 2019)، الجائحـة الصحيـة العالميـة (آذار 2020)، إنتـفـاضـة إنفجـار مرفـأ بيـروت (آب 2020)، مـرورًا ً بـالعـدوان الإســرائيلـي المسـتمــر الــذي لا يتـوقف مـنـذ تـشـريـن الثـاين 2023 والمسـتمـر حتى تاريـخ إعـداد هـذا المقــال. حيـث تـواصل إسـرائـيـل عـمـلياتـهـا الحربـية ضـد لـبنـان. تـبـدو إسـرائـيـل أن لا عــلاقـة لـهـا بإعـلان وقــف أعمـالـهـا العـدائـيـة والإلتزامات ذات الصلة بتـرتـيـبـات الأمـن عـبـر قـرار مجـلـس الأمـن الـدولـي رقم 1701، الصادر في 27 تشرين الثاني 2024. مـؤخــرا وليـس آخــراَ المجزرة التي ارتكبتها في بـلـدة بنت جبيل الجنوبية، فـي 21 أيــلول 2025. أسفرت المجـزرة عـن إسـتـشـهـاد خـمـسـة مـدنيـين بينـهـم ثـلاثـة أطـفـال مـن عـائـلـة واحـدة. لا تعدو كونها جزءاً من مشهد دموي متكرر. يضاف إلى الانتهاكات الإسرائيلية اليومـية الجـوية والبـرية والبحـريـة، فيـمـا الـدولة اللبنـانية تكتـفـي بـالإدانـة اللـفـظـية ومطـالـبة الـولايـات المتحـدة بالضغـط عـلى إسـرائيل لتوقـف إعتداءاتـهـا، تنسحـب مـن النقـاط الـتي إحتلـتـهـا، مـن دون أي تحـرّك فـعـلــي عـلى المـستـوى الـدولـي كـالـعـادة

نــذكــر بكــل مــا تقــدم لنــشــيــر إلـى الأثـر المركـب للقـرارات الإداريـة والماليـة والأزمـات المتكررة والإجـراءات الـغـيـر كافيـة للتعافــي عــلـى كــافــة مفــاصـل الـدولـة اللـبـنــانيـة، عــلـى كـافــة القـطــاعــات وخـصـوصـاً القـطــاع التــريـوي. أنسـتـطيــع مـنــاقــشـة خـطـة التــعــافــي وفــعــالـيــهـا أو التحــدث عــن الـدعــم النفـســي الإجـتـمــاعـي أو عــن الرفاه النفسي أو عــن الإعـمــار !!؟؟ الأزمـات المتكررة والإجـراءات الـغـيـر كافيـة أدت مجتمعـة إلـى تـآكل جـودة التعليـم، ضعـف إكتسـاب الـطالب(ة)  للمهـارات والمعـارف الأساسـية. نـشـهــد اليــوم إنهيــار متســارع للـقـطــاع التعليمــي، من تقليــص المنهــاج الأســاسـي وتكثيفــه ليتناســب مــع أيــام التدريــس الفعليــة إلـى تقليــص المعــارف والكفايات والمهارات المحـددة فـي المنهاج الأســاســي. نتـج عـن تعـدد الأزمـات تفـاقــم الـفـروقـات فـي جـودة التعليـم بيـن الفئـات الإجتماعيـة والمناطـق والمجموعـات الهـشــة مثـل الآجـئـيـن ، بيـن التعليـم الرسـمي والخـاص، الخـاص النخبـوي والخـاص المتـدنـي الكلفـة، والشــريـط الحـدودي والمناطـق الأخـرى، الطبقـات الميسـورة والفــقـيـرة، حـتـى أن الوصـول إلـى التعليـم أصبـح مســألة مطروحـة بـشــدة فـي مناطـق الجنـوب والشــريـط الحـدودي خاصـة، حيث يتعذر وصـول الآف التـلامـذة إلـى قــراهــم دون خطــة طــوارئ حـكـوميــة واضحــة لعـودتهــم أو إســتيـعـابـهـم فـي مــدارس بـديـلـة مـنـذ بـدايـة العـام الــدراسـي فـي تـشـريـن الثاين 2023 حتـى الآن. نتنـاول أيـضـا الـتـراجـع الحـاد فـي عــدد أيـام التـدريـس الفعـلـيـة التـي يتــم تقديـمـهـا فـي المـدارس اللبنانيـة بيـن 2025-2016 مقارنــة بالمعيــار العالمــي البالــغ 180 يومــا ســنـوياً فـي دول منظمــة التعــاون الإقتصــادي والتنميـة (OECD). عـلـى مـدى عـقـد مـن الزمـن، وصلـت خسـارة أيـام التدريـس الفعـليـة إلـى مسـتويات حرجـة، ممـا يمـكـنـنـا الـسـمـاح لأنفـســنـا الـقــول أن القـطــاع التــربـوي فــي لبنــان يــتـدهـور إنحـداريــاَ. إن هـذا الـتـدهـور هـو إنعـكـاس لـفـشـل رؤيـوي واســع فـي هـذا القـطــاع الـحـيـوي. كـمــا يؤكـد الحاجـة الملحـة إلـى تـدخلات سـريعة قائـمـة عـلـى الأدلـة لمعالجة أوجه الـقصـور الهيكلـية والمالـيـة فـي التعلـيـم والتــعــلـم.

 

فـي ظـل هـذا الوضـع، هــل لـديـنــا فرصـة للإصلاح الجـذري!؟ أنسـتـطيــع التحــدث عــن الـدعــم النفـســي الإجـتـمــاعـي أو عــن الـرفـاه النـفـسي فــي بــدايــة هــذا الـعــام الــدراســي 2025 – 2026 !؟ تكـتــب أحــلام مسـتـغــانـمـي : " من أرقى أنـواع رفاهـيـّة الـرّوح ، أن يـكـون إنفــرادك بنـفـسك هـو مـُـتعـتـك الحقيـقـيـّة، فمـن لا يـأنــس بـذاتـه لا يـأنـس بـشيءٍ آخـر ." مــا هـو مفـهـوم الـرفـاه الـنـفـسي؟؟ إن الـرفـاه النـفـسي عـمـلـيـة بـنـاء مـستـمـر، حـالـة شـامـلـة، نـشــاط إيــجــابـي. أولأَ،عـملـيـة بنـاء مستــمــريتطـلـب الـرفـاه النفـسي ممـارسـات واعـيــة وتفـاعــلاً مستمــرًا بيـن الأفكـار والسلـوكيات والتجـارب لتطـويـر حـيـاة متـزنة وعـمـيـقة. ثـانـيـاً، حـالـة شـامـلـةالـرفاه النفـسي لـيـس مجــرد "ســعــادة" مـؤقـتـة، بـل هـو شعـور عـمـيـق بالـرضا والتـوازن النفـسي والقـدرة عـلـى مـواجهة ضغـوط الحيـاة بشـكل واعـي وإيـجـابــي. ثــالـثــاَ، نـشــاط إيـجـابــييـتـعـلق بالجـانـب الإيـجابــي للـصـحـة النفـســية، حـيـث يـسعـى الفــرد لتنـمـيـة إمكانـاتـه وتحقـيـق ذاتــه بــدلًا مـن مجـرد غـيـاب الإضطـرابـات النفـسـيـة.

هــل نـعـيـش رفــاه نفــســي فــي مـؤسـســاتـنــا التـربــويــة اللبنــانيـة؟  لا تـوجـد معـلـومات مـؤكـدة حـول مـدى تـوفـر الـرفاه النفسي في مـدارس، ثــانـويــات، وجــامعــات لبنان بشكل عـام. تشـيـر بيـانـات الهـيـئـة الصحـية إلـى أن الصـحـة الـنفـسـيـة هي في مشـكـلة متـصـاعــدة فـي لبنان، حيـث يـعـاني نحـو 26.1% من المراهقـين فـي بيـروت مـن اضطـرابـات نـفـسية حسـب بيانـات 2012. مع ذلك، نشــيــر أن هـنـاك جـهــود لتعــزيـز الصـحـة الـنـفـسـيـة للـتــلاميـذ في بعـض الـمـدارس، بـدعـم مـن منظـمـات مـثـل اليـونيسـف التـي تسـعى لتوفـير بـيـئــة تعـلـيـمـيــة داعـمــة. هــل هــذا كــافــي!؟ أيــن المتــابـعــة ؟ التــقــويــم والتـقــيّــم؟ تــوجــد تحـديــات متنــوعــة ،متــشــابكــة ومـتــداخـلـة للــرّفـاه النّـفــسـي فـي الـمـدارس اللبنـانـيـة. إن الـمشـكـلات المتعـلـقــة بالـصحـة النفـســيـة للطـلاب مـوجـودة وتتـطــلـب إهتـمـامًــا أكـبــر.

إنّ للـدّعـم النـفـســي الإجتمـاعـيّ  دورًا أســاسـيـًّا ومحــوريًّا فـي العمـلـيـّة التّعـلـيمــيـّة التّعــلّمـيــّة. إهـتـم المـركـز التّـربـويّ للبحـوث والإنمـاء مـع وزارة التـربيـة بتعـزيز التّـعـلّـم الإجتماعـيّ – الـعـاطـفـيّ، والـدّعـم النـّـفـسيّ الإجتمـاعـيّ لـدى مختـلـف الأطـراف المعنـيـّة بالعملـيّـة التّعلـيمـيّة التّعـلـّمـيّة مـن معـلمــات ومعـلّمين ،متعلّمـين وأهــل ومجـتـمـع مـدنيّ. الـدّعـم النـّـفــسيّ الإجتماعيّ هــو التــّرابـط بيـن العمـليّـات النـّـفسـيّة والإجتماعيّة، وحـقـيـقة أنّ كلًّا منهـما يتفـاعـل مـع الآخــر ويـؤثــّر فـيـه بإستـمــرار. يـستخـدم هــذا المصطـلـح المــركّـب للـصّحّـة الـنـّـفـسـيّـة والــدّعــم النّفـسـي الإجتماعيّ لـوصـف وتــوصـيـف أيّ نـوع مـن أنــواع الـدّعـم المحـلّــيّ أو الخـارجـيّ الّـذي يهـدف إلـى حمـايـة أو تعـزيــز الـرّفــاه النـّفـسـيّ والإجتماعـيّ.

مّمـا يعـزّز الرّفـاه الـنّفـسـيّ – الإجتماعيّ مـكــوّنــات ســتـّـة أسـاســيّـة. المكــونــات الـســتـّـة الأسـاســيّـة هــي حــسـب عــالـمـة النّـفــس كـارول ريــف: العـلاقـات الإيجـابـيّة مـع الآخـريـن، التّمـكّـن الشّـخـصـي، الإسـتقـلالـيّـة، الـشّـعـور بـالهـدف والمعـنـى فـي الحـيـاة، والـنـّمــوّ والتـّطــوّر الشّـخـصـيّ. إذاً، يـصــل المـرء إلـى حالـة الـرّفاه الـنّفـسـيّ إذا وصـل إلـى حـالـة إتــّزان تـتــأثـــّر بـأحــداث الحـيــاة الـصـّـعــبة.  إنّ مـشـاريـع الـدّعــم الـنـّــفــسيّ الإجتماعيّ تـركّــز فـي أهـمـّـيــّة تـفـعــيــل الــشّـراكــات المـجتمـعـيـّة مـع الـجـهـات المعـنـيــّة لإنـتــاج بــرامــج ومـشـاريــع مــرتبـطـة بهـذا المـوضـوع.

يتـيـح الـيـوم العـالـمـي للـصحـة الـنـفـسيـة، الـذي يتـم الإحتفـال بـه في 10 تشرين الأول2025 ، فــرصـة لإذكــاء الــوعــي بقضـايـا الصحـة الـنفـسـية وتـعـبـئــة الـجهــود مـن أجـل دعـم الـصـحـة الـنـفــســيـة. هــل يمكنــنا الإحتفـال فــي لبـــنـان، بـهـذا اليوم العـالـمـي للـصحـة النفـسـيـة بعـد أكـثــر مـن عـقــد عـلى الـفــاقــد التــراكمــي التـعـلـيـمّـي؟! وبعــد سلـسلــة الأحــداث التــي أشــرنــا لــهــا فـي مقـدمــة هــذا المـقــال مـن جائحة كـورونا التي ضـربت في كل اصقاع الأرض وألـزمت مئـات المـلايين منـازلهم، عـطـلت الأعمـال، هـزت الإقتـصـاد العـالمي إلــى كـافـة الأزمــات.  لكـن مفاعــيل الحــرب الإســرائيلـيـة أشــد إيــلامــاّ،  مفاعــيلـهـا المــرئـيـة والغـيـر مــرئـيـة تظــلل بـتـأثـيـرها السـلـبـي عـلى الحـالـة النـفـسـية للـبنــانـيـين أجمـعـيـن، بالأخص صغـار الـسـن منهـم الـذيـن حـرمـوا مـن الـذهـاب إلـى المـدرسـة، أو سجـنـوا بيـن جـدران غــيــر منازلـهـم، أو إستـشــهــدوا عــلـى الطـرقــات.
 

لــذا إسمـحــوا لــي أن أقــول أنـنــا نـعـيــش "رفاه الموت!".  أسـتـخــدم هـذه العـبـارة بـشـكـل مجـازي، سـاخـر للتعــبـيـر عـن صعـوبـة الـوضــع الــذي نـعـيــشـه جمـيـعــاً. مــن آلام الفـراق، الإستــشــهــاد، عــدم الإستـقــرار و... . فـالـمـوت هـو الـنهـايـة والـفـنـاء، ولا يـرتـبـط بالـرفـاهـيـة أو الإستـمـتــاع، بـل غـالـبـًا مـا يُنـظـر إلـيـه كتجـربة مــؤلـمة وفـقــدان تـؤثــر علــى الصحـة الـنـفـّسيـة، فـي المــدى القصـيـر والـبـعـيـد. 

أيــن نحــن مــن الرّفاه النفّـسـي فــي بــدايـة هـذا الـعــام الــدراســي 2025 – 2026 ؟ أم لــنــا رفــاه المــوت! ســؤال يــنــقّــر مضـجـعــي ومضـجـعــنـا ســويـة.

جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن 

أخصـائـيـة فـي عـلـم النـفـس الـعـيـادي والـدعـم الإجتماعي 

أخصـائـيـة فـي عــلـم تـعـلــيم الكــبــار (الانـدراغـوجـي -  Andragogie)

 

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen