أيـن نـحـن مـن ثـقـافـة المــواطنـيــة؟ إستبدال أسماء الأشياء بــاب من أبواب الفـتن العـظـيـمة.
جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـنيقرأ الكـتاب مـن عنـوانـه. عـنـوانـك أنـت هـو إســمـك الـذي يجـب أن تعــتــز بـه، أن تـجـلـه، تحــافظ علـيـه، تعـتــني به . تتمـثل أهـمـية الاســم فـي كـونــه جــزءًا أسـاســيًا مـن الهـوية الشخـصــية، حـيث يشـكل نظـرة الـفــرد لـنفـسه ويـؤثر عـلـى نـظــرة الآخـريـن إلـيه.
كـما يحـمل دلالات ثقـافـية إجتـماعـية عـمـيـقة. يُـسـهم الإســم في بناء صورة الذات وتعزيـز الـثـقـة بالنـفـس. تـأتـي معـرفـة الآخـرين بـنا، لـيـس مـن خـلال شخـوصـنـا المــادي المـاثــل أمــامـهم، بـل مـن خـلال أسـمـائـنــا. فـأنـت بــإسـمـك وليــس بشـخصـك. لـذلــك يـظـل الإســم عـمـلة صعـبة عـلـى جمــيع المستـويـات.
عـنـدما يطـلق إسـم شخـصـيـة عـلـى شـارع مـن الشـوارع، فـهـذا يعـنـي حضــوره فـي العــيـن والـقـلـب وتردده على الذاكرة. إن عـمـق هــذا الحضور يـظـل مـرتبـطـاً بصـورة ذهـنـيـة يـصنـعـها ذلـك الشـارع فـي أذهـان المـارة فـيـه يـومـيـاً حـسبـما يشـاهــد العـابـرون فـيـه مـن مـقـومــات.
الأب الـدكتـور الـعـلامــة يـوســف يـمــّــين* هــو أرزة مـن بلادي. يـمــتد مـن ذاكــرة الأمـهـات والآبــاء إلـى ذاكــرة الـبـنـات والأبـنـاء ... والأجيـال القادمـة. يتجــاوز بُـعــده الـزمـانـي ومسـاحــتـه المكـانـية إلـى عـمـق وعــي وإدراك جـمعــي فـي ذاكـرة الأجـيـال وإلى مسـاحـة تتـسـع بـإتـســاع عـدد العـابـريـن في هـذا التكـريم يوما بعد يـوم.
يـزعــجـنــي عــدم تسمـيـة الأشــياء بأســمائـهـا. الشــارع الـذي يـغــمــر إهــدن - الـعـمـق الآمــن ، لـجــهــة وادي قــاديــشا – الـوادي المقـدس، المـنـدرج عـلـى لائـحـة الأيونيسكــو: هــو شــارع الأب الـعــلامـة يـوسـف يـمــّــين – عـلــم مــن أعــلام وطـنــي لــبـنــان. هـذا الأتـوستـراد ByPass (بــاي بــاس) ليس إسمـه . كمـا الأتـوستـراد الجـديد ليـس إسـمه أيضــا. كـفـى تضليـلا ... كـفـى إســتـفــزازا... . هــو شــارع الأب الـعــلامـة يـوسـف يـمــّــين.
إعـطـاء أسـمـاء أشـخاص للـشـوارع يُـعـد جــزءًا أسـاســيًا مـن التنـظــيم المـدنـي لـمـا لـه مـن فـوائــد تنظـيـمـية وثقـافتية، حيـث يسـهـل التعرف على المواقع، يخلد ذكرى شخصيات مهمة، يعزز الهوية المحلية، ويسـاهـم فـي تجـنب الازدواجـيـة فـي التسـمـيـة مـن خـلال وضــع قــواعـد واضحة للإخـتــيار وتجـنـب تكـرار الأسـمــاء. إن تسـمـية الشـوارع وتـرقـيـم المباني بـهــذه الأهـمـيــة! فـهـذه العمـلـية تعــزّز النـمـو الإقـتـصادي مـن خـلال تسهـيــل تـوصيل السـلـع والخـدمـات، مـن خـلال دعـم السـيــاحـة المحـلـية عـبـر مسـاعـدة الـزوار عـلـى التـنـقـل بشـكل أفـضل فـي البـلـدة، فـي المديـنة. كـمـا إنـها تـزيد مـن كـفـاءة تقـديـم الخدمات العامة وتتـيح إستجـابةً أسـرع لخـدمات الطــوارئ لـتـلـبية المـواطنـين عـنـد حـاجـتهم لـهـا. لجـأت الجهـات الـرسمـيـة فـي كـل دولـة مـن الـدول إلـى تخـطـيـط مـدنـهـا حسـب معـاييــر معـيـنة مـن خـلال تقسـيـمـهــا إلـى أحـيـاء تـشـقـها الشـوارع فـي الطـول وفـي العـرض. أعطـي لكـل مـنـهـا إســم ممـيـز أو رقــم ثـابـت لا يتغـير مـع الـزمـن. فـالإسـم أو الـرقــم يعتـبر هـويـة يعـرف بـهـا هـذا الحـي أو ذلـك الـشـارع ويـثبـت كـل ذلـك من خـلال خـرائط تفصـيـلـية تـمـكن الـزائـر (ة) أو السـائـح (ة) أو التـاجـر (ة) أو صـاحـب الحـاجة مـن الـوصـول إلـى بـغـيـتــه بكـل يـســر وسهـولة وبـدون أيـة مـشـقــة تـذكــر.
مـن المستحـب لا بــل المطلـوب مـن الجـيـل الصـاعـد أن يعـرف تـاريـخه ويعـتـز به لكي يـشارك بفـخــر في بنــاء الـوطـن.
في كــتابـه الإطـارات الإجـتـمـاعـيـّة للـذاكــرة (1925)، عـالــم الإجـتماع الفــرنـسيّ مــوريـس هالـبـواشــز طــرَح عــدّة أُطروحات حـول المفـاهـيم المـتعـلـّـقة بالـذَّاكـرة الجمْـعـيــّة. فنــَبــّه عــلــى وجود عــلاقــة قــويّـة بين الـتذكــُّـر الشخصـيّ للـفـرد، والمجـتمع الـذي ينـتـمي إلـيه. طــرَح "هالبواشز" أيضًا، فكــرة أنّ الإنـســان يتـأثــّر بعـوامــل عـنـد تَشـكُّل وعْـيـهِ بالمـاضـي، ابـتـداءً بالتـاريــخ المكـتـوب والـذاكــرة الجـمـْـعـيـّة، مـرورًا بالتفـســيرات النـابـعـة مــن معطـيـات الحاضر وإحتـياجـاته، وطِـبـــقـــًا لـمـوازيــن الـقــوى فـي المجـتـمـع.
تـسـميـة الأشـيـاء بغـيـر أسـمـائـها الحـقـيقـتيـة تـعتــبر من الأشـيـاء الـمسـتـفـذة، بــاب مـن أبـواب الفـتـن العظـيـمة، لإنـهـا تشــوه الأشـيـاء ويـنـفـــر الأسـويــاء مـن مجــرد ســمــاع إسـمـها ولانــها لا تعبــر فعـلا عـن حقـيـقـتها. تعتــبر تسـمـية الشــوارع، الأحـيــاء، المـبانـي متطـلـبـا حـيـوياً هـامــاً في عصرنا الـحـالي تطـبـقـها أشـهـر المـدن العالمية. إذ تعـكــــس تـسمــية الأشيــاء تـاريخ الأمـم والشـعوب وثقــافتـهـا فـي المجتمعـات العمرانية حـيث تستـطـيع ومـن خلالـهـا التعـرف عـلــى مسـمـيات أحـياء وشـوارع المـدن المخـتـلفـة والتعـرف على واقع تـلك المدن وثـقـافتـهـا على اختلاف أنواعـها وأشكالـها. تسـمـيـة الشـوارع وتـرقـيـم المبـانـي والـوحـدات السكـنـية هــي أحـد أهـــم عنـاصـر المـديـنة الحـديـثة. فــوائـد إعـطـاء أسـمـاء أشخــاص للشـوارع في التنظـيم المدني عـديـدة : التعـرف عـلـى المـواقـع وتحـديـدهـا، تعـزيـز الهـويـة المحـلـيـة والتـاريـخ، تحسـين التنظـيم العمـرانـي، منـع التكـرار والتشـابـه فـي الـتـسـمـيـة.
تعكـس الأسـمـاء المخـتـارة شخصـيـات بـارزة فـي التـاريـخ المحـلـي أو الـوطــن، مـمـا يـخـلــد ذكـرى هــؤلاء الأشـخـاص ويـربـط الأجـيـال الحـالـية بـمـاضـي مـدينـتـهم. تـسـاهـم فـي الحفـاظ عـلـى التـراث المحلي والإعتـراف بالإسهـامـات الهـامـة التـي قـدمها أفــراد فـي مجتـمـعـهم. تـسمـية الشـوارع تسـاعـد فـي تحـديـد المـواقـع والمبـانـي بـدقـة، ممـا يسهـل عـلـى السـكان والـزوار العثـور عـلـى وجـهاتـهم. تــسـاهـم فـي تسـهـيـل وصـول خـدمات الطـوارئ مـثـل سيـارات الإسـعـاف والإطـفاء، مـما يـحسـن مـن سـرعـة الإستجـابـة وكفـاءتـهـا. إعـطـاء أسـماء أشخـاص للشـوارع يـساعـد فـي تأسـيـس هيـكل منـظـم للمـدن الجديـدة، مـع تسمـية الشـوارع الرئيـسـيـة وتـرقيمـهـا مـنـذ البـدايـة لتجـنب التغـييـرات لاحـقـًا. يساهـم أيضـاً فـي تـوفـيـر سجـلات رسـمـية واضـحـة، حـيث تتطـابـق أسـمـاء الشـوارع مـع أرقـام المنـازل والقـطـع فـي المخطـطـات الأصلـية. وضـع قـواعــد واضـحـة للتسـمـيـة، مثـل عـدم تكـرار أسـمـاء مـتـشابـهـة فـي مـديـنة واحـدة، يمـنـع حـدوث ازدواجـيـة وصعوبـات فـي التعـرف على المواقع الصحيحة.
تفـتـخــر إهــدن بـإبنـهـا الـبـار كمــا نـفـتـخـــر كلــنــا بـإنــتـاجــه الـمـدون فـي صفـحـات كـتـبـه الـخـالـدة .
الـعـلامــة الأب يـمــّــين الإهــدنــي هــو كريم فــي وطـنــي لــبــنــان. إسـمــه يمـتـد فـي ذاكـرة الأجـيــال.
أحـب أن أشـيـر فـي الختام إلى أن فـي كـل مـديـنـة يـوجد بها عـدد مـن الأحـياء ذات الأسـمـاء الجمـيـلـة إلا أن تـلك الشـوارع والأحـيـاء لا زال بعـض منـها يحـتـاج إلـى لمـسـات عـلـمـية.
نــود أن تصبح قــرانــا، بلــداتــنا ومــدنـنا مـن أجـمـل وأنـظـف الـمــدن تـزيـنهـا الشـوارع والطـرق السـريـعـة والعـمـارة الحـديـثة. نــردد أن البـعـض منـهـا يحـتاج إلـى لمـسات عـلمـيـة ذات معــاييـر عـالمـيـة تتمـثـل فـي تحـديـد الحـي أيـن يـبـدأ وأيـن ينـتـهي وتسـمـيـة الشـوارع أو تـرقيـمـها بطريـقة لا لـبـس فـيـهـا والتخـلـص مـن الإزدواجـيـة فـي تسـمـيـة بعـض الشـوارع وتثـبـيت الأسـمــاء بحـيث لا يطـرأ عـلـيها تغيــير مـع المستــجدات مهـمـا كانـت المغـريــات، ذلــك أن أسـمــاء الشــوارع مـثـل أســمــاء الجـبـال إســـم عــلــم يـجـب أن لا يتغــير موقـعـهـا مــع الـزمــن و ... .
* يتقن عالم الذرة الأب الدكتور يوسف محسن يمين خمس لغات: السريانية، العربية، الفرنسية، اللاتينية، والإيطالية.هـو الـذي ولـد في زغرتا في 22 كانون الثاني 1933. بدأ دروسه الاكليريكية سنة 1947. حاز على اجازة في الفلسفة الدينية من جامعة القديس انسليم في روما وعلى اجازة في اللاهوت من الجامعة اليسوعية في بيروت سنة 1962 ثم سيم كاهنًا في السنة عينها، ثم دكتوراه في العلوم الذرية من جامعة السوربون في فرنسا 1966. علَّم الفلسفة في المدرسة الاكليريكية في غزير مدة عشر سنوات وقد امضى حوالي 30 عاما من حياته مدققا قارئا مفتشا وباحثا وفاحصا لكثير من الكتب التاريخية القديمة والجديدة، باختصار انه موسوعة فكرية.
العلامة الأب الدكتور يوسف يمين هو رجل دين وباحث ومؤلف ماروني لبناني. يُعرف بكونه موسوعة فكرية ودفاعه عن تعاليم الكنيسة المارونية. يعتبر من أكثر المدافعين عن تعاليم الكنيسة المارونية والكاثوليكية، كما يربط بين العلم والإيمان والكون.
هو المفكر والعلامة والفيلسوف العلم والليتورجيا الاب يوسف يمين احد اعلام لبنان الكبار اسمه مدون في صفحات كتبه العديدة المتنوعة. جامعة آل يـمــّـيـن في لبنان وبـلاد الإنتشـار تدون اسمه في كل بلادها وبلداتها وقراها من جيل الى جيل.
هو الأب الغزير الإنتاج وله العديد من المؤلفات التي لا يمكن حصرها. لديه مؤلفات عديدة في مجالات التاريخ والفكر الحضاري والعلوم والفكر الديني، من أبرزها: "الموسوعة الذرية" (8 مجلدات)، "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"، " لبنان بوتقة وحدة البشر" ، "نبضات اهدنية" ، إضـافـة إلــى مخطوطة إهدن الأمورية، كيمياء الحروف، العيد في الداخل، قانا الجليل في لبنان، البطريرك اسطفان الدويهي ـ قديس إهدن، إيلمارونية، المردة – بحث تاريخي، الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، من الذرة الى المجرة، دليل إهدن، دليل زغرتا، وميض في معبد اللحظة ـ قصائد صوفية ، مواد مشعّة ـ خواطر وجدانية، نبضات اهدنـيـة. صدر عن منشورات “ايلبنانيون” – إهدن، لبنان، 2025 كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمين بعنوان " المسيح هو الكون والكون هو المسيح في العهد الجديد "، حيـث أهـداه إلى أمــه التي أخبرتــه عـن المسيح لأول مرة.
حائز على الكثير من الجوائز والاوسمة والدروع التقديرية حائز على جائزة سعيد عقل عن كتابه المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية سنة 2000. حائز على وسام المعارف المعطى من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود في 22 ايلول 2003.
جـوزفـيــن سـلمــان يـمــّـيـن
أخصـائـيـة فـي عـلـم النـفـس الـعـيـادي والـدعـم الإجتماعي - أخصـائـيـة فـي عــلـم تـعـلــيم الكــبــار (الانـدراغـوجـي - Andragogie)



