يــوســف بــك كــرم مــن خــلال يــوميــاتــه الــروحـيـة خــادم الله
جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـنكـلـمة "مـسـيــرة" تـشـيـر إلـى مـســار الـحـيـاة أو الـرحـلـة الـتي يـمـر بـهـا الإنـســان أو مـجـمـوعـة مــن الأشـخاص. هـي تـشـمـل المـاضـي والحـاضـر والـمستـقـبــل بــذلــك، تـعــبر عـن الـتطـور والتقــدم عـلى مـدى فـترة طـويـلة مـن الــزمــن.
أمـا كـلـمة "مـسـار" فـتـُشــير إلـى طـريق أو خـط سـير مـحــدد فـي المـكـان أو الـزمـان, هـي غـالـبـاً مـا تــدل عـلى إتـجـاه أو خـط مـستقــيم أو منحـني فـيـزيـائـي. الأمــر يتعـلـق بمـنـظــور تـطـوري هــو مـســار تـطــوري دون تنـاقـض أو تحــوّل نـوعــي. فالسـيرورة هـي عـملـيـة تـراكـمـيـة تـطــوريــة مـتتـالـيـة. لـهــذا يظــلّ الـنظـر منحـكـمـاً إلـى شـكل الحـركـة، إلـى تتـالـيـها دون لـمـس بـنـيـتــها.
بــنــاء عـمــا ســبــق وقــيل، فــإننــا نــذكــر أن إســم يـوسـف بــك كــرم يمــتــد فــي الـجــذور، فـي الــفــروع، فــي الـغـصـون نـحــو الــزهــور فالأثـمــار- مــن الـعــلــو نحــو الـعـمــق – مــن الشــرق إلـى الـغـرب. يـرتـبـط حـديـثــاً إسـم يـوسـف بــك كــرم بـالـفـاتـيـكــان بـشكـل رســمــي ورئـيــسـي لـمــبـادرات دعــوى تـقـديـسـه وفـقـاً للإجـراءات الـرسمـيـة فــي الـدوائــر. تـم مـؤخــراً في 13 أيــار 2018، الـسـمــاح بمـباشـرة التحضــير لـدعـوى تقـديـســه بـمـوافـقـة البطـريـرك المـارونـي الكـاردينـال مـار بـشــارة بـطــرس الــراعــي، الـذي تـأثــر بكــتـاب يـوميــات كــرم الـروحـية. حيــث أكـد غـبـطـتـه عـلى صفـات بطــل لبـنـان الإيـمــانـيـة والــوطـنـيــة. الأسـبــاب الـتي دفـعـت إلـى فـتــح مـلــف دعــوى التـطـويــب وإشــكالـيـة كــون يـوســف بــك كـــرم "مـحــاربــاً" !! ؟؟ كـيـف يـكــون قــديــســاً؟ أوضــح سيـادة المطــران جـوزيـف نـفـاع راعــي أبـرشـيـة إهــدن – زغــرتــا المـارونـيـة أن : "يــوســف بــك كــرم لــم يـكــن يــومـاً معـتـديــاً عـلــى أحــد إنــمـا كــان مــدافـعـاً عـن أهــلـه وأرضــه ووطـنــه الــواحــد المـوحــد. الـدفــاع عــن الــنــفــس حــق مـقــدس هــنــا الفــرق كـبـيــر فكــرم لم يخـتـر القـتــال مــن أجل إزهــاق الأرواح وإنـمــا فــرضــت عــلـيــه للــدفـاع عــن أهــلـه وأرضـه ووطـنـه".
لـيــس جــديــداً الإهتـمـام بــدعـوى تـقـديــس بـطــل لــبـنـان. ذلك يــعــود إلــى تــأصــلــه فــي الـذاكــرة الشــعبيــة – الجَـمـعـيـة، المحـلــيــة والـوطنـية كمــا الـعـالمـيـة. أضــف إلـى ذلــك صفـاتـه الإيمانـية والــوطـنـيـة الـمـوثـقـة فــي يـوميـاتـه الـروحـية فـي كـتــاب الخــوري يــوحـنــا مخــلــوف – خــادم رعـيـة إهــدن – زغـرتــا.
لمـنــاســبة إطــلاق عـمــل مـؤسسـة "خــادم الله يـوسـف بــك كــرم " ، دعــت الأبـرشـيـة الـبـطريـركـيـة المــارونيـة نيـابـة إهـدن – زغــرتـا إلـى محــاضـرة ألــقــاهــا سيـادة المـطـران سلـيـم صـفـيـر راعـي أبـرشـيـة قـبـرص المـارونـيـة. عـنـوان المحــاضـرة: " يـوسـف بــك كــرم مـن خـلال يـوميـاتـه الـروحـية ". ســـلــط المطـران سـلــيم صـفـيـر الـضــوء عـلـى أهـمـيـة يــوميــات كــرم فـي هـذه المحـاضـرة الـتـي أقـيـمــت فـي إهـدن ، الجمعـة 29 آب 2025، الســادسـة والنصـف مســاء، المــحضــر لـهـا فــي بــاحـة مبنــى الكبــرى ثــم أقيمــت فـي كنيسـة مــار بـطـرس وبـولـس الأثــريـة نظــراً لحــدوث الـغـربيــّة ، فعـبـق بـخــور الــقــداســة فــي الجــبــل الأشــّم، عــريــن مــوارنــة لبـنــان والمــوارنــة فـي الـعـالــم ( الـغـربيــّة أي الضـبــاب الكـثـيـف) .
يـوسـف بــك كــرم لـم يـكـن مجــرّد قـائـد أو زعـيــم. كــان رجــل صـلاة، ورجــل تــواضــع. رجــل خـضــوع كــامــــل لإرادة الله.
إستُـهـل اللـقــاء بـصــلاة تــلاهــا طـالــب دعــوى خــادم الله، الأب مـاجــد الأنطـونــي – مـديــر جامعــة الأنطـونيــة فــرع مجـدلـيـا - زغــرتــا. كـلــمة مـحـبـة ألـقــاهــا البـروفـيــسـور الـدكـتـور إمــيــل يــعــقــوب رحـبــت بـالحضــور. أضــاءت هـذه الكلمــة المحــاضـرة التــي رحبــت بالمـهــتمــيـن وفي مـــقـدّمـهــم عـقـيـلـة الـوزيــر والنـائــب السـابــق ســلــيـم بــك كــرم السـيـدة مـاريـنـا الشمــاس، السـيـّد أسـعــد بــك كــرم وعــائـلـتــه، إضــافــة إلـى رئـيـس بـلـديــة زغــرتا – إهـدن السـيـد بيــارو الــدويـهـي ممـثــلاً بالســيــّد جــوزاف سـعــادة وأعـضــاء المجــلس الـبـلــدي، إلــى جــانـب الآبــاء الكـهـنـة والــراهــبــات، ورؤســاء الجمعــيات والأنــديــة والفعـالـيــات الإجـتماعـية والثقـافــية وأهــالــي إهــدن الأوفــيــاء.
أدارت اللـقـاء الإعـلامـيـة كـلاريـا الـدويـهـي مـعــوّض، مـقـدّمـة البـروفـيــسـور الـدكـتـور إمـيــل يـعـقــوب، نـائـب رئيـس المـؤسـسـة والبـاحــث الجـامـعـي، الــذي شــدّد فــي كلمـتـه عـلى أنّ : " يــوسـف بــك كــرم لــم يـكـن فـقـط بــطــل لـبــنــان، بــل أيـقــونــة الـبـطـــولــة فــي كــل زمــان ومـكــان". كلـمـة البـاحــث الجـامـعـي يـعـقــوب ممتـلـئـة بالـعـاطفــة الحـقــة والـعـنـفـوان الممـزجــيــن بالمـعــايـيـر العـلمـيـة البحـثـيـة فــلفــت إلـى إلــتـزام المطــران سلــيـم صـفـيــر بـقـضـيـة تــطــويــب كــرم إلـتــزامــا عمـيــقــاً، شخــصـيــاً. ذلـك بـعــد تــأثــر ســيــادة المـطـران سلـيـم صـفـيـر راعـي أبـرشـيـة قـبـرص المـارونـيـة بـكـتــاب يــومــيــات كــرم الــروحــيــة للأب مخــلــوف الإهــدنــي.
ممــا جــاء فـي كلمــة البـاحــث الجـامـعـي يـعـقــوب : " يا أحـبـّاء، أســرعُ بـالإعـتــراف أمــامــكـم بـأنـنــي ســأقــصّــِر فــي التعــريــف، ســواء بـالــرجــل مــوضــوع المحــاضــرة أم بالمحـاضــر نـفـســه، بــالــرغــم مــن حيـازتــي شهـادتــَي دكـتــوراه فــي اللـغــة الــعــربية وآدابـهــا. فـالأوّل، وأعــنــي بــه يــوســف بــك كــرم، قــد مــلأ الـدنــيــا وشــغــل الـنــاس فــي زمــنــه، فــمــا عــسـانـي أقــول فـيـه، وهــو مَــن هــو؟ لــقــد لقـبــوه ببـطــل لـبـنــــان، وقـصّــروا فــي هــذا اللــقــب، فــهـــو لـيــس بـطــل لـبـــنــان وحـســب، بــل أيـقــونــة البـطـولــة فــي كــل زمــان ومـكــان، إنــّه بــطـــل الـشــهــامــة والـكــرامــة. بــإخـتـصـــار، هــو الألــمـعــي، الــروبـــوي، الأبـــي، الــبـهـــــي، الــتــقـــي، الــنـقــــي، الـطــاهـــر الــعــلَـــم. أمّــا المـحـاضــر، ســيـادة المطــران سـلــيــم جــون صــفـــيـر، فـســأركــّز فــي تـعــريــفــه عــلـى ثــلاثــة أمــور: تــواضـعــه، وعــلــمــه، وخــدمـتــه للــكــنــيـســـة. أمّــا عــن عــلاقــة المطــران صـفــيــر بـيــوســف بــك كــرم، فـقــد أعـجـبه كـتــاب الخـوري يـوحـنــا مخــلـوف بعـنـوان يوميات يوسف بك كرم الروحية. تـرجـمـه المطــران صـفــيــر إلـى الـفـرنـســيــة. مـنـذ ذلــك الـوقــت أصبـح مـريـضــًا بـحــب يــوسـف بــك كــرم. وأنــا أتـحــدّى كـل مــن يـعـيـــش يــومًــا مــع يـوســف بـك كــرم أو يـقــرأ فــي كـتــبــه أن لا يـصــبــح مــريضـًا بــحــبّ كــرم. (...).
ألـقــى المطــران سـلــيـم صــفــيــر مـحــاضــرتــه التــي عــنــونــهــا بـذات قــلمــه الــوفــي، الـعــلمــي والتــقــي : " مـحــاور روحــيـّــة مــن يــومـيــّات يــوســف بــك كــرم ". ســلــط سيــادتــه الضـوء عــلـى صـفــات كــرم الإيـمــانــية والــوطــنـيــة فــأكــد عـلــى أهـمـيـة دعــوى تـطــويــب كــرم " خــادم الله" . ســرد المـطــران صــفــيــر المحــاور الأســاسـيــّة لــدراســة اليــومـيـــّات بــعــد مقــدمــة بحـثــيــّـة أكــاديمــيــة.
جــاء فــي مقــدمــة المحــاضــرة ثــلاث نقــاط مهــمــة ممــهــدة للمــحــاور الخمــســة الأســاسيــة. نقــاط المـقـدمـة : 1- القداسَةُ اليوميّة شهادةٌ حيّة ، 2- لماذا تَكتب النفس يوميّاتها؟، 3- يوميّات يوسف بك كرم الروحِيّة. 1- القداسَةُ اليوميّة شهادةٌ حيّة : ( ... ) في هذا الإطار تبرز يوميّات يوسف بك كرم في منفاه كمرآة صافية لهذا المسار. فهي تجسّد عبر الصلوات والتأمّلات والخبرات الروحيّة كيف يستطيعُ الإنسان أن يحوّل كلّ لحظة إلى مجال للقرب من الله ، وكيف تصبح المحنة مدرسةً للرجاء، والمنفى فرصةً للاتحاد بالمسيح المصلوب والقائم. 2- لماذا تَكتب النفس يوميّاتها؟ تكتب النفس يوميّاتها حين تكون ممتلئة بالمحبّة، فالمحبّة تدفع إلى التسجيل، والإنصات يدفع إلى الاستجابة، والمعايشة تدفع إلى المشاركة. وهكذا تصبح اليوميّات خدمةً لكلمةِ الله، ومرآةً للحق، وشعاعًا للنور. ( ... ) وفي العصر المحدث، كتب البابا يوحنّا الثالث والعشرون يوميّاته الروحيّة التي جمعها في "مجلاّت النفس" (1958-1963)، فتجلَّت فيها بساطته ومحبّته الرعويّة وحرصه على خير الكنيسة والعالم. ومثله فعل القدّيس بولس الرسول في رسائله، فإنها تحمل طابع اليوميّات الروحيّة، كشَهادةِ حيّة للإيمان والمحبّة الملتهبة. هكذا تتراكب اليوميّات في التاريخ المسيحيّ كأداة للتعبير عن الحياة الداخليّة، وكشّهادة على عملِ الله في البشر. ويوسف بك كرم يندرج في هذا السياق، فيصير كتابُه محطّة روحيّة تفتح أمامنا آفاقًا للتأمّل في العلاقة بين الروح والفعل الإنساني. 3- يوميّات يوسف بك كرم الروحِيّة . واليوميّات الروحيّة التي دوّنها يوسف بك كرم في المنفى بين سنتي 1884 و1888 تُمثّل رحلة قلبِ منضبط، وإيمان حيّ، وتجربة روحيّة عميقة، لإنسان جَعل من النفي مدرسةً للروح، وتُظهِر كيف يكرّس الفرد كلّ لحظة من حياته للتجاوب مع إرادة الله وتحقيق المجدِ الواجب له. تكشف يوميّات يوسف بك كرم عن وعيِه العميق بأن المجد الواجب لله يتحقّق عبر الانضباط الداخلي، والثبات في الفضائل، والاستجابة لإرادة الله في كلّ تصرّف وفكر ولحظة من الحياة. الاستقامة، والتواضع، والثبات، والإيمان، والرجاء، والمحبّة تشكّل أساسًا عمليًّا لبناء شخصيّة روحيّة وعقليّة متماسكة، تتفاعل مع العالم بإيمان واعِ وحرّيّة مطلَقة.
أمــا المحاور الأساسية الخمــســة لدراسة اليوميات فـهــي بــرهـنــت أن دراسة يوميّات يوسف بك كرم دراسة علميّة تتطلّب منهجًا متعدّد الأبعاد، فتشمل أولاً المقاربة التاريخيّة لربط الأحداث المذكورة بالسياق السياسي والاجتماعي للقرن التاسع عشر، وتشمل ثانيًا المقاربة الأدبيّة لتحليل الأسلوب والرموز واللغة المستعمّلة، وتشمل ثالثًا المقاربة اللاهوتيّة والروحيّة لفحص الرؤى والتجارب على ضوء تعليم الكنيسة والتقليد الروحي، وتشمل رابعًا المقاربة النفسيّة والأنثروبولوجيّة للكشف عن أبعاد الشخصيّة والتفكير والثقافة، كما تشمل خامسًا المقارَبة النقديّة المقارِنة لوضع اليوميّات في إطار أوسع يبيّن أوجه التشابه والاختلاف مع كتب أخرى لشخصيّات روحيّة مشابهة. وهكذا تتأكّد أن دراسة اليوميّات هي بحث متعدّد التخصّصات، وهو يساعدنا على فهم العلاقة بين الحياة الروحيّة والالتزام التاريخي والوطني في شخصيّة يوسف بك كرم. لذلك، في المحاضرة هذه، ســلّــط المـطــران سلــيــم صـفــيــر الضوء على البُعد الروحي لخــادم الله يــوســف بـك كــرم. تنــاول ســيــادة المطـران صفـيــر خمسة محاور أساسيّة، تشكّل عمق هذا النهج الروحيّ الذي سلكَه يوسف بك كرم، وتبرز كيف يمكن أن تكون حياتنا جميعًا مرآة لروح فاضلة، متواضعة، متواصلة مع الله، هادفة لتحقيق المجد الإلهي في كلّ لحظة من حياة كــرم رجــل الله. غــــاص في نصوص اليوميّات، رؤاها، صلواتها، وتعاليمها الروحيّة، فــإستكشف كيف يمكن لتجربة يوسف بك كرم أن تكون نموذجًا عمليًّا لدراسة العلاقة بين الروح والنفس والفعل الإنساني المكرّس للخير والمجد الإلهي. الـمحــاور الـخـمـســة الأســاســيـّــة فــي هــذه الــدراســة البحــثــيـة الأكــاديمــيــة هــي التــالـيــة:
1- البساطة والتواضع: قلبُ الخدمةِ الروحيّة.
2- الصلاة: نبعُ الحياة وقوّة في مواجهةِ الشرّ.
3- الخضوعُ التّامّ لإرادةِ الله: سرُّ السلامِ الداخليّ.
4- الجسدُ الروحيّ: وحدةٌ في المحبّةِ والتكامل.
5- المثابرةُ والاجتِهادُ في دربِ الفضيلة.
ممــا جــاء فــي المحــور الأول : ( ... ) كما ورد على لسان القدّيس إسحاق السرياني (640-700): "التواضع هو لباس اللاهوت، ومن يلبسه، يلبس المسيح ذاته". وهكذا، كلما علت النفس في معارج النعمة، انحنت أكثر نحو إخوتها، لأن من ذاق الله حقًّا، عرف أن مجد الخدمة ليس في أن نخبر بما رأينا، بل في أن نغسل أقدام الإخوة بمحبّة صامتة ونور يفيض من الداخل. واسمحوا لي أن أقرأ في ختام هذا المحوَر الأول من المجلّد الأول الصفحة 66، ما كتبه يوسف بك كرم بتاريخ 15 تشرين الثاني 1884. "إن الله لم يرِد أن يستخدم للأعمال الروحيّة السامية سوى من كان بسيطا ومتواضعًا... فليس المعلّمون سوى أولئك الذين يستخدمون نور العقل ويستدلّون على المبادئ والنتائج الناموسيّة، ويقضون بالحق والعدل البشري بموجب نور العقل نفسه." هنا يظهر يوسف بك كرم أن البساطة والتواضع هما باب السماء إلى الأعمال الروحيّة العالية. فالله، الذي يسبُر أعماق القلوب، يختار مسكنه في النفس التي تقبل أن تكون إناءً صغيرًا لماء النعمة، وفي العقل الذي يطوّع نوره للحق والعدل، لا لكبرياء الذات.
المحــور الـثــانــي هــو الصلاة: نبعُ الحياة وقوّة في مواجهةِ الشرّ. من أعظم أسس الحياة الروحيّة التي يؤكّد عليها يوسف بك كرم في المجلّد الثالث صفحة 26، هي الصلاة، حيث يقول "الصلاة مفيدة جدًّا دائمّا، وهي سبب حياة وخلاص للبشر". فالصلاة هي المحوَر الذي تبنى عليه العلاقة الحيّة مع الله، من خلالها يلتقي الإنسان بخالقه، ويتلقّى القوّة والسكينة والنجاة. كما يوضح لنا كرم في المجلّد الرابع صفحة 32، أن الشيطان، ذلك الملاك المضلّل، يتّخذ هيئة النور ليَغوي المؤمنين ويجذبهم بعيدًا عن طريق الحق. لهذا السبب، فإن "قوّة الصلاة لا تستطيع الأرواح الشرّيرة مقاومتها"، وهي السلاح الذي يحصّن الإنسان من الهجمات الروحيّة والتشويشات الفكريّة التي قد تبعده عن صمت النور.
الـمحْور الثالث: الخضوع التام لإرادة اللَه – سرّ السلام الداخليّ. إن الخضوع لإرادة الله ليس ضعفًا، بل هو قوّة عظيمة تولّد السلام الداخلي الذي لا يقاس. يعلّمنا يوسف بك كرم أن نترك الأمور التي هي من اختصاص الله، ونتوسّل إليه أن يصنع بنا وبمن أراد كل ما يريد. فيكتب في المجلّد الأول صفحة 67 ما يلي : "علينا أن نترك إلى خالق السماء والأرض الأعمال المختصّة به، ونتوسّل إليه سبحانه أن يصنع بنا كلّ ما يريد". في هذا التسليم نجد الملجأ الحقيقيّ، خاصّة حين تواجهنا الصعوبات والآلام. ثم يصف يوسف بك كرم هذا الخضوع بقَوله: في المجلّد الأول صفحة 17: "يا سيّدي إنّ آلامك تجيبك عنّا، فبدون نعمتك لا نستطيع أن نقف تجاهك... فأنا وإخوَتي نسرع إلى ظلّ نايبة الرحمة." إن هذا التسليم الكامل هو إعلان محبّة وإيمان، وبهذا الخضوع يتحرّر الإنسان من كابوس القلق والخوف، ويعيش طمأنينة القلب التي هي ثمرة روحيّة لا تقدّر بثمن.
الـمحوَر الرابِع: الجسد الروحي – الوحدة في المحبّة والتأمّل. يعلّمنا يوسف بك كرم أنّ المؤمنين يشكّلون "جسد البيعة" الواحد، وأنّهم محتاجون إلى بعضهم البعض، لا ليظلّ كلّ واحد منهم منعزلاً، بل ليتكاملوا في محبّة ورحمة متبادلة. فيقول : ففي المجلّد الأوّل صفحة 67، كتب يوسف بك كرم ما يلي "هكذا جعل الله الناس محتاجين بعضهم إلى بعض كيما ينجوا بذلك من روح الكبرياء المهلكة ويلتزموا بالنوع الأدبي إلى ملاطفة ومحبّة بعضهم بعضًا." ثم يوضح أهميّة الاهتمام الجماعي في المجلّد الأوّل صفحة 35 قائلًا: "يلزمنا أن نهتمّ جميعًا بما يتعلّق بجميعنا وبكلّ واحد منّا.
أخــيـــراً المحوَر الخامس: المثابرة والاجتهاد في درب الفضيلة. في ختام هذه الرحلة الروحيّة، يدعونا يوسف بك كرم إلى الاجتهاد الدائم والمثابرة في طلب الفضيلة والخير. فهو يشبّه الطريق الروحي بالسباق الذي يتطلّب منّا أن نركض بجدّيّة وفرح، فلا نسمح لأيّ عائق أن يوقفنا. حيث يقول : "إنّ الله قد أعطانا هذه الأيّام والنعما لكي نبادر إلى السماوات، وفي الروح نجد أنّ المثابرة هي انضمام عميق إلى رغبة الله في قلبه.
فلنتذكّر، أيها الإخوة، أنّ حياتنا الروحيّة مسؤوليّة عظيمة، ومجاز نلتقيه بعد نهاية هذا العالم، فلنسعَ جميعًا بكلّ قوّتنا ومحبّتنا للتقرّب من الله والحياة بفضيلة التواضع والصلاة والخضوع لإرادته. مــن هنا يمكننا أن نفهم الترابط الذي يقدّمه كرم بين: التواضع كمفتاح يفتح قلب الإنسان لله (1)، والمثابرة كطريق يحفظ المؤمن في مواجهة التجارب (2)، والرؤية الباطنيّة كثمرة يمنحها الله لمن يسير بأمانة (3)
يــطــول الكــلام عــن كــرم الــبــطــل والــقــديــس. لا يتــســع هــذا المقــال لــســرد كــامــل مـحـتـوى المحــاضــرة الـقــيمــة التــي أغــنــاهــا سيــادة المـطــران ســلــيـم جــون صـفـيــر. لـســيــادتــك كـل الشــكر والحــب النـقــي المتـواضــع بـبــســاطــة ووداعــة إهــدن – الـعمــق الآمــن. إهــدن مــوطــن يـوســف بــك كــرم ، مــوطــن الـصـلاة نــَــبْــع للـحـيــاة وقــوّة فــي مــواجـهــة الــشـــر. ّ
أخـــتــم وأقــول : قــراءة يــومـيــّات يـوســف بــك كــرم تـُـظــهـــِر أن الـعـمل الــروحــيّ الـيــومــيّ هــو طــريــق لـتـحــقـيــق الـمــجــد الإلـهــيّ. كــلّ تــجــربــة هــي صــلاة وتــأمّــل تــســاهـم فـي نسـيــج حــيــاة مـتـكامـلــة. تُــظــهــِر كـيــف يــكــون الإنـســان شــريــكًـا فــاعــلًا فــي تحـقـيـــق إرادة الله. فـي هــذا السـياق، يـظــهــر لــنــا أن يــوســف بــك كــرم فــي يــومـيــّاتــه شـخـصــيــّة روحـيــّة عــمـيـقــة بــأبـعــادهــا، صــادقــة بــإيــمــان الجــدات والأجــداد. شـخـصــيــّة كـــرم الـروحـيــّة تـتــّســم بـالـتـواضـع، الـوداعــة والـبســاطــة. شـخـصــيــّة روحـيــّة تـتـّــجــه دائـمــًا نـحــو الـصــلاة والـتـأمــّل والـخــضــوع الـتــام لإرادة الله. مــسـيـرة ومـســـار بطــل لـبـنــان يـوســف بــك كــرم حــكــايــة بطــولــة، حــكــايــة قــداســة وحــبّ للـبـنــان المــوحــد.
جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن
أخصـائـيـة فـي عــلـم تـعـلــيم الكــبــار (الانـدراغـوجـي - Andragogie)













