من غزة إلى باب المندب.. اليمنيون يرسمون خريطة المواجهة الجديدة مع
05 أيلول 2025

من غزة إلى باب المندب.. اليمنيون يرسمون خريطة المواجهة الجديدة مع "إسرائيل

كَتب المُحرّر

أدت الضربة الجوية الإسرائيلية، والتي استهدفت قلب العاصمة اليمنية صنعاء وأدت إلى استشهاد رئيس الوزراء اليمني وعدد من أعضاء حكومته، إلى دخول الحرب بين "تل أبيب" وصنعاء "مرحلة جديدة من التصعيد". هذا ما صرّح به عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله اليمنية محمد البخيتي. في المقابل؛ كان قد وعد وزير الحرب الإسرائيلي "إسرائيل كاتس" بالضربة، وقال بعد تنفيذها إنها "مجرد بداية".
هذه التطورات تقود إلى تحوّل جوهري، في خريطة حرب الاستنزاف التي بدأـت منذ عامين بين جيش الاحتلال الإسرائيلي الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية في المنطقة، والقوات اليمنية الأكثر قدرة على التّكيف والصمود والتسامح الكبير مع الخسائر.
سرعان ما ترجمت تهديدات البخيتي في الميدان، حيث كان الرد سريعًا، فأعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها "قصفت هدفًا مهمًا وحساسًا للعدو الإسرائيلي غربي مدينة القدس المحتلة بصاروخٍ باليستي فرط صوتي، من نوعِ "فلسطين2"، وهدفًا حيويًا آخر في منطقة حيفا المحتلة بِطائرة مسيّرة". هذا بالإضافة الى تنفيذ عملية عسكرية "نوعية ومزدوجة" استهدفت مواقع إسرائيلية وصفتها بـ"الحساسة" في منطقة يافا، وذلك باستخدام صاروخين بالستيين، أحدهما من طراز "فلسطين 2" الانشطاري برؤوس متعددة.
أما على الصعيد الداخلي، فقد بدأت القوات اليمنية بحملة اعتقالات واسعة بعد الهجوم الإسرائيلي ضد من يُعتقد أنهم عملاء وجواسيس، واعتقلت ما لا يقل عن 11 موظفًا من الأمم المتحدة، بالإضافة الى عدد من المواطنين.
بحسب المحللين والمراقبين؛ الحرب بين "إسرائيل" واليمن بعد قصف مقر الحكومة في صنعاء بدأت تأخذ مسارًا مختلفًا عن ذي قبل، فاليمنيون أدركوا أنهم أمام عدو غدّار ليس لديه أي خطوط حُمر، والتجربة الإيرانية خير دليل.
لكن ما يؤرق "إسرائيل"، في هذه الأيام بحسب المراقبين، أن حركة أنصار الله اليمنية لم ينظر إليها على أنها مجرد طرف إقليمي يهددها، لقد أضحت طرفًا عالميًا معطلًا، حيث أطلقت الصواريخ على الكيان الصهيوني بعد أسابيع فقط من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسيطرت على أحد أكثر ممرات الشحن حيوية في العالم.
الأدهى من ذلك، أنه عندما قرّرت الولايات المتحدة جمع تحالف دولي لمساندة ربيبتها "إسرائيل"، فؤجئت بعدم جدوى حملتها الجوية على اليمن، فلم تثنِ القوات اليمنية عن مواصلة استهدافها لسفنها التجارية وبوارجها الحربية. وهكذا أعيد ترتيب رقعة الشطرنج، بشكل خطير، في شهر أيار 2025، عندما توصلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي كانت حريصة على إيجاد مخرج من حملة جوية مكلفة وغير فعالة، إلى هدنة مفاجئة مع اليمنيين. 
لقد كان الاتفاق الذي توسطت فيه سلطنة عمان بسيطًا: تتوقف واشنطن عن قصف أهداف اليمنيين، ويتوقف اليمنيون عن مهاجمة السفن الأميركية. وعلى طريقته المعهودة، زعم ترامب أن "الحوثيين استسلموا"، وأشاد في الوقت عينه بـ"شجاعتهم". ولكن الاتفاق كان في واقع الأمر بمثابة انتصار للحوثيين الذين واجهوا قوة عظمى، وخرجوا منها من دون أن يتزعزعوا.
بالنسبة إلى "إسرائيل"؛ الخطوة الأميركية الأحادية الجانب تعني أنها تُركت لمواجهة التهديد اليمني بمفردها، إذ لم يُحقق الانسحاب الأميركي من الصراع المباشر السلام، بأي حال من الأحوال، بل خلق بيئةً مواتيةً للتصعيد بين اليمنيين وكيان العدو، محولًا مشكلةً بعيدةً عن واشنطن إلى تحدٍّ استراتيجيٍّ مفتوحٍ لحليفها الإقليمي الأقرب "إسرائيل".
بعد أن أثبتت القوة الجوية عدم جدواها، وأصبح الغزو البري أمرًا غير وارد من الناحيتين اللوجستية والسياسية، لم تعد "إسرائيل" تملك أي مسار عسكري قابل للتطبيق لتحقيق النصر. وعلاوة على ذلك؛ التعامل المباشر مع اليمنيين يستنزف الموارد، ويصرف الانتباه عن الهواجس الأساسية لـ"إسرائيل": حماس في غزة، حزب الله في لبنان وكذلك إيران وبرنامجها النووي. 
اليمنيون بدورهم، يدركون هذا الأمر. هم يخوضون حرب استنزاف اقتصادية ونفسية، مقتنعين أنه حتى الضربات العسكرية الرمزية، مثل المسيّرات، تحقق مكاسب سياسية هائلة أكثر من آثارها العسكرية.
مع فقدان المسار السياسي أهميته وانغلاق المسار العسكري بسبب الانقسامات في التحالف المناهض لليمنيين، وفي ظل هذا الفراغ، تجد "إسرائيل" نفسها مقيدة بصراع لا يمكنها الفوز فيه. وقد نجحت الولايات المتحدة، في تحقيق سلام ضيق على حساب عدم الاستقرار على نطاق أوسع. وهذا يعني أن تصعيد المواجهة مع الكيان الصهيوني لم يخدم إلا في ترسيخ هيمنة اليمنيين، وهم المستفيدون الوحيدون من هذا النظام الفوضوي الجديد.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen