"لبنان الكبير".. أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم
كتبَ المُحرّرأثار الطرح الأميركي الذي أعلنه موفد واشنطن إلى المنطقة توم بارّاك حول ضم لبنان إلى سورية، زوبعة من المواقف والانتقادات الحادة، وأعاد إلى أذهان الشعب اللبناني العديد من الأسئلة عن مصير كيانهم الذي حموه لأكثر من مئة عام.
ورغم أن لبنان الكبير مرّ منذ أن تأسس عام 1920 في مرحلة طويلة من التّصدع، كاد معها كيان البلد الجديد أن ينهار ويتفكك، نتيجة رفض المسلمين لانسلاخ مناطقهم عن سورية وضمها لمتصرفية جبل لبنان. لكن بعد استقلال لبنان عام 1943 عن الاستعمار الفرنسي، بدأت فكرة التعايش بين الطوائف تتجسد شيئًا فشيئًا، وهذا ما تجلى بمواقف القادة المسلمين، ومنهم الامام موسى الصدر الذي دعا إلى المساواة والوحدة والتضامن ووجوب استمرار التعايش الطائفيّ، معتبرًا أن التعدد الطائفي نعمة وليس نقمة.
"لبنان الكبير" هذا، لم ينشأ في اليوم الذي أعلن فيه الجنرال هنري غورو، قائد القوات الفرنسية في المشرق، بل الكيان اللبناني هو قديم جدًا، ففكرة التعايش المسيحيى في جبل لبنان مع محيطه المسلم في الساحل والبقاع كانت قد بدأت منذ القرن السابع الميلادي، وأخذت تكبر ككرة الثلج، وتوسع جبل لبنان فوصل كيانه السياسي إلى شمال سورية وانحسر إلى شمال لبنان الحالي، فكَبُر وصغر حسب المراحل.
ولعل معركة الاستقلال عام 1943، كانت النموذج الأقوى عن فكرة التعايش ووحدة الكيان وولادة شعور وطني تشكّل في ظل الاستعمار الفرنسي وتجسّد بإرادة الاستقلال لـ"لبنان الكبير" فأُخرجت فرنسا من لبنان، وتم إنتاج ميثاق وطني قائم تحت شعار: "لبنان ذو وجه عربي".
واستمرت تجربة التعايش ووحدة الكيان حتّى عام 1975، تاريخ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حيث دخلت في نفق مظلم فانقسم "لبنان الكبير" إلى مناطق متناحرة. والسبب في ذلك احتلال العصابات الصهيونية لأرض فلسطين، حيث هجّرت أهلها إلى دول الجوار.
عندها ظنّ الجميع أن فكرة التعايش المسيحيى – الإسلامي انتهت، لأن الصراع كان دمويًا وغذّته "إسرائيل" بقوة، إذ اتّخذ منحى طائفيًا في مراحل عديدة من الحرب، وشهد ذلك الوقت نزعات تقسيمية في استعادة لكيانات لبنانية أصغر، إلا أن إرادة التعايش ظهرت مجددًا مع تشديد قادة المسلمين عليها أمثال الإمام الصدر والرئيس رشيد كرامي.
وعلى الرغم من اتفاق الطائف عام 1989 الذي وضع حدًا للحرب الأهلية، وعادت فيه فكرة التعايش الإسلامي – المسيحيى إلى الواجهة برعاية عربية وخليجية، بقي "لبنان الكبير" محتلًا في جنوبه من "إسرائيل"، فخلق ظلم الاحتلال إرادة لبنانية في التصدي له، وكان تصاعد المقاومة التي أكدت سيادة لبنان وحررت أرضه حتى حدود فلسطين في العام 2000.
إذًا، إن فكرة التعايش، لا لم تمت، لأن أكثرية اللبنانيين الساحقة تريد دولة مستقلة. دافعوا عنها على مرّ العقود بكلّ الوسائل كي تبقى، وواجهوا المستعمر الفرنسي وقبله الظلم العثماني، كما واجهوا الاحتلال "الإسرائيلي" من أجل ذلك كله.
بكلام آخر، أكثرية اللبنانيين يريدون لبنان يعيشون فيه بسلام بعيدًا عن أية وصاية، ولن يقبلوا أن يكون مستعمرة أو محتلًا ثانية، وهم مستعدون لكل التضحيات كي يبقى كيانهم آمنًا وأرضهم محررة.
ولا شك في أن كلام المبعوث الأميركي في انهاء لبنان الدولة والكيان، يستدعي منا أن نقف وقفة واحدة، وليكن تفكيرنا ورؤيتنا بحجم هذا الحدث وأهميته، وأن نثبت للخارج أن "لبنان أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يقسم".